الدولة القطرية و«صيغ الحكم القومي»… جدلية الانهيار 4/2

ورقة قدمت إلى المؤتمر القومي العربي الدورة 26 المنعقدة في بيروت في 2-3 حزيران 2015

د. ساسين عساف

كيسنجر والمحافظون الجدد

يبني كيسنجر مخطّطه التقسيمي على النقاط الآتية:

تشكّل البلدان العربية أربع وحدات جغرافية متمايزة: منطقة الهلال الخصيب سورية والعراق ولبنان والأردن وفلسطين منطقة الخليج العربي، منطقة المغرب العربي المغرب والجزائر وتونس منطقة شمال أفريقيا مصر وليبيا والسودان – أوضاع هذه المناطق تتّصف بالاضطراب وبضعف المؤسسات السياسية وبافتقار قياداتها إلى الرؤية وبفساد أجهزتها الإدارية وبضعف بنيتها الداخلية. هشاشة اللحمة الداخلية لهذه البلدان، ويقول: «… اللحمة الداخلية لكثير من هذه البلدان هشّة. الوحدات السياسية لبلدان الهلال الخصيب غير قابلة للاستمرار بسبب تعاظم دور الأقليات وتضاؤل دور الأكثرية العربية السنّية. قيام إسرائيل عجّل في انفجار مشكلات الأقليات وفي طموحها الى الاستقلال لا سيّما الأكراد والمسيحيين والدروز الناضجين لإقامة دولة مستقلّة. أمّا العلويون في سورية فهم يتطلّعون إلى البقاء حاكمين لسورية كلّها غير أنّ الأكثرية السنّية قد تضطرّهم إلى إقامة دولة خاصة بهم».

يرى كيسنجر أنّ دولاً عربية ضعيفة وغير مستقرّة يمكن الاستغناء عنها ضمن استراتيجية جديدة تقيم دولاً بديلة بحدود أشدّ ثباتاً هي حدود الجماعات الدينية والعرقية.

الإدارة الأميركية منذ كيسنجر حتى اليوم تحسب أنّ الشرق الأوسط يضمّ بلداناً يمكن الاستغناء عنها، ثمّة دول فائضة فيه، وحدود دوله غير ثابتة، فهي تتحرّك بتحرّك الجماعات العرقية والدينية التي تقوم عليها فرضية الدويلات التي من شأنها تجزئة الدول العربية وتفتيت وحداتها الوطنية.

كيسنجر ذهب من الخارجية والإدارة الأميركيتين لكن المخطّط بقي وتنفيذه مستمرّ.

مخطّط تقسيم لبنان وجد فيه كيسنجر على حدّ قوله: «بلداً مثالياً لتحقيق المؤامرات، ليس ضدّه فقط وإنّما ضدّ كلّ العالم العربي أيضا». ثمّ يضيف: «لقد اكتشفت في تناقضاته عناصر جديدة لنصب فخّ كبير للعرب جميعاً».

إنّ مخطّط كيسنجر ناصب هذا الفخّ الكبير للعرب جميعاً وجد من يتبنّاه ويطوّره في الإدارة الأميركية.

في هذا السياق، تأتي خطّة ريتشارد بيرل: «استراتيجية جديدة لتأمين المملكة، 1996 أو الاستراتيجية الجديدة لإسرائيل نحو عام 2000 .

إنّ للعنوان الأوّل رمزيّته وهي تفيد التالي: «الشرق الأوسط ملكوت إسرائيل».

حماية هذا الملكوت وفق ما ذهب إليه في هذه الخطّة تستدعي زعزعة استقرار دمشق وذلك بمساعدة تركيا والأردن، فـ»إسرائيل» تستطيع كما يدّعي تشكيل بيئتها الاستراتيجية بالتعاون مع كلّ من الأردن وتركيا وذلك لإضعاف الطموحات الإقليمية السورية وكبحها ومواجهتها ولذلك يقول بيرل لا بدّ من الإطاحة بصدّام كهدف استراتيجي مهم لإسرائيل لزعزعة استقرار سوريا في ما بعد.

تنصّ هذه الوثيقة على تشكيل تحالف استراتيجي إقليمي ضدّ دمشق ما قد يشكّل ضغطاً عليها من جهة لبنان وإسرائيل ووسط العراق ويعني المنطقة السنّية! وتركيا والأردن.

وفي هذا السياق أيضاً، أعدّ معهد «رائد» الأميركي للدراسات الاستراتيجية في آب 2002 لحساب البنتاغون دراسة بعنوان: «كيف يمكن أن تكون الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط» تدعو إلى إعادة النظر في الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط على قاعدة تفكيك الدول المركزية في الوطن العربي: العراق، سورية، السعودية، مصر.

إنّ لإعادة النظر هذه هدفين رئيسيين: الأوّل تسويغ الطبيعة الدينية والعنصرية الفئوية للكيان الصهيوني. الهدف الثاني هو تأمين حدود آمنة لهذا الكيان وضمان استمراره وتسهيل انخراطه في نسيج المنطقة من موقع القوّة والسيطرة.

وفي السياق نفسه، تندرج خطّة وولفوفيتس وديك تشيني، من أهدافها: إطاحة الرئيس صدّام حسين، جعل «إسرائيل» دولة يهودية «صافية العرق»، طرد الفلسطينيين وتوطينهم في مناطق عراقية، إطاحة النظام السوري.

وتندرج كذلك في هذا السياق خطّة رسمها رالف بيترز الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الأميركية ونشرها بعنوان: «حدود الدم: ما هو شكل شرق أوسط أفضل؟» في مجلة القوات المسلحة الأميركية في عدد حزيران 2006 ويعتبر فيها أنّ الحدود الفاصلة بين الدول في الشرق الأوسط حدود غير واقعية وغير طبيعية. رسمتها بريطانيا وفرنسا بصورة غير عادلة لشعوب تلك الدول ما يثير فيها النزاعات والحروب بين الأقليات والأكثرية. فاتفاقية سايكس ـ بيكو في رأيه لم تنصف الأقليات الكردية والشيعية والإسماعيلية والمسيحية. لذلك يرى في إعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط على أساس ديني، طائفي مذهبي وإتني حلاً عادلاً يضمن السلام بين شعوبها. فالأقليات في رأيه جماعات مخدوعة في التقسيم الذي حدّدته اتفاقية سايكس ـ بيكو وحدود الدول القائمة بموجب هذا التقسيم هي حدود غير عادلة.

هدفها من إعادة التقسيم تكريس الكيان الصهيوني دولة دينية قومية لليهود وإقامة دولة كردية مستقلة. تحقيق هذا الهدف المزدوج يؤمّن ويضمن المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، أمن الكيان والسيطرة التامة على منابع النفط.

وتبقى الأهمّ في استراتيجيات التفكيك والتجزئة والتقسيم خطّة برنارد لويس، المستشرق الصهيوني، منظّر «الفوضى الخلاّقة» وواضع استراتيجية الغزو الأميركي للعراق ولسياسة التدخّل والسيطرة الأميركية على المنطقة. تنصّ هذه الخطّة على إعادة تفتيت الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية ودفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضاً.

وحجّة لويس في ذلك قوله: «إن الصورة الجغرافية الحالية للمنطقة لا تعكس حقيقة الصراع، وأن ما هو على السطح يتناقض مع ما هو في العمق: على السطح كيانات سياسية لدول مستقلة، ولكن في العمق هناك أقليات لا تعتبر نفسها ممثلة في هذه الدول، بل ولا تعتبر أن هذه الدول تعبر عن الحد الأدنى من تطلعاتها الخاصة».

والهدف من هذه الخطّة تسويغ «إسرائيل» دولة دينية قومية لليهود وفرض هيمنتها على تلك الدويلات الهشّة ما «يضمن تفوّقها لمدة نصف قرن على الأقل» وفق تعبيره.

خطّة برنارد لويس تعمد إلى «تجزئة وتفتيت «سايكس – بيكو» إلى أكثر من ثلاثين دويلة.

وفي هذا السياق، نقتطع من مقابلاته ما يقوله في إحداها عام 2005: «ولذلك يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها واستثمار التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية فيها». وفي عام 2007 ولمناسبة الدعوة إلى مؤتمر أنابوليس كتب لويس في صحيفة «وول ستريت» ما يلي: « يجب ألاّ ننظر إلى هذا المؤتمر ونتائجه إلاّ باعتباره مجرّد تكتيك موقوت غايته تسهيل تفكيك الدول العربية والإسلامية».

القسم الثاني: واقع الدولة القطرية من معسكرين إلى محورين

انقسام الدول العربية بين محوري مقاومة المشروع الأميركي ـ الصهيوني والانخراط في هذا المشروع وتسهيل عبوره إلى منطقة الشرق الأوسط تحت عنوان الشرق الأوسط الكبير أو الجديد هو انقسام تقليدي وامتدادي لما كانت عليه بين المعسكر الرأسمالي والآخر الاشتراكي يوم كان العالم في قبضة الثنائية القطبية. وإذا كانت مصر قد لاقت تعاطفاً عربياً معها في صدّها للعدوان الثلاثي في عام 1956 فإنّ هذا التعاطف سرعان ما تبدّد إزاء حدثين مهمّين: مبدأ إيزنهاور وحلف بغداد.

هذا الانقسام في نسج العلاقات الدولية أضعف الموقع العربي العام إلى حدّ الاستتباع الذي عبّر عنه آنذاك بـ»عرب السوفيات» و»عرب الأميركان»، إلى أن انخرطت مصر في مجموعة دول عدم الانحياز بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر الذي كانت له اليد الطولى في تأسيس هذه المجموعة وفي إيجاد نقطة الارتكاز للتوازن في العلاقات الدولية. بعد غيابه انحرفت مصر بقيادة الرئيس أنور السادات عن خطّ التوازن بعد الإنجاز العسكري الواسع الذي حقّقه الجيش المصري في العبور واختراق خطّ بارليف وسلّمت أمرها للإدارة الأميركية بشخص كيسنجر الذي قادها عبر سياسة الخطوة خطوة من الكيلو 101 إلى زيارة القدس واتفاقات كامب ديفيد، ما أدّى إلى تعميق الانقسام بين الدول العربية فطردت مصر من الجامعة ونشأت «جبهة الصمود والتصدّي».

منذ ذلك التاريخ والانقسامات بين الدول العربية تزداد عمقاً واتساعاً بفعل ما أفرزه كامب ديفيد من اتفاق أوسلو حتى وادي عربة حيث وجدت نفسها منقسمة بين محورين: المقاوم والمساوم.

حرب الخليج الأولى التي ساندت فيها دول الخليج العربي ومعظم الدول العربية العراق في مواجهة إيران منعاً من تصدير الثورة باستثناء سورية، ثمّ الثانية التي قادتها أميركا تحت عنوان تحرير الكويت التي شاركت فيها قوات من الجيش السوري، ثمّ الحرب الثالثة التي شنّها التحالف الدولي والقوات الأطلسية على العراق واحتلاله والتي أسهمت معظم الدول العربية في مساندتها بحراً وبرّاً وجوّاً باستثناء سورية. كلّ هذه الحروب المتتالية عمّقت الانقسامات بين الدول العربية وحملتها مستفردة إلى مفاوضات «السلم الإسرائيلي» أو «التسوية» المفروضة من وجهة نظر «إسرائيلية».

لم ترضخ سورية لشروط «السلم الإسرائيلي»، فطاولها قانون العقوبات وضرب عليها الحصار ثمّ الحرب المستمرّة عليها وفيها. وباسم «ربيع» لم يأت جمّدت عضويتها في جامعة الدول العربية.

لم ترض غزّة بقيادة حماس والجهاد والجبهة وسائر القوى المقاومة باتفاقية أوسلو وملحقاتها فشنّت عليها «إسرائيل» حروبها التدميرية المتتالية.

المقاومة في لبنان، الوطنية ثمّ الإسلامية، قاومت الاحتلال وحرّرت الجنوب والبقاع الغربي في عام ألفين وصمدت في عام 2006.

هذا المحور المقاوم، مربّع الصمود القومي المشكّل من المقاومات الثلاث العراقية في مواجهة الاحتلال الأميركي وطرده، الفلسطينية في مواجهة الجيش الصهيوني وطرده من غزّة، اللبنانية في مواجهة الجيش الصهيوني وطرده من جنوب لبنان وبقاعه، فضلاً عن الموقف السوري الداعم لها والرافض لمذكّرة كولن باول عام 2003 بعد احتلال العراق. هذا المحور المقاوم كان محطّ انقسام بين الدول العربية بدل أن يكون محطّ دعم وإجماع. والسبب أنّ فلسطين لم تعد هي القضيّة المركزية، قضيّة العرب الأولى، في اهتمامات واستراتيجيات وارتباطات بعض الدول العربية.

إلى أن جاء «الربيع العربي» الذي كان من شأنه تصويب البوصلة باتجاه فلسطين وتشكيل رافعة جديدة لمشروع الوحدة العربية بعد ضياع الاثنين معاً، إذ لا فلسطين من دون وحدة ولا وحدة من دون فلسطين، فتألّبت والتفّت عليه قوى مناوئة ومستغلّة فحوّلته إلى بركان تدميري من الصّعب أن يهدأ له حال في المدى المنظور.

إزاء هذا «الربيع البركاني التدميري» تنقسم الدول العربية بين مصدّ له ومعدّ. بين من يقاوم لهيبه بلحم شعبه وبين من يصبّ عليه نفطه وماله.

ثمّة الآن متغيّرات دولية وإقليمية ترخي بثقلها على محوري الصراعات العربية ـ العربية داخل كلّ قطر وبين الأقطار. لعبة المصالح بدأت تدخل مكوّنات الدولة القطرية المنهارة في تحالفات استراتيجية. الانضباط الجماعي داخل مفهوم سيادة الدولة لم يعد موجوداً. مثالنا إلى ذلك: اليمن وسورية والعراق ولبنان. والمسألة لم تعد مجرّد ارتباط مرجعي ديني بل صارت ولاء مطلقاً لإرادة المرجع في السياسة والموقف والنظرة إلى الآخر وكيفية التعامل معه.

هذا التفلّت من ضوابط سيادة الدولة مهما كانت مسوّغاته يسهم في انهيار الدولة ويحوّل مكوّناتها إلى جماعات متعدّدة الولاءات يستحيل جمعها في انتظام عام.

هذا بشأن المكوّنات داخل القطر الواحد. أمّا بشأن الأقطار فلعبة المصالح القطرية اتّجهت ببعض الدول العربية صوب المحور الدولي الصاعد بقيادة روسيا والصين وسائر دول البريكس وبعض الدول أميركا الجنوبية وهي باتت جزءاً من استراتيجيات هذا المحور، في حين أنّ دولاً عربية أخرى ما زالت تشكّل جزءاً من استراتيجية المحور الممتدّ من واشنطن إلى تل أبيب مروراً بعواصم الغرب الأوروبي.

عوامل انهيار الدولة القطرية ومؤشراته:

العصبيّات

الدولة القطرية تتنازعها العصبيات المحلية والطائفية والمذهبية والعشائرية. هذه العصبيات هي التي تتحكّم بطبيعة العلاقة بين الدولة ومكوّنات المجتمع لا بل أكثر من ذلك إنّها تقدّم تعريفاً موضوعياً للدولة القطرية التي منذ تشكّلها تحمل مسبّبات إخفاقها في التحوّل إلى دولة وطنية فبقيت مجرّد سلطة تلتقي فيها مجموعة مصالح متقاطعة مع مصالح دول وشركات أجنبية تتمتّع بكامل القدرة على استتباعها وتوظيفها والتلاعب بمصيرها ما أفقدها مفهوم الدولة الوطنية القائمة على فكرة السيادة الشعبية وعلى المواطنة والمشاركة وفاعلية المجتمع وتحوّلاته من مجتمع أهلي إلى مجتمع مدني عبر التنمية والتحوّل الديمقراطي والعدالة الاجتماعية.

التخلّف الاستبداد والفساد

الدولة القطرية ضحيّة التخلّف والاستبداد والفساد وجميعها يولّد التناقضات والنزاعات والتصدّعات والانهيارات في البنية المجتمعية وإنتاج سلطات استبدادية فتزول معها فكرة المواطنة التي هي التعبير الفعلي عن وجود الدولة الوطنية. التخلّف الاجتماعي وانعدام الوعي السياسي والانجرار وراء العصبيات جميعها يقف حائلاً دون قيام الدولة الوحدوية العضوية الديموقراطية. المجتمعات القطرية ما زالت تعيش في مرحلة ما قبل الدولة فالتكامل بين المكوّنات مفقود والصراع المكنون في ما بينها هو السائد في ظلّ الدولة القمعية.

ارتباط المكوّنات بأجندات خارجية

من عوامل انهيار الدولة القطرية ارتباط مكوّنات مجتمعها بأجندات خارجية متباينة. تفكك الدولة القطرية وتشظّيها على مكوّنات ما دون وطنية مرتبطة بالخارج ينعكسان سلباً على الهوية القطرية كما على الهوية القومية. ما يصيب الهوية القطرية من تشظيات يصيب في الوقت نفسه الهوية القومية. إذا كان الاندماج بين مكوّنات القطر الواحد متعذّراً بسبب عجزها عن تحرير نفسها من الارتهان للخارج أو عدم رغبتها في ذلك فكيف له أن يتحقّق بين مكوّنات الأقطار مجتمعة؟!

الحدود المصطنعة

حدود الدولة القطرية حدود مصطنعة فهي حدود فارقة نظرياً بين أبناء مكوّن واحد موزّعين على غير قطر سواء كان هذا المكوّن طائفياً أو مذهبياً أو سلالياً عشائرياً أو قبلياً أو عائلياً وهذه ظاهرة تكاد تكون عامة في العراق وبلاد الشام والخليج العربي. وهي حدود صنعها الاستعمار بمقياس نفوذه ومصالحه وهي تبعاً لهذا المقياس غير مستقرّة وخاضعة للتعديل بما يلبّي تلك المصالح. إنّها حدود لا تستند إلى أيّ أساس علمي تقوم عليه حدود الدول الطبيعية الهوية والشخصية الحضارية والإرادة العامّة . إنّها حدود وضعت بإرادة أجنبية فحملت الدولة القطرية «لاوطنيتها» سمة لازمة لها منذ نشوئها. وهذا عطب تكويني لم يجد له علاجاً على رغم محاولات الأنظمة فاستمرّت الحدود القطرية تعيش في أزمة المشروعية.

إن حدود الدولة القطرية الراهنة خصوصاً في بلاد الشام أصبحت مفتوحة بضغط من ضرورات المواجهة وطبيعتها الإقليمية والدولية ما سمح بالتمدّد الإيراني إلى المتوسّط عبر العراق وسورية ولبنان وتمدّد «الدولة الإسلامية» داعش بإزالة الحدود بين العراق وسورية، وتمدّد المقاومة الإسلامية من جنوب لبنان باتّجاه سورية وتوحيد جبهتي الجنوب اللبناني والجولان السوري مع الكيان الصهيوني.

الفشل في التنمية والتبعية

التنمية المستقلّة مشروع فاشل أصابته إخفاقات أودت بها إلى التبعية الاقتصادية مشفوعة بتبعية سياسية وثقافية وأمنية للرأسمالية العالمية المتوحّشة. الصيغ القطرية في عالم مترابط اقتصادياً ومالياً أثبتت فشلها في التنمية المستقلّة. فنظام السوق سمته الاحتكار والاستغلال يمارسهما الأقوى على الأضعف والأغنى على الأفقر خصوصاً وبنية الاقتصاد العربي لم تقم يوماً على التكاملية فالأقطار العربية الغنية لم تلتفت يوماً إلى الأقطار الفقيرة إلّا عن طريق المساعدات الظرفية وليس عن طريق الاستثمار والتوظيفات البعيدة المدى وفق سياسات ومشروعات واستراتيجيات تكاملية.

تداعيات «الفوضى البنّاءة»

«الفوضى البنّاءة» مخطّط أميركي ـ «إسرائيلي» لتفكيك الدولة القطرية وإنتاج الدولة الطائفية والإثنية تنفيذاً للمشروع الذي تقوده الولايات المتّحدة لولادة شرق أوسط جديد لا مكان فيه لأيّ شكل من أشكال الدولة الوحدوية الوطنية أو القومية. تداعي آليات فرض الانتظام العام، شلل المؤسسات العامة، اهتزاز السلم الأهلي، النزوح والفرز السكاني، الهجرة القسرية جميعها من تداعيات «الفوضى البنّاءة».

الصراع الطبقي

تشهد الدولة القطرية تدهوراً في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية ما أضاف إلى الصراعات الداخلية صراعاً طبقياً تلاشت معه الطبقة الوسطى ضامنة الاستقرار وقاعدة التطوّر الاقتصادي والاجتماعي. العدالة الاجتماعية ظلّت الغائب الدائم عن برامج الحكم في الدولة القطرية فكثرت المظالم وتعمّقت الشروخ بين الطبقات الاجتماعية وازدادت درجات الفقر والتفاوت المعيشي بين فئات المجتمع.

الدولة مجرّد سلطة فاسدة

الطغمة الحاكمة حوّلت الدولة إلى مجرّد سلطة لتقاسم المغانم فعمّ الفساد جميع مفاصلها وضاعت فرص التنمية البشرية فازدادت حدّة التناقض بين الطبقات والمصالح.

سياسة التخادم الريعي

أرباب الرأسمالية المتوحّشة استغلّوا هذه السياسة فاستتبعوا الدولة فنهبوا ثرواتها. إنّ هيمنة الرأسمالية العالمية المتوحشة على الثروات العربية أسهمت إلى حدّ بعيد في تعميق الشروخ الاجتماعية في بنية المجتمعات القطرية ما أصاب وحدة الدولة بالتفكّك.

السيادة المنقوصة

لا سيادة لأيّ دولة من دون وحدة داخلية. مفهوما السيادة والوحدة متلازمان. السيادة والوحدة واجبا الوجود معاً. يوجدان معاً أو ينتفيان. التفكّك الداخلي جعل سيادة الدولة القطرية سيادة منتفية الوجود ما جعلها مباحة للتدخّلات الخارجية، تدخّلات الدول بأشكالها كافة، من الإملاء السياسي حتى الاحتلال العسكري، كما شركات النهب الرأسمالي فضلاً عن الجماعات الدينية التي لا تؤمن أصلاً بسيادة دول وحدود.

وجود القواعد العسكرية الأجنبية على أراضي الدولة القطرية انتقاص فاضح من سيادتها الوطنية وأمنها الوطني مشفوعاً بالإنفاق اللاّ مجدي على القوات العسكرية والأمنية. اقتصادات التسلّح على المستوى القطري استنزاف هائل للثروة لأنّه لم تأت تلبية لمقتضيات الأمن الوطني أو تنفيذاً لمعاهدة الدفاع العربي المشترك أو في سياق حماية الأمن القومي العربي أو لإحداث توازن استراتيجي في الصراع العربي الصهيوني.

غياب الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان

آليات التداول الطبيعي والسلمي للسلطة، احترام الحريات الخاصة والعامة وتأمين حقوق الإنسان وضمان كرامته وتوفير شبكات الأمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر والبطالة والجريمة والهجرة خصوصاً هجرة الأدمغة مفردات وصيغ منعدمة الوجود في معاجم الأنظمة والحكّام. الأنظمة الحاكمة تنقصها الشرعية الشعبية وهي تسوّغ «شرعيتها الدستورية» بالمبايعة أو بديمقراطية 99،99/100 فالديمقراطية الحقيقية بدت حالة مستعصية في الدولة القطرية.

الحركات الانفصالية

الهويات الفرعية أو «المقموعة» المذهبية والإتنية بدأ بعضها يتحوّل إلى حركات انفصالية كما هي الحال في العراق وسورية واليمن وليبيا والمغرب والجزائر والسودان النزاع في دارفور . وعي الهوية الفرعية، بدأ في إطار ثقافي، وانتقل إلى إطار سياسي لا مركزي ثمّ اتحادي وبات يؤشّر بفعل الحروب الراهنة للانتقال إلى كيان سياسي انفصالي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى