أحياءٌ يُرزقون

عدنان كنفاني

هو تموز يا أخي قادني إليك!

مثلما يفعل كلما زحفت أيامه فوق سبل الحياة، على درب طوله أحد عشر فرسخاً.

يغلق دورة، ويفتح أخرى.

دورة تمضي، وأخرى تبدأ، ليست على قدر من البعد والطول، لكنّها على قدر من الامتلاء، أحسّها تحطّ في حلقي، تلجمني حتى عن الصراخ…

ترانا نحقق شبراً إلى الأمام؟ أم ترانا نجترّ الخيبة والمرارة كأساً وراء كأس؟

ولا أجد في زحمة الضياع تلك غير حجارة من رخام، أجلس إليها، يطالعني طيف غسّان، ما زالت تلك الابتسامة الشهيّة تتعلق على طرف شفتيه، ينظر في وجهي ويهمس:

– نحـن نعلم أكثـر مّما تعلمون، صحيح اننا تحت التراب لكننا على مقربة من المخاض!

سألته والدهشة تكاد تعقد لساني:

– المخاض؟

– إنه المخاض، نعيش الآن ساعات المخاض، هل رأيت انتصار المقاومة في الجنوب المرّة تلو المرّة؟ إنها الأمثولة الأبهى في تاريخنا الحديث التي تشحن إرادة الناس، تنحّي مقولات اليأس وعدم القدرة وفقدان التوازن، وتعلن موسم القصاص والحساب… الجنوب سيبقى يتدفق دائماً إلى الجنوب، أليس هذا هو المخاض؟

هل رأيت انتفاضات الشعب الفلسطيني المرّة تلو المرّة؟ كلما أرادوا لها أن تخبو، ازدادت تأجّجاً، يفعلون ذلك منذ عقود، والانتفاضة متواصلة من عقود، أليس هو المخاض!

هل رأيت الصمود السوري الذي فرض إعجازاً على الكثيرين من المراهنين؟ نحن نراه قريباً من شعلة النصر، أقرب مما تتوقعون، أليس هذا مخاض الأمّة الجديد؟

كان صوته الصافي يخوض فوق صفائح القبور، وكان هتاف الشهداء الذين يلتحقون إلى السماء تباعاً يتصاعد من الشقوق الرخامية.

في اللحظة نفسها، كرّ شريط الذاكرة، فرأيته!

في غرفة ضيّقة، نوافذها مغطاة بأوراق الصحف الصفراء، أنوار خافتة، ووجوه ممتقعة لمجموعة من الشبّان في عمر الزهور، ترسم بِإعياء نظرات زائغة، شاءت أقدارهم أن يكونوا من العاملين في الصحافة.

منهم من افترش الأرض، ومنهم من تقاسم مع رفيق له الجلوس على كرسي، أو الاستلقاء على طاولة، يتجلّدون بالصبر، ويمثّلون القدرة على الاحتمال.

جمعتهم تلك الغرفة الصغيرة، منذ صباح الاثنين 25/4/1955 وحتى مساء الأحد 1/5/1955 في بهو مكاتب جريدة «الأيام» في شارع الفردوس بدمشق، ينفّذون اعتصاماً وإضراباً عن الطعام من أجل تحقيق مطلب حق يتلخّص في جملة قصيرة تقول «حرية إبداء الرأي».

بعد أربعة أيام من بدء الاعتصام، كادت تتلاشى صلابتهم الجسدية.

كنت أزورهم، أقضي بينهم ساعة أو أكثر، تملؤني مشاعر الدهشة وأنا أستمع إلى أحاديثهم، يشحنون في نفوس بعضهم الثبات على الموقف ورفع وتيرة الإصرار.

أخفيت في جيبي قطعة خبز، حشوتها بحبّات من الزيتون… انتحيت بغسّان جانباً وقدّمتها له.

أدرك أنني أشفقت على هزاله، فنظر إليّ وابتسم.

قال بصوت ضعيف:

– اجلس هنا… أمامنا تماماً، وكلّ ما أحضرت بالكامل ونحن ننظر إليك.

قال وهو يراقب كلّ لقمة تدخل جوفي:

– الألم الكبير الذي يعصرك وأنت تناضل كي لا تلمس وسيلة إنقاذ حياتك وهي في متناول يدك، تقتلع من صميم إرادتك صلابة الرفض تكريساً لقيمة ناضلت من أجلها، هي المعيار الحقيقي لأهلية أن تكون، أو، إنْ تخاذلت، لا تكون… وقدرنا يا أخي أن نكون.

افترشت الرمل الأصفر، جلس إلى جانبي صامتاً، ابتسم تلك الابتسامة المحفورة في ذاكرتي، تقفز أمامي كلما أخذني موقف عصيب.

لم يسألني عن حالنا كما تعّود أن يفعل في كلّ تموز.

كأنه يخاف أن ينخدش الحلم الذي ما فارق خياله أبداً، حمل أكفانه الملوّنة، وفتح صدره…

في اللحظة نفسها هبّت ريح غربية حملت إلّينا روائح الجمّيز والخروب والجوافا.

قلت:

– تركني ومضى… عاد إلى عكا.

وقبل أن أخطو خارج بواّبة المقبرة، قفزت على لساني كلمات، واقتحمت صدري أمنيات، قلت:

ـ ما زال كما كان.. ينتظر الولادة!

في الذكرى 43 لاستشهاد الأديب المناضل غسان كنفاني

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى