أميركا سقطت… إنه عصر الشرق

محمد شادي توتونجي

بكلمتين على طريقة أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله: «أميركا تسمِّن عجولها ليصدموا رؤوسهم بالجدار».

فكلّ هذا التهويل والعويل والتصعيد والصراخ الأميركي بحجج إنسانية وجرائم حرب وغيرها من عبارات ممجوجة حتى من مطلقيها ما هي إلا لنفخ السعودي والتركي والعصابات المسلحة ليصلوا بهم إلى الجدار وتفتح رؤوسهم الحامية.

أميركا الجبانة هذه لم تستطع أن تقوم بهذه المغامرة المجنونة عام 2013 عندما كان الوضع العسكري أصعب في سورية على الجيش العربي السوري وحلفائه، فكيف اليوم وقد أتت روسيا بقضها وقضيضها ورمت بكلّ ثقلها الدبلوماسي والعسكري والتسليحي والتقني وانخرطت الصين علانية في الحرب، بالإضافة إلى إيران .

لم تأتِ روسيا إلى سورية لتخوض مغامرة غير محسوبة بكلّ خياراتها ونتائجها، ولم تأتِ فقط لتدعم النظام في سورية وتحارب الإرهاب الذي سيدق أسوارها فيما لو نجح الأميركي بإرهابييه أنّ يسقط الدولة السورية، وبالتالي المنطقة كاملة وصولاً لطهران وموسكو، بل أتت لتحقق إضافة إلى أمنها القومي، ضمان قوتها بحيث لا يمكن التلاعب معها في حديقتها الخلفية أوكرانيا ولا في أمن الجمهوريات المستقلة الحليفة معها عبر الثورات الملونة للانقاض عليها من الداخل وإشغالها بذاتها عن الملفات الاستراتيجية في المنطقة وإبعادها عن التحالفات مع الدول التي ترفض التبعية لحلف واشنطن، وكذلك للحصول على قوتها العالمية من جديد وعودتها قطباً عالمياً ربما سيكون الأقوى في العقود المقبلة، لا يتم حلّ النزاعات في العالم والإقليم إلا بالتعاون معها وبالاعتراف بدورها المركزي في أوراسيا والعالم أجمع.

ربما يقول البعض إنّ هذا مبالغ فيه أو مكتوب بحمية ودوافع تعتمد على العواطف أو الأماني، ولكن سنطرح سؤالاً بسيطاً جداً لا يحتاج إلى خبراء عسكريين للإجابة عليه ألا وهو:

لماذا أتت روسيا بالمدمرات البحرية التي أهدافها الرئيسية هي البوراج الحربية وحاملات الطائرات والتي تعمل بمنظومة سطح سطح أي على الأهداف البحرية؟ هل لأنّ المجاميع الإرهابية لديها حاملات طائرات أو بوراج؟ ولماذا أتت روسيا بأقوى منظومات دفاع جوي ومضادات للصورايخ من طراز S300/S400 وبانتسير المتقدمة والأكثر تطوراً في العالم وهي تعلم أنّ سورية تمتلك منظومات S 200 ومنظومة بوك وغيرها؟ هل هي لإسقاط القوى الجوية للمجاميع الإرهابية؟

تدرك أميركا تماماً، ومع كلّ ما تشاهده على الأرض من صمود سوري وروسي غير مسبوق وقوة على الميادين السياسية والعسكرية والديبلوماسية، وكلّ هذه الصلابة والتشدّد الروسي الصيني في مجلس الأمن، أنّ أي ضربة في سورية موضعية أو محدودة أو موسعة دونها حرب عالمية تستطيع أميركا بأذنابها أن تبدأها ولكن لا تعلم متى تنتهي. وهذا ما تؤكده كلّ التصريحات من وزارة الدفاع الروسية وكذلك الخارجية الروسية حيث حذرت وزارة الدفاع الروسية وبشدة بأنه سوف يتم التعامل مع أي مصدر للنيران بشكل مباشر ولن يكون هناك الوقت لتحديد من الذي قام بهذا العمل العدائي.

وما لا يقلّ عنه حدة وخطورة هو تصريح الوزير لافروف: إنّ أي مغامرة عسكرية في سورية أو استهداف للمطارات والجيش السوري هي « ألعاب خطيرة»، وكذلك التصريح بأنّ أميركا تعبث بمصالحنا وأمننا القومي، والأهم هو الفيتو الخامس في وجه مشروع حلفاء أميركا الفرنسيين في جلسة مجلس الأمن الأخيرة التي تتماهى مع المخطط الأميركي في فرض منطقة حظر جوي فوق سماء حلب على الطيران الروسي والسوري في محاولة فاشلة لتمرير المخطط وطعن روسيا من جديد في الظهر بعد هدنتي شباط الماضي وعيد الأضحى اللتين استخدمتا لإعادة تسليح النصرة والمجاميع الإرهابية ولوقف تدحرج هزائم تلك المجاميع في تلك المعارك وإعطائها الفرصة لخلط الأوراق من جديد.

في الحقيقة إنّ أحلام وأوهام أميركا وعجولها في السعودية وتركيا بإقامة منطقة عازلة جوية في شمالي سورية وخصوصاً في حلب قد تحققت أخيراً، فمن اليوم وصاعداً صارت ممنوعة على طيران التحالف الأميركي، وكلّ طائرة أو هدف جوي يدخل باللون الأحمر في منظموات الدفاع الجوي الروسي السوري المشترك هو هدف مباشر ما لم يتم دخوله بالتنسيق المباشر مع القوات السورية الروسية المشتركة للدفاع الجوي.

وبالنتيجة وحسب ما ذكرنا أعلاه لا يمكن تغيير المعادلات على الأرض السورية الآن أبداً التي ترجح كفتها بشكل كبير وواضح للحلف السوري الروسي الإيراني الصيني وحزب الله بشكل قاطع وواضح، وبأننا لن نتوقف أبداً عن المعركة المتدحرجة بالانتصارات والحسم من حلب التي تعادل أكثر من ثلثي النصر الاسترايتجي الحاسم، والتي بكسبها تكون الدولة السورية قد استعادت السيطرة على المدن الأكبر والأهم والأكثر استراتيجة في سورية، والتي تسقط فيها كلّ الأوهام للحلف الأميركي، حيث أنّ أميركا تعلم أنّ آخر أوراقها في حلب الشرقية حتى تستطيع التفاوض مع الروسي والسوري ولتستطيع إنقاذ ما تبقى من عصاباتها لتفاوض بهم وعليهم، وإلا فليفسر لنا أحدكم ما هو سبب الاتصال المطول عبر 90 دقيقة من كيري للوزير لافروف بعد أن علقت أميركا تعاونها مع روسيا في سورية؟

نحن مؤمنون بأننا نربح الحرب اليوم وبشكل حاسم لأننا نعرف لماذا نحارب ومن نحارب ومتى نحارب، ومتأكدين من أنّ قياداتنا تدرك تماماً أنّ أي توقف أو تراجع الآن عن الحسم العسكري سيكون بمثابة منح أميركا نفساً وانتصاراً مجانياً لحماية مجاميعها الإرهابية وحلفائها المهزومين، ولأننا ندرك يقيناً أنّ ما لم تستطع أميركا وأذنابها الحصول عليه بالحرب لن يحصلوا عليه في زمن انتصاراتنا، وبأنّ نتيجة هذه الحرب هي رابح واحد وهو حلفنا ومنهزمون في الحلف الأميركي.

قد يتنطح بعض الجهابذة بالقول: وماذا خسرت أميركا التي لا تقاتل بجنودها وجيشها مباشرة على الأرض وأسلحتها مدفوع ثمنها بالبترودولار ومجاميعها الإرهابية ممولة بالبترودولار والدمار الذي يحصل ليس بأرضها والدماء التي تسقط ليست أميركية؟

سؤال يبدو، في ظاهره، منطقياً ويعبث بكثير من العقول والعواطف عند الكثيرين ويبدو أنه يحمل لب الحقيقة ولكن:

أيها السائلون أميركا خسرت الكثير الكثير في هذه الحرب، فهي التي أعادت روسيا والصين أقطاباً عالمية جديدة رغم أنفها، وهي التي أذعنت لإيران النووية، وهي التي تلقت الصفعات الدبلوماسية في مجلس الأمن بشكل غير مسبوق في تاريخ الأمم المتحدة عبر الفيتو الروسي والروسي الصيني المشترك، وهي التي أصحبت مقطعة الأذرع بحلفاء «أذناب « من الأتراك والسعوديين أضعفتهم الحرب السورية بشكل كبيرجداً، وهي التي بمجامعيها الإرهابية حاولت إسقاط الحدود لإعادة تفتيت المنطقة فقلب السحر عليها وتم فعلاً إسقاط الحدود ولكن لصالح حلفنا المقاوم ووقعت أميركا في الفخ، واستجلبت الحرس الثوري الإيراني إلى سورية علانية وعلى الحدود الجنوبية المحاذية للأراضي المحتلة وكذلك حزب الله إضافة إلى تمكين روسيا في البحر المتوسط والمياه الدافئة بعد زمن طويل، والأهم هو التواجد الصيني الذي يغفله الكثيرون، بعد أن كانت أميركا تظن أنها قادرة على إرباك الصين في بحر الصين فأتتها الصين إلى البحر المتوسط، وكذلك إعلان اتفاقية الدفاع المشترك الروسي الصيني وهو من أخطر الكوراث على أميركا على الإطلاق، وكذلك تنمية وتدعيم منظمة شنغهاي بضمّ باكستان والهند إليها، إضافة إلى حلف بريكس الذي يمثل أكثر من نصف سكان العالم، والذي يمتلك أكثر من 60 في المئة من الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يعني انتقال السيطرة المالية العالمية من الغرب الاستعماري إلى الشرق التحرُّري، والأهم هو ما ستؤول إليه « أوراسيا « بعد فرار أميركا من أفغانستان و التواصل الجغرافي البري لحلفائنا من الصين إلى المتوسط وماله من نتائج كبرى على إمدادات الطاقة في العالم الجديد.

فهل تدلّ كلّ هذه النتائج برأيكم على الخسائر الأميركية أم على مكاسبها؟

في النهاية أقول أيها القلقون والمتوترن من التهويل الأميركي بضرب سورية وحلفائها في سورية، إنّ هذا الأمر دونه حرب عالمية ثالثة، لا تستطيع أميركا القيام بها أو خوضها لكلّ ما ذكر من أسباب أعلاه، ولأنها تعلم بشكل قاطع أننا نحن سنكون أسيادها، ونحن من سيحسمها، وإن أرادوها حرباً مفتوحة ضدنا فأهلاً وسهلاً بالحرب، فنحن دوماً أصحاب الطلقة الأخيرة في كلّ المعارك التي خضناها، وسنكون كذلك في كلّ المعارك المقبلة، ونحن اليوم بحلفنا الممتد من بحر الصين إلى المتوسط سنغير المعادلات والخرائط كلها، وليذكر لي أحدكم أي حرب ربحتها أميركا منذ حرب الفيتنام إلى اليوم؟

أيها السادة إنّ غداً لناظره قريب، وزمن الهزائم قد ولى وأتى زمن الانتصارات، والأيام بيننا والحرب سجال.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى