انتخابات طرابلس… والمعركة السورية

هتاف دهام

وقَعَ فوز لائحة «قرار طرابلس» في الانتخابات البلدية في عاصمة الشمال كالصاعقة على مسامع الحريريّين. أربك الخبر تيار المستقبل بشخص رئيسه سعد الحريري ووزير الداخلية نهاد المشنوق ومَن يدور في فلكيهما. لم تنفع كلّ محاولات الأزرق تحجيم وزير العدل المستقيل أشرف ريفي. نجح اللواء «المتصالح مع نفسه»، كما يصفه الحلفاء والخصوم، في شق طريقه السياسي. لم يزايد في مواقفه الشعبوية ضدّ سورية وإيران وسلاح حزب الله، على الحريري أو على المشنوق. لكن العلامة الفارقة تمثلت في أنّ ما يقوله ريفي في العلن وفي السرّ، كانت قيادات المستقبل تقول أضعافه في المجالس الضيّقة واجتماعات بيت الوسط ولقاءات الرياض وأنقرة.

نزل خبر فوز لائحة «قرار طرابلس» كالصاعقة على بيت الوسط. وضع العقلاء في التيار الأزرق نتيجة يوم الأحد في خانة تحديد حجم رئيس التيار الأزرق. فالحريري مضطر لإعادة مراجعة سياسته ليس على ضوء نتائج طرابلس، بل على ضوء كلّ نتائج الانتخابات البلدية التي حصلت في البقاع وصيدا وبيروت والشمال، مثلما يحتاج التحالف المسيحي الحديث الولادة لإعادة دراسة للطريقة التي قدّم بها نفسه بعد هزائم سنّ الفيل والقبيات وتنورين.

يؤكد قطب سياسي بارز في المستقبل أنّ العنوان الأول للتصويت لصالح لائحة الوزير ريفي هو الخطاب التحريضي الطائفي المتبنّى منه. خيضت انتخابات طرابلس وكأنها جزء من الاشتباك في ساحات سورية والعراق واليمن. فجمهور الفيحاء الذي اقترع للائحة اللواء لم يصوّت لاعتبارات إنمائية أو خدمية أو مدنية، إنما لخيار تحريضي على إيران والهجوم على حزب الله ورفض لغة الحوار الثنائي. إنّ الانتخابات البلدية هي أول انتخابات تحصل بعد الأزمة السورية. ولذلك يُراد من التصويت تأكيد انّ عاصمة الشمال بخياراتها الاستراتيجية هي جزء من المعركة السورية رغم سقوط مشروع طرابلس في بابا عمرو ووادي خالد وقلعة الحصن وأكروم والزارة، فالبعض لم يصدّق أنّ خيارات فريقنا 14 آذار السورية هزمت، فأراد أن يعبّر عن رؤيته في صندوقة الاقتراع.

لا يرى القطب الأزرق في «تسونامي ريفي» نجاحاً بقدر ما هو فشل كبير للحريري، وهزيمة للسعودية وخياراتها في لبنان، مهما حاول البعض تجميل الواقع ونسب قوة الوزير المستقيل إلى غطاء سعودي مرتبط بعلاقته الوطيدة بولي العهد الحالي محمد بن نايف.

يتخذ المستقبليون من صيغة العيش المشترك سلاحاً ذا حدّين للتهجّم على الوزير الشمالي. يضعون جانباً استئثار بيت الوسط بالسلطة ورفض إعادة تكوينها على أسس صحيحة وعادلة. بالنسبة لهؤلاء استند ريفي إلى رافعة دينية سلفية متطرفة. أخرج العلويين والمسيحيين من التمثيل في المجلس البلدي، ما شكل نقطة سوداء على رأس طرابلس وضرب مفهوم التعايش التاريخي الذي من المفترض أن تفتخر به عاصمة الشمال، وأكد أنّ الظلامية هي التي قادت عملية الاقتراع.

يصوّب الزرق على الرئيس نجيب ميقاتي، فالائتلاف الذي شكل على عجل لم يوح بالثقة للطرابلسيين. ما حصل شكل هزيمة لدولة الرئيس، فهو شكّل اللائحة وتمسّك بعزام عويضة رئيساً وفرضه على الحريري، والتفّ حوله الحلفاء بصفته الحاضنة الأساسية للمشروع. كانت ماكينته الانتخابية الأكبر، وأوحى لكلّ من تعامل معه الإعلام في الشهرين الماضيين أنه الرقم الصعب.

إنّ الهزيمة التي مُنيت بها لائحة «لطرابلس» هي لمجموع القوى التي تشكل النسيج السياسي والعائلي والاجتماعي والتاريخي للمدينة، وللرئيس الحريري وحزبه من بوابة رفض خياراته السياسية المعتمدة في البلد. كان عامل المال عاملاً أساسياً لهزيمته، لا سيما أنّ الشمال رافعة معاركه منذ 14 شباط 2005 كانت العلاقة بينهما مرتكزة بشكل عضوي وأساسي على المال كأحد النواظم الأساسية لهذه العلاقة.

تصل الصدمة بأصحاب القمصان الزرق إلى حدّ القول إنّ الواجهة السياسية لطرابلس أمام تحدّ وجودي قد يصل إلى حدّ الإلغاء. صحيح أنّ الانتخابات التي أجريت هي بلدية، لكن الرسالة التي قالها الخطاب السياسي للمقترعين لصالح لائحة قرار طرابلس هي رئاسة خطيرة في ظلّ حجم الاختلاف السياسي القائم.

يدعو المقرّبون من بيت الوسط رئيس تيار المستقبل إلى دقّ ناقوس الخطر وإجراء مراجعة شاملة تبدأ بالمركز، وصولاً إلى أسفل الهرم، لأنّ وضع الحريرية لم يعُد بخير.

فهل الوقت لا زال سانحاً؟ خرج الرئيس الحريري من الشمال. وبدأت عملية تكريس تفكك تياره تتسارع. لن يستطيع التيار الأزرق صاحب أكبر كتلة نيابية في المجلس النيابي أن يعود إلى البرلمان عام 2017 بأكثر من 13 أو 14 مقعداً نيابياً بعد الهزائم التي تلقاها في طرابلس والمنية وبيروت، إلا إذا مُدّد لولاية ثالثة للمجلس.

خسر الشيخ سعد التمثيل السني سواء أجريت الانتخابات على أساس النظام النسبي أو النظام الأكثري. برزت 5 قيادات سنية على الأقلّ كلها محلية، على عكس التيار الوطني الحر العابر المناطق، والثنائية الشيعية، فالانتخابات البلدية لم تمسّها جوهرياً.

هل بات تيار الرئيس سعد الحريري بحاجة إلى قانون نسبي أكثر من أيّ وقت مضى؟ يعتبر العقلاء في هذا التيار أنّ النظام النسبي أفضل حالاً من النظام الأكثري. والنتائج التي يُحرزها «المستقبل» في النسبية ربما تصل إلى 30 في طرابلس على سبيل المثال، بيد أنّ النتيجة ستكون صفراً على أساس الأكثري. الزلزال السياسي غير المسبوق أكد انتفاء الحيثية السياسية في طرابلس، والخوف أن يتمدّد التفكك إلى كلّ الشمال…
 

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى