«داعش»… «زواج مصلحة» بين فصائل إرهابية يتزعّمها البغدادي وبقايا فلول نظام صدّام ١

إعداد وترجمة ليلى زيدان عبد الخالق

إذا كان يجب على العالم أن يتعاطف، فهل يتعاطف مع «إسرائيل» بسبب «الهولوكوست»، تلك الحادثة التي ضُخّمت كثيراً، وبولغ في إظهارها إعلامياً خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، ولا يزال الصهاينة إلى اليوم يتّهمون باللاسامية كل من ينكرها أو يشير إلى المبالغة فيها؟ أو يتعاطف العالم مع العرب والمسلمين بعد ظهور «داعش»، بمذابحه ومقاصله وسيوفه وخناجره، وقطع الرؤوس، والإعدام ذبحاً وحرقاً، والاغتصاب، وقتل الطفولة، والخطف، وكل الموبقات التي يمارسها عناصره يومياً في سورية والعراق؟

هل يتعاطف العالم مع العرب والمسلمين لإنقاذ الإسلام ـ الرسالة السماوية السمحة ـ من براثن تنظيم إرهابيّ يدّعي أنّه يطبق شريعة الله على عباده؟

وفي سياق الحديث عن «إسرائيل»، كيف ينظر الصهاينة إلى «داعش»؟ لنثق أنّهم لا يرون فيه إلا فرصةً أتت لتحارب «أعداءهم» عنهم. وعلى سبيل المثال يقول عاموس هرئيل في مقال نشره منذ أيام قليلة في صحيفة «هاآرتس» العبرية: «الهجوم الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية منذ الصيف الماضي في سورية والعراق لم يُزح قليلاً التنظيم الجهادي داعش، لا بل أنّه عزّز سيطرة الرئيس السوري بشار الأسد على المناطق التي تقع تحت سيطرته. الخطر الآنيّ لسقوط النظام انقضى إلا إذا قتل الرئيس نفسه ، وتغيير الطاغية أصبح لا يشكل حاجة ملحّة لدى الغرب، بعدما اتضح أن خصومه ليسوا أقلّ وحشية منه، وحتى أنهم يميلون إلى التفاخر بوحشيتهم. من وجهة نظر إسرائيل، يبدو أنّ التطوّرات في الأشهر الأخيرة أقلّ سوءاً من بضعة خيارات غير مريحة. على رغم أنّ إسرائيل لم تعترف في أيّ وقت بذلك. فإنّ استمرار القتال بين المعسكرات المتقاتلة في سورية يخدمها. الجيش السوري، الذي كان قبل بضع سنوات العدو الأكثر إقلاقاً للجيش الإسرائيلي، ضعف كثيراً بسبب الحرب. وفي المقابل، فإنّ سيطرة السنّيين المتطرّفين على كل سورية أمر غير مرغوب فيه بالنسبة إلى إسرائيل لأنهم أعداء يصعب التنبؤ بنشاطاتهم ويصعب ردعهم. استمرار القتال بين معسكرين عدوين لإسرائيل مفضّل بالنسبة إليها».

بين أيدينا اليوم، تحليل مثير للاهتمام، نُشر في «New Republic»، وسننشره على حلقات، وترتكز قيمته في التعاطف مع العرب والمسلمين لا مع «إسرائيل» ـ كما جرت العادة.

كتب مهدي حسن:

من الصعوبة في مكان، نسيان بعض الأسماء أو صور أشخاص بعينهم، كجيمس فولي، ستيفن ستولتوف، دايفيد هاينز، آلان هينينغ وبيتر كاسيغ. فقطع الرؤوس الهمجي ـ وبدمٍ بارد ـ للرهائن الخمسة هؤلاء، والذي شاهدناه عبر وسائل الإعلام بين آب وتشرين الثاني عام 2014 على يد أعضاء منظّمة تطلق على نفسها اسم «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ داعش». هي مشاهد أثارت غضب شريحة واسعة من الناس واستنكارها. ومع ذلك، يُفترض بنا أن نتذكر اسم صحافي فرنسي يُدعى ديدييه فرانسوا، والذي احتجزه «داعش» في سورية لعشرة أشهر، ليُطلق سراحه في نيسان 2014. ساهم فرانسوا في رسم مشهدية نادرة لما يحصل داخل «مملكة النسّاك الداعشية»، بحسب ما ورد في تقرير له نُشر مؤخراً في مجلة «آتلانتيك» بعنوان «قلّة ذهبوا و… عادوا». إنه تبصّر حكيم قلب المشهد رأساً على عقب لمنظمة تعدّ من أكثر المنظمات الإرهابية في العالم.

أخبر الصحافي الفرنسي في مقابلة مع «آتلانتيك» أنه «لم يتناقش مطلقاً مع خاطفيه في موضوع النصوص الدينية، فالنقاش كان سياسياً محضاً لا دينياً على الإطلاق». ويتابع فرانسوا خلال مقابلة له مع «كريستيان أمانبور» قائلاً: «كانوا مهتمين بإطلاعنا على ما يؤمنون به أكثر من اهتمامهم بتعليمنا القرآن، أو بمعتقداتهم التي لا تمتّ إلى القرآن بصلة».

إن صعود نجم «داعش» في العراق وسورية، أتى بنتائج كارثية على صورة الإسلام بشكل عام، في مقابل كونه نعمةٌ لصناعة الإسلاموفوبيا. «الدولة الإسلامية» التي تطلق على نفسها اسم «داعش» وتدّعي دعمها النصوص الإسلامية لتبرير العقوبات التي تعود إلى فترة القرون الوسطى، من رجم الزناة إلى قطع أيدي السارقين وقائدها الحاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، والذي نصّب نفسه خليفة على المسلمين، حتى أنه أعاد تسمية نفسه تيمناً بأول خليفة للمسلمين… أبو بكر.

ستكون العواقب وخيمة، كما هو متوقع. ففي دراسة استطلاعية أُجريت من قبل معهد «زغبي» في أيلول عام 2014، أظهرت نتائجها أن 27 في المئة فقط من الأميركيين كان لهم رأيٌ إيجابي بالإسلام مقارنة مع 35 في المئة عام 2010. وفي شباط عام 2015، أكد ربع الأميركيين أن الحياة تحت تأثير سيطرة «داعش» تقدم إشارةً واضحة حول ماهية وحقيقة الممجتمع الإسلامي.

لكن ما يثير القلق، أن هذا التنظيم ليس فقط نموذجاً مريضاً، جاهلاً أو متعصباً يُقدّم للجمهور. فالحقيقة أن هذا التنظيم هو إسلامي في الواقع، إسلاميّ جداً، هذا ما جاء على لسان «وود» في تقريره الطويل بعنوان «ما يريده داعش حقاً»، في عدد آذار من مجلة «آتلانتيك»، مؤكداً فيه أن هذا هو الدين الذي يبشّر به هؤلاء المتحمسين الذين يستمدّون قوتهم وتعاليمهم من تفسيرات القرآن.

أما برنارد هايكل ـ أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة «برينستون»، والوحيد الذي قابله «وود»، فيصف المسلمين الذين يعتبرون أن «داعش» غير إسلاميّ، أو معادٍ للإسلام، بالأمر المحرج والصحيح سياسياً. «قاطعو الأيدي والحناجر الداعشيون أعطوا أنفسهم قدراً كافياً من الشرعية»، كغيرهم من المسلمين الآخرين، لأن الإسلام ينحصر في ما يفعله المسلمون وكيفية تفسيرهم النصوص.

يوافق عدد من المحللين السياسيين ممّن دعموا رفض إدارة أوباما، كالصحافي الخبير بالإرهاب بيتر بيرغن، بضرورة جعل العلاقة بين الإرهاب الإسلامي والأشكال الأصولية للإسلام وثيقة… فـ«داعش» قد يكون انحرافاً عن الإسلام لكنه تنظيم إسلاميّ في نهاية المطاف.

وكانت صحيفة «ديلي بيست» الأميركية قد عنونت منذ أيام قليلة: «هل أن وصف أوباما داعش بالإسلاميّ هو سقف ما يمكن أن يدركه هذا الرئيس؟»، ويسأل سام هاريس وهو رئيس حركة «الإلحاد الجديد»: «ما هي القضايا التي قد تأتي في أولويات الإدارة الأميركية؟ السيارات الطائرة والإجازات على المريخ، أو اعتراف بسيط بأن سلوك الجهاديين ومعتقداتهم وأفكارهك الدينية وممارساتهم المتّسمة بالكفر والردّة هي التي تؤدي إلى الظلم والقتل؟».

هل «داعش» ـ إذاً ـ هو حركة معترف بها إسلامياً؟ وهل يقوم المجنّدون «الداعشيون» بممارساتهم هذه بدافع من الإيمان والحماسة الدينية؟

المحلّل

كتب المحلّل النفسي الاجتماعي الأميركي لي روس عام 1977 يقول: «إن اسكشافنا أوجه القصور في علم النفس، جعلنا نتنبّه بحدسنا أننا نميل بشكل عام إلى المبالغة في تقدير أهمية العوامل الشخصية التي تسير جنباً إلى جنب مع تأثيرات البيئة المحيطة». وكان روس أول من صاغ عبارة «خطأ الإسناد الأساسي»، ويقصد بها الظاهرة التي نولي فيها العوامل الداخلية في تفسير سلوكيات الآخرين ـ اهتماماً مفرطاً ـ على حساب التركيز على العوامل الخارجية الرديفة.

لم يكن «خطأ الإسناد الأساسي» أكثر وضوحاً، مما كان عليه تحليلنا للأسباب التي تحفّز الإرهابيين، هذا ما يقرّره الطبيب النفسي الشرعي مارك سايغمان، فنحن نعزي سلوكيات الآخرين إلى عوامل داخلية وسلوكياتنا إلى تلك المحيطة… هم يهاجموننا، وعلينا أيضاً أن نقوم بمهاجمتهم. ويؤكد سايغمان أننا نادراً ما قمنا بالعكس.

قلّة قليلة من الخبراء سعوا إلى فهم عقلية أولئك الشباب من الذكور والإناث الطامحين إلى الانضمام إلى صفوف المجموعات الإرهابية الدموية كـ«داعش» و«القاعدة»، كما فعل سايغمان. وقلّة استطاعوا مجاراة مؤهلاته، معاييره وحتى خلفيته الثقافية. فالطبيب النفسي والأكاديمي البولندي الأصل 61 سنة هو ضابط عمليات سابق في الاستخبارات الأميركية في باكستان أواخر الثمانينات من القرن الماضي. واستطاع هناك التقرّب من المجاهدين الأفغان. ونصح ـ مذّاك ـ الشرطة النيويوركية بضرورة احتواء الإرهابيين، كما أنه شهد أمام محكمة واشنطن في أحداث 11 أيلول، وتشهد له أعماله التحليلية الكثيرة حول قضايا الجهاديين غير القياديين وتحليل الشبكات الإرهابية وفهمها، والتي قدّم من خلالها تحليلات رائعة عن سيرة حياة المئات من الإرهابيين.

فهل يرى في الدين المنشور تحليلاً مفيداً للتعرّف على أسباب نهوض «داعش»، والمسار الذي استقدم الآلاف من المجنّدين الشباب المستعدّين للقتال والموت في سورية والعراق؟

يؤكد سايغمان: «يلعب الدين دوراً كبيراً، لكنه دورٌ تبريريّ فقط، إذ ليس هو السبب وراء قيامهم بذلك أو ذهابهم إلى هناك».

ويضيف: «يستخدم الداعشيون الدين كوسيلة لتطوير نطرتهم السياسية، أكثر من استخدامهم السياسة كطريقة لتطوير رؤيتهم الدينية… وكي يمنحوا أنفسهم بعض الشرعية، يستعملون الدين كتبرير. لا يتعلق الأمر بالدين فقط، بل بالهوية أيضاً… هويتك بالنسبة إلى الضحايا، بأولئك الشباب الذين يقتلهم أعداؤنا». ويعود ليؤكد: «الهوية بالنسبة إلى أولئك المتحوّلين إلى الإسلام، مسألة مهمة للغاية، فهم قد استثمروا الكثير من جهودهم وطاقاتهم ليصبحوا على ما هو عليه هذا المسلم. فقد رأوا مسلمين آخرين يُذبحون، ويقولون أريد حماية مجتمعي. وقد أظهرت دراسة حديثة أن 31 في المئة من معتنقي الإسلام زادت قناعتهم بالإسلام الإرهابي في المملكة المتحدة بين عامي 2001 و2010».

يؤمن سايغمان أنه ليس فقط الإيمان الديني، بل هو «شعورٌ متفاقم بالغضب العاطفي والأخلاقي» بسبب ما يشاهدونه على شاشات التلفزة أو وسائل الاتصال الاجتماعي من دعوة إلى الجهاد، من بورتسماوث إلى بيشاور، ومن برلين إلى بيروت، إلى مناطق الحروب الجهادية في العالم. وسيتحوّل هؤلاء المقاتلين الأجانب إلى جهاديين على غرار أورويل، ذلك الكاتب الإسباني الذي شارك في الحملة ضدّ الفاشية خلال الحرب الأهلية الإسبانية.

ويؤكد سايغمان من هذا المنطلق، أن الدين لا يلعب دوراً موجهاً للسلوك، بل باعثاً على الغضب، والأكثر أهمية من ذلك: دليلاً على الهوية. فللدين أهمية كبيرة من منطلق تحديد هويتك، ولا يعود السبب في ذلك لكونك تقياً أكثر من أيّ أحد آخر. ويستشهد هنا بقول للعالم السياسي بينيديكت أندرسون: «مجتمع سياسي متخيَّل»، هو ذلك المجتمع الذي يدفع بالإرهابيين إلى المحاربة من أجله ويجذبهم إلى الانخراط فيه والدفاع عنه.

«لا يذهب أصدقاؤك الأكثر تديناً إلى هناك، فالمسلمون من الشباب الغربي والذين اكتشفوا الإسلام خلال سنيّ مراهقتهم، أو لنقل في فترة تحوّلاتهم، يشعرون بالغضب والملل ويفتشون بكلّ حماسة عن الدعوة إلى قضية مثيرة وحمل السلاح. فذبّاح داعش محمد عمزاوي أو كما يعرف بالجهادي جون، الذي ترعرع وتعلّم في المملكة المتحدة، وُصف من قبل طبيبَيْن بريطانيَيْن التقياه في مشفىً سوريّ بأنه هادئ لكنه مدمن على الإثارة».

لا يجوز لنا إظهار الدهشة إزاء وجهة نظر سايغمان. ففي كتاب له صادر عام 2011 بعنوان: «الرايات السود: القصة الحقيقية لأحداث 11 أيلول والحرب على القاعدة»، يقول مسؤول الاستخبارات اللبناني – الأميركي الأسبق علي صوفان، الذي قاد التحقيقات حول تورط القاعدة في تلك الأحداث: «عندما بدأت باستجواب أعضاء القاعدة، ووجدتُ أنهم يحفظون أقوال بن لادن عن ظهر قلب، أدركتُ حينذاك أموراً لا يعرفونها هم عن القرآن ـ وقليلٌ منهم في الواقع استطاع التحدث باللغة العربية الفصحى، لغة الحديث والقرآن. إن فهمنا طريقة تفكيرهم وحدود معرفتهم، مكّنتنا ـ زملائي وأنا ـ من استخدام ادّعاءاتهم ضدّهم».

وقبل ثلاث سنوات، وتحديداً عام 2008، سُطّرت مذكرة دولية حول التطرف أُحيطت بالسرية التامة، استطاعت صحيفة «غارديان» البريطانية الحصول على نسخة منها. ومما تتضمن: «بعيداً من كونهم متعصبين دينياً، فإن أعداداً كبيرة من أولئك المتورطين في الإرهاب لم يختبروا الإيمان الديني الحقيقي. كثيرون منهم لا يمارسون المعتقدات والطقوس الدينية، بل يحتاجون إلى إخضاعهم لدورات محو الأميّة، ويمكن اعتبارهم مبتدئين دينيين». ويشير هذا التحليل إلى عدم اتزان هؤلاء المتحوّلين، بل واستعدادهم الكبير إلى تعاطي المخدرات وشرب الخمر وزيارة المومسات. وخلُصت الصحيفة في تقريرها إلى القول: «إن الهوية الدينية الراسخة تحمي من التطرف».

وكما سبق وأشرنا إلى أن كلاً من محمد أحمد ويوسف سرور، الشابان البريطانيان اللذان أُدينا في بيرمينغهام عام 2014 بتهم تتعلق بالإرهاب، بعد مغاردتهما إلى سورية للقتال هناك، اشتريا نسخاً من «دمى الإسلام» و«دمى القرآن»، من موقع الأمازون، قبيل مغادرتهما المطار. إنهم مبتدئون دينيون في واقع الأمر.

ويستنتج سايغمان ضرورة تحديد الإرهاب والتطرف في الصراعات المحلية بدلاً من شرذمتها في روايات إيديولوجية كبرى أو كاسحة، فالغضب والظلم يأتيان أولاً، وتليهما التبريرات المريحة وخدمة المصالح الذاتية. فجذور «داعش» أو أي منظمة إرهابية أخرى، لا تنحصر فقط في كتاب إسلامي أو مدرسة فكرية، بل في «ذبح السنّة في العراق». وهو يذكّرنا بما حصل في نيسان عام 2013، عندما خرجت بعض الاحتجاجات السنيّة السلمية تطالب حكومة المالكي الشيعية في بغداد بإعادة مخصصات العائدات النفطية للمحافظات السنيّة إلى ما كانت عليه سابقاً، فما كان من قوات الأمن العراقية، الا أن أطلقت النار على الحشود. وتلك كانت بداية هذا الصراع الحالي.

وقبل ذلك، عانى العراق من احتلال أميركي، أصبح هذا البلد نتيجة لذلك نقطة انطلاق الانتحاريين من المنطقة برمّتها وتجهيزهم، ومحفزاً لإنشاء منظمات إرهابية جديدة كتنظيم «القاعدة» في العراق.

ويضيف سايغمان أن «داعش» هو بقايا تنظيم «القاعدة» في العراق. ويؤكد أن أيّ تحليل يتناول هذه الجماعة والعنف الذي أغرقت نفسها فيه والفوضى التي تعيثها في العراق، من دون الأخذ بالاعتبار مدّة الحرب العراقية الطويلة، التعذيب، الاحتلال والتطهير الطائفي، سيكون تحليلاً غير دقيق ووسيلة لإعفاء الغرب من مسؤولياته في هذا المجال. «فلولا غزو العراق، لما كان لداعش أن تولد. نحن خلقناه بسبب وجودنا هناك».

الجاسوس

وعلى غرار مارك سايغمان، كرّس ريتشارد باريت حياته المهنية لدراسة الإرهاب، التطرف والتعصب وفهم هذه الظواهر. فباريت البالغ من العمر 65 سنة، عمل مديراً لمكافحة عمليات الإرهاب العالمية قبل هجمات 11 أيلول وبعدها، كما ترأس فريق متابعة «القاعدة» و«طالبان» في الأمم المتحدة بين عامَي 2004 و2013.

لكن على عكس سايغمان، لم يوافق باريت على ادّعاء كلّ من «وود» و«هايغل» من أن «داعش» إسلاميّ بالكامل. وقد صرّح لي بأنّ أتباع «داعش» مقتنعون تماماً بأنهم يطبقون «إرادة الله ومشيئته على الأرض»، ويصرّ: «يجب ألا نقلّل من تقدير أهمية معتقدهم هذا». ومع ذلك، يقرّ باريت بأن مثل هذه الآراء والمعتقدات لم تكن الأمر الوحيد وراء انخراط أتباع «داعش» في التنظيم هذا.

يوافق باريت الذي نشر مؤخراً تقريراً عن المقاتلين الأجانب في سورية، مع سايغمان على أن المفتاح الذي يغري الشباب ويدفعهم الى الانضمام والقتال في مجموعات «داعش» في الدرجة الأولى، هو التفتيش عن الهوية… أكثر مما هو بحثٌ عن الإيمان الديني، إنه تفتيش عن الانتماء والهدف. يوفر «داعش» كلّ هذا ويساعد في اندماج الفرد داخل المجموعة. لا يطلق الأحكام ويقبل المنتمين إليه كما هم، من دون الأخذ بالاعتبار تفاصيل ماضيهم. قد يبدو هذا مبهراً للغاية بالنسبة إلى البعض ممن يعتبرون أن أخطاءهم قد أثقلت كواهلهم.

وبغضّ النظر عمّا إذا كانوا عاطلين عن العمل أو متخصصين محترفين، فإن التحاق هؤلاء بصفوف «داعش»، يجعلهم يعتقدون بأنهم مميزون جداً… إنهم جزءٌ من ذلك الجديد، السريّ والقويّ.

وفي الوقت الذي لا يرفض فيه باريت النظر إلى هذه المسألة من وجهة نظر لاهوتية أسوةً بما فعله سايغمان، فإنه مع ذلك يعترف، «أن التصرّف بِاسم الإسلام يعني، للجاهل على أقلّ تقدير، أن الجماعات تضفي بعض الشرعية على تصرفاتها… يمكنهم الادّعاء أنها ليست فقط مسألة مال وسلطة».

هذه الشهوة الإلحادية في سبيل المال والسلطة تظهر بوضوح في سلوكيات «الدواعش»، وغالباً ما يسقطونها من المعادلة. وغالباً ـ أيضاً ـ ما تُشبّه هذه الجماعة بتلك اليهودية والمسيحية المتطرفة كونها لم تتورّع عن طلب فدية بقيمة 200 مليون دولار أميركي في مقابل حياة الرهينتين اليابانيتين في كانون الثاني الماضي كما أنها لم تتوقف عن تسهيل الدعارة داخل العراق وخارجه، ووفقًا للويزي شيلي، مسؤولة قسم الإرهاب والجريمة المنظمة ومركز محاربة الفساد في جامعة «جورج مايسون» في فرجينيا، فإن «داعش» هو مركز «عمليات إجرامية متنوعة».

فضلاً عن وجود تحالف تتجاهله كافة الأطراف المعنية، أي ذلك القائم بين الفصائل الإرهابية التي يتزعمها أبو بكر البغدادي، وبقايا فلول نظام صدّام البعثي، تحالف يشير إليه باريت وغيره على أنه «زواج مصلحة». فإذا كان أتباع «داعش» يقومون بعبادة ذلك الدين المروّع، فكيف نفسّر ـ إذاً ـ وجود ضباط سابقين عملوا في جيش صدّام في هذا التنظيم، كالعفري التركماني نائب رئيس الخليفة المسلم في العراق، وعلي الأنباري نائبه في سورية؟

إن مسألة البعثية كانت بالفعل ذات أهمية كبرى… وقد أعطت «داعش» قدرةً على التنظيم العسكري والإدراي. ويقول باريت: «هذا ما مكّن داعش من استرداد الموصل بسرعة كبيرة، وتبعات هذه الخسارة من انشقاقات واستسلام عدد من أفراد الجيش العراقي. إن المصالح المشتركة بين داعش والتنظيمات السنيّة الأخرى المناهضة للحكومة كانت وستبقى موجودة».

يبرز إلى الواجهة ـ مجدّداً ـ خطأ الإسناد الأساسي في اللعب. فنحن نتجاهل التركيز على «مصالح» هذه الجماعات مثل «داعش»، وتستحوذ علينا الأفكار اليهودية المسيحية المتطرّفة والمروّعة التي نلصقها بهم. ويحذّر باريت من أن النهايات مع «داعش» ستكون وخيمة جداً، لكن «العناصر البعثيين لا يزالون هم الأساس في العراق، ومن دونهم لن تتمكن قوات داعش من الحفاظ عل الموصل».

ووفقاً لدراسة أخرى وضعها باريت، فإن تعيين البغدادي كزعيم على «داعش»، كان قد تمّ تنسيقه مع ضابط بعثيّ سابق في جيش صدّام، وهو حاجي بكر، الذي انتقد بشدّة بسبب تراخيه في تطبيق بعض مظاهر الممارسة الدينية كمثل إطلاق اللحية وغيرها. ومع ذلك، فإن البراغماتية الإيديولوجية لدى بكر، ملفقةٌ تماماً كما مهاراته التنظيمية وشبكته البعثية السابقة التي جعلت منه مصدراً قيماً للمعلومات بالنسبة إلى «داعش».

وعلى ما يبدو، فإن الخليفة المزعوم لتنظيم «داعش» في العراق والشام ـ أبو بكر البغدادي ـ يتمتع بسلطة أقلّ مرتبةً من سلطة الله على عباده وأعلى من تلك التي فرضها ـ سابقًا ـ صدّام حسين بذاته على هؤلاء.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى