السبت , 25/02/2017

العدد:2299 تاريخ:25/02/2017
Home » Article » حنين في حضرة «الأستاذ» الذي ارتحل ولم يرحل

حنين في حضرة «الأستاذ» الذي ارتحل ولم يرحل

فبراير 17, 2017 أولى تكبير الخط + | تصغير الخط -

صابرين دياب

يمرّ عام على ترجّل فارس الحكمة الأول عن صهوة جواده، وهو في كامل قيافته وشموخ قامته، التي عجزت مصاعب الزمن وعثراته من النيل من هيبتها وتميّزها، فبقي حياً في القلب والعقل ووجدان كل ذي نفس نقية، من براثن التخلّف الفكري والأخلاقي.. منذ لحظة غيابه الصعب، وأنا أقف عاجزة فاقدة القدرة على التعبير، عن فقد «الأستاذ»، كيف لي أن أرثي الحلم! حلم الطفلة الفلسطينية التي نشأت على فكر محمد حسنين هيكل، وكُتبه التي أشبعت نهمها، كنت أقرأها مرات متعاقبة كي أدرك وأعي بلاغة ورسائل «الأستاذ»؟ كيف أرثي وميض النور الذي أضاء عقل الطفلة التي رضعت عشق بلادها وعروبتها، في حضن والديها وعقل «الأستاذ» على السواء!.. ولعل السؤال الأقسى في هذا الوقت الصعب الذي تتمزّق به الأمة وتتشتت، وفي صميمها فلسطين: أين نجد فكراً عميقاً نزيهاً موجِّهاً، نهفو إليه من بين رائحة الموت وجثث الشهداء التي تنزّ دماً، ومن بين براميل النفط والغاز والمال الأسود، الذي اشترى الأقلام والذمم!!؟ وعند الإجابة على هذا التساؤل الجارح المر، يفيض منسوب الحنين والفقد! ذلك أنّ ظاهرة «الأستاذ» العملاقة، التي بُنيت على أسسٍ وثوابت متينة غير قابلة للانحراف لن تتجدد وتتكرر والمشهد الفكري التوعوي الآن، وكذلك العروبي والوطني، يشكو غيابه بحسرة وألم شديدين!

لقد أدهش الأستاذ الأسطورة، رموز النخبة السياسية والثقافية منذ ولج الى مدرسة الحياة من «فوهة القلم» والكلمة، منذ أن ابتدأ العمل كمتدرّب في مجلة «الايجيبشيان غازيت»، ولم يكن قد تجاوز آنذاك الثمانية عشر ربيعاً، ثم أخذ نجمه يسطع ويلمع حتى ترأس تحرير «آخر ساعة» مروراً بـ«روز اليوسف» و»أخبار اليوم» حتى وصل الى رئاسة تحرير أعرق الصحف العربية «الأهرام» وهو في سن صغيرة! وتوالت المهمات التي احتاجت عقلاً راجحاً حصيفاً فذّاً، ونبوغاً سياسياً وفكرياً ومهنياً بمقاس العقل الأسطورة، وأجبره الواجب، على قبول بعض المناصب التي طرقت بابه وألحّت عليه في عهد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر. وقد تميّز بصلته الوثيقة بجميع رموز السياسة والثقافة والنخبة الحاكمة في مصر منذ عهد الملك فاروق، حتى عهد عبد الفتاح السيسي! ولم تقتصر هذه الميزة في فترة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر فقط، كما ادعى أنور السادات الذي حاول أن يمحو رصيد الأستاذ ووقع قلمه وفكره الثوري على الشعب المصري، حاربه بالإقصاء وبالسجن والحصار، ولم ينل حقد السادات من عزيمة الفارس وفكره وثوابته، بل أثبت أن نبوغه أكبر من كل منصب، وأن عبقريته هي التي صنعت أرفع وأكبر المناصب، فقد استمرّ رغم الحرب الساداتية الشرسة عليه في التفوق والتميز والارتقاء، وأجرى أحاديث صحافية مع أهم ملوك ورؤساء دول العالم، ومع أهم مشاهير العالم في شتى المجالات، لعل أحبّها إلى قلبه، لقائه مع العبقري الشهير «البريت اينشتاين»، وأصبح الأستاذ الأسطورة، الصحافي الذي لا تستطيع نخبة الساسة أن تتجاهله على مستوياتهم كافة، ولم ترهقه ضريبة نجاحه واستثنائيته، فما نالت منه أحقاد وضغائن المضمرين والمتربّصين الحاسدين قيد أنملة، بل اعتبرها إشارات التميّز وقوة الوقع والتأثير.

لست أعرض في مقالي القصير والموجوع هذا، مفاصل أو بعض محطات رحلة الأسطورة الحياتية والفكرية العميقة، والثرية بالإنجازات والإبداع والنجاح، الذي لم يتعثر طيلة مسيرة حياة الأسطورة، ريثما فاضت روحه الى باريها، بيد أنني أشير فقط، الى ان الاستاذ الاسطورة استطاع بفكره وعبقريته، أن يهزم كل قوة حاربت الفكر الحر غير الاستسلامي والتابع. فقد تجاوز احتكار الملك فاروق، ثم هزم السادات، وبعده مبارك ثم عقبهم الإخوان، وانتصرت إرادته وأفكاره عليهم جميعاً ولم يظفروا به، ولا تخامر كل عقل راجح، نأمة شك مهما تفهت، بأن ظاهرة محمد حسنين هيكل، مدرسة استثنائية نموذجية، ينهل من صرحها الكبير والصغير، علماً وفكراً وأدبا ونهج حياة! وسيظل فكره وإرثه العظيم الثمين ملهماً ومرشداً..

لقد كانت فلسطين جرحه ووجعه، ولمعة الحب والولاء لفلسطين في عينيه أثناء لقاءاتي الثلاثة به،لا زالت ماثلة أمامي لا تغادر مخيلتي! كان مؤمناً ايماناً شديداً بإرادة شعبنا البطل وعزيمته، ومتفائلاً بحليف قضيتنا الأصدق والأوفى سماحة السيد -، ومنحازاً للدولة السورية المقاومة أثناء الحديث عن النظام الرسمي العربي من دون تلعثم..

في مقال كتبته، للأستاذ الأسطورة، في صحيفة «الاهرام» بُعيد إطاحة مبارك، وصفه بأنه من أجمل وأصدق ما قرأ عنه! استأذنته فيه بالفرح فوق نار الألم، فطالبني بأن أفرح، وألا أسمح لخنجر الغدر المغروس في خاصرة وطني، بأيادي مَن حرموننا من وطن سالم مكرّم غانمٍ، بأن يغتصب ابتسامتي، لأن الابتسام فوق لهيب الألم، فعل مقاومة! ولن أستأذنه الآن بالفرح من جديد فوق نار الوجع العظيم، ذلك أنني أفي بعهدي، وسوف أنفّذ وصيته، وسأبتسم وأقاوم…

كاتبة وناشطة فلسطينية

(Visited 180 times, 1 visits today)
حنين في حضرة «الأستاذ» الذي ارتحل ولم يرحل Reviewed by on . صابرين دياب يمرّ عام على ترجّل فارس الحكمة الأول عن صهوة جواده، وهو في كامل قيافته وشموخ قامته، التي عجزت مصاعب الزمن وعثراته من النيل من هيبتها وتميّزها، فبقي صابرين دياب يمرّ عام على ترجّل فارس الحكمة الأول عن صهوة جواده، وهو في كامل قيافته وشموخ قامته، التي عجزت مصاعب الزمن وعثراته من النيل من هيبتها وتميّزها، فبقي Rating:
scroll to top