ولأن في التاريخ بدايات المستقبل…

ولأن في التاريخ بدايات المستقبل…

تُخصّصُ هذه الصفحة صبيحة كل يوم سبت، لتحتضنَ محطات لامعات من تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي، صنعها قوميون اجتماعيون في مراحل صعبة من مسار الحزب، فأضافوا عبرها إلى تراث حزبهم وتاريخه التماعات نضالية هي خطوات راسخات على طريق النصر العظيم.

وحتى يبقى المستقبل في دائرة رؤيتنا، يجب أن لا يسقط من تاريخنا تفصيل واحد، ذلك أننا كأمّة، استمرار مادي روحي راح يتدفق منذ ما قبل التاريخ الجلي، وبالتالي فإن إبراز محطات الحزب النضالية، هو في الوقت عينه تأكيد وحدة الوجود القومي منذ انبثاقه وإلى أن تنطفئ الشمس.

كتابة تاريخنا مهمة بحجم الأمة.

إعداد: لبيب ناصيف

الحزب في الوطن بغياب سعاده 1

بعد مغادرة سعاده بيروت بتاريخ 11 حزيران 1938 متوجهاً الى المهاجر عبر دمشق ـ عمان ـ حيفا ـ قبرص ـ ايطاليا ـ المانيا وصولاً الى البرازيل فالارجنتين تولى المجلس الأعلى 1 صلاحياته الممنوحة له من الزعيم، فدعا لعقد مؤتمر إداري عام في أيلول 1938 2 يضم جميع المسؤولين العاملين في المركز، وهيئات المنفذيات في الوطن. عقد المؤتمر بمنزل الرفيق أحمد المفتي 3 في بيروت ودعي «مؤتمر الاستعداد» 4 وكانت الغاية منه ما يلي:

أ . بحث الأوضاع الإدارية.

ب . وضع خطة للعمل الحزبي في المرحلة الجديدة.

– كان أبرز موجّه فيه رئيس المجلس الأعلى الأمين فخري معلوف، وكانت القيادة الحزبية اتخذت عدة تدابير لتأمين وصول الرفقاء إلى مكان الاجتماع، مع ذلك تمّ اعتقال الرفقاء جبران جريج، أنيس فاخوري، وديع الياس مجاعص، فريد صباغ، وعمر ترمانيني. واستمرّت مدة توقيفهم بين الخمسين والخمس وخمسين يوماً، باستثناء جبران جريج الذي حكم عليه لمدة شهرين.

– قبل ذلك في 4 تموز 1938 كانت عقدت معاهدة الصداقة التركية الفرنسية التي نصّت في البند الثالث منها على سلخ «لواء الاسكندرون» عن جسم الوطن السوري وإعلانه دولة تتمتع بحكم جمهوري، ذات استقلال تام في شؤونها الداخلية، وأعطيت اسم «هاتاي».

– كان الوضع الحزبي المركزي عند ختام السنة الحزبية السادسة 16 تشرين الثاني 1938 قد انتقل بعد «مؤتمر الاستعداد» إلى نوع من العمل يتراوح بين السرية وشبه السرية: تحوّل مكتب جريدة «النهضة» إلى مركز للحزب وانتقلت محتوياته إلى عهدة الرفيق عبد الرحمن عكاوي من الرفقاء المناضلين في بيروت ، كذلك كانت محتويات مركز الحزب قد جُـمعت ووُضبت ونُـقلت إلى منزل الرفيق نقولا بردويل 5 في الأشرفية التي احتفظ بها في مكان مجهول.

– مع ذلك، فالنشاط الحزبي لم يتوقف، ومعها الانتماءات، الرفيقان خليل طفيلي وسميح قصيباتي يلقيان متفجرات على كنيس اليهود في وادي أبو جميل. أوقفا وحكم على الرفيق طفيلي بالسجن لمدة شهر كامل وعلى الرفيق قصيباتي ستة أشهر، لأنه كان عمد إلى الفرار، فاستسلم بعد حين.

ولاحقاً قام الرفيق محيي الدين كريدية يعاونه أحد الرفقاء 6 بإلقاء متفجرة من شباك غرفة كان يقيم فيها أحد اليهود مما سبب بمقتله، إلا أن عمليته هذه لم تنكشف.

– استمرار العمل في الندوة الثقافية، يقول الأمين السابق فخري معلوف في مقال له في جريدة «سورية الجديدة» بتاريخ 29 نيسان 1941 أنه في خلال العام الدراسي 1938-1939 «شرفتني عمدة الإذاعة 7 بتولي رئاسة الندوة الثقافية وطلبت مني أن ينحصر عمل الندوة في درس كتاب «نشوء الأمم».

ثم يضيف: « وقد أخذنا نجتمع بعد ذلك نحوا من أربع ساعات متوالية كل أسبوع. وكان عدد الأعضاء يتجاوز الأربعين، منهم أساتذة في الجامعة الأميركية، والجامعة اليسوعية وكلية المقاصد وغيرها من كليات بيروت، ومنهم المحامي والطبيب والصحافي. في هذه الأبحاث المتوالية درسنا كل كلمة من كلمات الكتاب ورجعنا إلى مراجعه الأولية، وكثيراً ما كانت تستمر الأبحاث في سائر أيام الأسبوع «.

ثم يضيف: « رأت عمدة الإذاعة أن توسع دائرة هذا العمل فأمرت بإنشاء الندوات الثقافية في مختلف الفروع وكانت ترسل أعضاء مؤهلين من المركز لحضور تلك الاجتماعات والإشراف على توجيهاتها فنشأت فروع للندوة في مناطق عديدة أذكر منها: دمشق، طرابلس وحلب».

– لم يحتفل الحزب بمناسبة الأول من آذار عام 1939، كعادته كل عام، الا في اجتماعات دورية في شكل سرّي جداً. مع ذلك أشعلت النيران على قمة جبل صنين، وبهذه المناسبة نظم الأمين عجاج المهتار، قطعة زجلية رائعة بعنوان «بكرا بيجي»، وقام منفذ عام بيروت جبران جريج باسم مستعار إحسان سالم بطبع كراس إذاعي من عشرة صفحات يتضمن ملخصاً لسيرة الزعيم ولمسيرة الحزب خلال السنوات الثلاث التي انقضت بعد انكشافه. كانت عمدة الإذاعة قد وافقت على طبع الكراس وجرى توزيعه بسرية تامة، بعد أن كانت تشكلت في كل مديرية زمرة أو زمرتان. رفيق واحد خالف التعليمات هو الأمين فيما بعد شكيب أبو مصلح 8 الذي توجه بمساعدة الرفيق شحادة رزق الله 9 إلى منزل القاضي فرنان أرسانيوس، الذي كان يتولى رئاسة مكتب التحريات، وسلمه الكراس «هدية من أنطون سعاده بمناسبة عيد مولده».

– في دمشق احتفل الرفقاء بالأول من آذار بمظاهرة رائعة اخترقت شوارع المدينة، وهم يحملون علم الزوبعة الحمراء.

ألقي القبض على عدد من الرفقاء، إلا أن رفقاء لهم توجهوا إلى سراي الحكومة يطالبون بالإفراج عنهم وهم يهتفون بحياة سورية وسعاده، فتمّ إخلاء سبيلهم في اليوم التالي.

– في 10 آذار 1939 وجه «مكتب عبر الحدود» بياناً إلى الفروع الحزبية في الخارج «بقلم ناموس الإذاعة في مكتب عبر الحدود الرفيق رئيف عصام» 10 يشرح فيه بعض الأوضاع السياسية في الوطن ويدحض أقوال الصحف التي تتهم الحزب بالعمالة وغير ذلك من الترهات.

– في غياب مركز للحزب توزعت أعمال العمدات في منازل رفقاء، وتمّ إنشاء مكتب مواصلات سري للبريد الحزبي تعين له الرفيق أنطون جقليس، من الاشرفية . وكأمثلة، كان مركز أعمال عمدة الداخلية في منزل الرفيق نقولا بردويل في الأشرفية، وأعمال عمدة المالية في منزل الوكيل الرفيق منير الحسيني الأمين لاحقاً في رأس بيروت.

– ليس ممكناً، لعدم توفر الأرشيف الحزبي، إيراد ضبط كامل لأسماء العمد والوكلاء والمنفذين، باستثناء ما يكون قد ورد عنهم في كتاب «من الجعبة» للأمين جبران جريج.

في الجزء الرابع ص 435 يكتفي الأمين جريج بالإشارة أنه تمّ مع بداية فصل الصيف 1939 «تعيين الأمين معروف صعب رئيساً لمجلس العمد بعد أن كان قد قرر عدم الرجوع إلى مركز وظيفته في مدينة سامراء، العراق».

يشير إلى أنه الأمين جريج كان عميداً للمالية، وكيله منير الحسيني، جورج عبد المسيح عميداً للإذاعة، مأمون أياس عميداً للتدريب ـ عمدة الدفاع لاحقاً ، وكيله الرفيق الركن منير الملاذي. ويورد الأمين جريج أسماء المسؤولين الذين جرى تعيينهم في المناطق، على الوجه التالي:

الأمين أنيس فاخوري منفذاً لطرابلس، توفيق التيني مسؤولاً إدارياً في منفذية زحلة، الرفيق عبد الكريم سيروان مديراً لمديرية الهرمل المستقلة، الرفيق منصور اللحام 11 مسؤولاً إدارياً لمنطقة راشيا الوادي. الرفيق حسن الطويل منفذاً عاماً للشوف، الرفيق محمد أمين أبو حسن الأمين لاحقاً منفذاً عاماً للساحل الجنوبي، الأمين كامل أبو كامل منفذاً عاماً للغرب، الرفيق الشاعر أورخان ميسر 12 منفذاً عاماً لحلب، والرفيق طبيب الأسنان صادق الطيار منفذاً عاماً لصافيتا، والرفيق زكي صواف منفذاً لدمشق.

– بالنسبة لوضع الحزب شبه السري فلم يكن لعمدة الإذاعة عمل كبير لجهة البيانات والمهرجانات، لذلك اهتمت بإصدار نشرة مختصرة سميت «النشرة الإخبارية» 13 تحتوي على أهم ما يجب أن يعرفه العضو عن حزبه، أو عن أعماله، وعلى مراسلة جريدة «سورية الجديدة» التي كانت بدأت تصدر في «سان باولو»، كانت عمدة الإذاعة تمارس عملها في غرفة استأجرتها في منزل الرفيق عيسى حمادة، خلف مبنى بلدية بيروت.

في تلك الأيام الصعبة لم يتوقف الرفقاء عن النشاط الحزبي، ولا إقبال المواطنين على الحزب. في يومياته يورد الرفيق إبراهيم يموت أنه في 18/7/1939 انتمى الرفيق محمد عبدالله عيتاني في بيته في منطقة قريطم، وفي 19/7/1939 انتمى الرفيق ظافر جريديني 14 في محل الرفيق متري عقاد من الاشرفية في سوق سرسق، وهذا غيض من فيض.

– كان عميد التدريب مأمون أياس يهيء لإقامة مخيم تدريبي في الشوف عملاً بتوجيهات سعاده استعداداً لمواجهة الأحداث الضخمة المقبلة، كما كان الوكيل الرفيق منير الملاذي يقوم بجولات في المناطق لتدريب القوميين الاجتماعيين.

– في النصف الثاني من آب 1939 غادر الأمين فخري معلوف إلى الولايات المتحدة، فتولى الأمين جبران جريج رئاسة مكتب عبر الحدود. كانت أوراق وسجلات المكتب تحفظ لدى الطالب الجامعي الرفيق إبراهيم يموت الأمين لاحقاً .

– اندلعت الحرب العالمية الثانية في أول أيلول 1939 ومعها بدأت قوات الاحتلال الفرنسي تعتقل المسؤولين والقوميين الاجتماعيين، كان أولهم جورج عبد المسيح الذي اقتيد من منزله في بيت مري، والرفقاء بشير فاخوري، الياس سمعان، أديب قدورة، محمد القاضي أمناء لاحقاً ، وليم سابا، اسبيريدون ديب، والأمين نعمة ثابت.

– أمكن لعميدي المالية والتدريب الدفاع الأمينين جبران جريج ومأمون أياس أن يصلا إلى بلدة بتعبورة في منطقة القويطع في الكورة بعد أن تواريا لوقت في مبنى مرصد الجامعة الأميركية الذي كان يتولاه صيفاً طالب الطب الرفيق عبدالله سعاده الأمين، رئيس الحزب لاحقاً .

– فيما كانت السلطات تعتقل المزيد من القوميين الاجتماعيين عبدالله قبرصي، فكتور أسعد حنا 15 ، يوسف اليازجي، حسن الطويل، رفيق أبو كامل، خالد موره لي، إحسان مسوح، صلاح شيشكلي، عبد العزيز أرناؤوط، الياس جرجي قنيزح، أنيس فاخوري، منصور اللحام راشيا الوادي ، عبد الكريم سيروان الهرمل ، جورج حنكش رومية وغيرهم.. تحوّلت القويطع إلى مركز للحزب، وفيها راح العميدان جريج وأياس، إلى الإشراف على العمل الحزبي في منطقة القويطع، يزوران فروعاً للحزب في الكورة، وينتقلان إلى طرابلس بالرغم من كل العيون المتربصة، والملاحقات بحقهما.

– في 8 تشرين الثاني 1939، ورداً على بيان كان وزعه قلم المطبوعات في المفوضية الفرنسية العليا على الصحف 16 أصدر الأمين مأمون أياس بصفته ناموساً للمجلس الأعلى بياناً عنيفاً يفند فيه مزاعم البيان من أن سعاده مقيم في برلين، وأن الحزب يعمل لحساب المانيا، البيان المذكور نشرته بعض الصحف، وتمّ إرسال نسخة منه إلى «سورية الجديدة» في البرازيل فنشرته بكامله.

– قبل ذلك، في 4 تشرين الثاني، أذاع عميد المالية الرفيق جبران جريج بياناً إلى الصحف أوضح فيه، بناءً للمسؤوليات الحزبية التي تولاها في عمدة المالية منذ حزيران 1937 وفي إدارة جريدة النهضة منذ أيلول 1937، وبصفته الحالية كعميد للمالية، أن ليس بين المعتقلين في سجن القلعة من يحمل أية مسؤولية مالية، وأنه ليس لدى قاضي التحقيق أية وثائق أو سجلات تختص بمالية الحزب سوى سجل مالي يومي، نافياً التهم الملفقة الواردة في الصحف من أن الحزب يتقاضى مبالغ مالية من السلطات النازية.

– وفي 8 كانون أول 1939 أصدر مركز الحزب القويطع بياناً إلى الصحف باسم عمدة الإذاعة تحدث فيه عن الاعتقالات التي تطال الرفقاء في مختلف المناطق اللبنانية والشامية ومعلناً عن وصول وثيقة من بيونس أيرس الأرجنتين، تثبت وجود سعاده في العاصمة المذكورة.

– بعد ذلك بفترة، 30 كانون أول، أصدر المركز نشرة إذاعية تضمنت البيانات الثلاث الصادرة عن عميد المالية 4/11/1939 ناموس المجلس الأعلى 8/11/1939 وعن عمدة الإذاعة 8/12/1939 كما تضمنت صادرة خاصة موجهة إلى المسؤولين في الوطن وعبر الحدود، وقد وزعت النشرة بنجاح بالرغم من الصعوبات الأمنية، وبالتالي صعوبة الاتصال بالمناطق.

– ورغم الملاحقات والأعين الراصدة قام عميد المالية بزيارتين حزبيتين إلى حمص وحلب، وأخرى إلى صافيتا ـ طرطوس ـ بانياس ـ اللاذقية، فيما بقي العميد أياس في بتعبورة.

– بصفته عميداً للداخلية بالوكالة، أصدر الأمين مأمون أياس قراره بإنشاء مديرية للأشبال، وكان قبل ذلك أصدر قراراً بإنشاء فرع حزبي للرفيقات من بلدتيّ كفرحاتا وبتعبورة.

كذلك حُلّت منفذيتا الكورة والقويطع وأنشئت منفذية واحدة باسم منفذية الكورة وتعين الرفيق ميشال خوري من كفرحاتا منفذاً عاماً لها.

– أبلغ الرفيق فارس معلولي الأمين لاحقاً وكان يقوم بمهمة ضابط ارتباط، العميدين جريج وأياس أنه بات يستطيع أن يستقبلهما عند مجيئهما إلى بيروت في المنزل الذي استأجره مع رفيق آخر، ذلك أن الأعمال الحزبية التي توسعت كثيراً باتت تحتاج إلى تواجدهما في بيروت.

– في 10 حزيران 1940 غادر العميدان القويطع إلى بيروت واستقرا في المنزل المذكور قبل أن ينتقلا إلى بيت أوسع تنطبق عليه الأوصاف السرية المناسبة، منه راحا يقودان الحزب، وخاصة مأمون أياس الذي كان يملك، إلى مسؤوليته كعميد للتدريب، صفة ناموس المجلس الأعلى.

كان المنزل يقع في منطقة أوتيل الكومودور حالياً، وصدف أن انتقل الشرطي الرفيق نجيب حلاوي 17 بعد اقترانه، للإقامة في الشقة المقابلة، مما زاد في طمأنينة المسؤولين.

– قبل ذلك كان الرفيق أسد الأشقر قد غادر مغتربه في غانا وعاد إلى لبنان، فأمكن تشكيل مجلس عمد من:

مأمون أياس رئيساً لمجلس العمد ـ عميداً للتدريب.

جبران جريج عميداً للمالية.

عبدالله سعاده ناموساً للمجلس ـ عميداً للداخلية.

أسد الأشقر عميداً للإذاعة.

ووضع رفقاء ـ ضباط ارتباط بتصرف عميد الداخلية، كما طُلب إلى الرفيق فارس معلولي الموظف في الجامعة الأميركية أن يقيم في المنزل ـ المركز السري وأن يتوقف عن أي عمل حزبي.

– كان قاضي التحقيق الفرنسي القومندان فيتو Vitu قد رفع تقريراً سرياً مطولاً إلى القيادة العسكرية يفيد فيه أن سعاده ليس في المانيا وأن ليس للحزب أية علاقة بأية دولة أجنبية خصوصاً بدولتيّ المحور، وهو لذا يقترح تبرئة القوميين الاجتماعيين من هذه التهمة، كما يرى أن المصلحة المشتركة تقضي بالتعاون من أجل استقلال البلاد وحريتها، لا بالتطاحن والاعتقالات والنزاعات لأن الحزب السوري القومي يمثل حضارة القرن العشرين 18 .

كان متفائلاً بالنتيجة لأن القسم المدني في المفوضية مع فريق من العسكريين بات مقتنعاً بوجهة نظره وقد رفعت هذه المسألة إلى السلطة المركزية في فرنسا.

بعد انتقال «المركز» إلى بيروت أمكن للأمين أياس أن يقوم بمفاوضات مع الجانب الفرنسي بواسطة الدكتور سامح فاخوري 19 رئيس المجلس القومي الإسلامي إلا أنها توقفت نهائياً خصوصاً بعد ورود الجواب السلبي من فرنسا على تقرير المحقق Vitu.

– في حزيران 1940 22 و24 تمّ إعلان الهدنة بين المانيا وكل من فرنسا، وإيطاليا. في فرنسا تسلّم الماريشال بيتان رئاسة الدولة وانتقلت العاصمة الفرنسية من باريس إلى مدينة «فيشي» في الجنوب الفرنسي.

على إثر ذلك تشكلت لجان هدنة، فكان من نصيب بلادنا لجنتان: المانية، وإيطالية، وراحت الأوساط السياسية تجري اتصالاتها مع اللجنتين، ويقدم بعضها النصيحة للحزب باستحسان الاتصال باللجنتين أو على الأقل باللجنة الألمانية بهدف تسوية أوضاع الحزب، وربما التوصل إلى إلغاء المحاكمة العسكرية.

– على صعيد الكيان الشامي كان تعيّن الرفيق فكتور أسعد مندوباً مركزياً. اهم عمل قام به بعد تشكيل هيئة منفذية لدمشق على رأسها الرفيق جورج بلدي 20 هو توزيع بيان باسم الحزب يذكّر الشعب بوجوده. وزّع البيان فجأة ولم يُـعتقل احد 21 .

– في مواجهة الوضع أصدر مجلس العمد باسم عمدة الإذاعة بياناً في 2 تموز 1940، وزع على نطاق واسع، واختتمه بالتوجه التالي:

أيها السوريون القوميون

لقد دقت ساعتكم، الساعة التي تبرهنون فيها لأمتكم وللعالم أنكم لستم من فئات الكلام الأجوف التي تعودت الأمة سماع ضجيجها المزعج المنتهي باستغلال الظروف لإشباع الأطماع الخاصة. لقد دقت ساعتكم لتبرهنوا أنكم جوهر الأمة الخالد، العامل بتجدد ونظام وتضحية للقضاء قضاءً مبرماً على عوامل الهدم والانحطاط ولخلق نظام جديد يضع حيوية أمتكم في مجاري نموها الطبيعي.

قفوا في مراكزكم مستعدين وانتظروا!

لتحي سورية وليحي سعاده زعيمها الخالد.

– كذلك تقرر توزيع صور للزعيم في أحياء العاصمة، لصقاً على الجدران. تمّ ذلك في 12 تموز 1940، واعتقل على أثرها الرفقاء بطرس كيروز الشهيد لاحقاً ، عبد العادل طفيلي، خضر سلام، صلاح عيتاني وادوار توتنجي 22 .

– تقرر في إحدى جلسات مجلس العمد إصدار بيان سياسي باسم رئاسة المجلس، وتوزيعه بشكل مكثف، كما تلاوته في اجتماعات شعبية عامة، ولتحقيق ذلك جرى اختيار الخطباء وتوزيعهم على المناطق واتخاذ التدابير الاحترازية والأمنية. حدد يوم الأول من آب 1940 موعداً لتلاوة البيان في المناطق 23 ومن التدابير المتخذة تشكيل زمر وتسليحها بالعصي مهمتها شل قوى الأمن إن هي تدخلت لتفريق الاجتماعات، والعمل على إلهائها ريثما يكون انتهى الخطيب من تلاوة البيان.

تمّ تلاوة البيان وتوزيعه في مختلف المناطق اللبنانية والشامية وتعرض رفقاء عديدون للاعتقال، من بينهم الرفيق عبدالله محسن الذي تلا البيان في بلدته مشغرة، الأمين عجاج المهتار، الرفقاء سليم صافي حرب الأمين لاحقاً ، محمود بيان، سعد الله حدبا وأحمد طبيخ في طرابلس ، تاج الدين خالد وفكتور أسعد في دمشق.

– في 22 آب 1940 جرت محاكمة الرفقاء، ومنهم من كان قيد الاعتقال، وصدرت الأحكام بحقهم. كان منها 20 سنة سجناً و 20 سنة منع إقامة على سعاده 24 ، فتحوّلت إقامته في الأرجنتين إلى اغتراب قسري بسبب الأحكام، كما نشوب الحرب العالمية الثانية.

– بعد تلك النشاطات العلنية، بات المقر السري في رأس بيروت شبه علني، خاصة أن الرفقاء راحوا يقصدونه في الليل كما في النهار، فتقرر الانتقال إلى مكان آخر، وجرى تكليف الرفيق فارس معلولي بالبحث عن مقر بديل، إلا أن أجهزة الأمن كانت أسرع فداهمت المنزل ليلة 26-27 آب واقتادت من كان فيه من مسؤولين ورفقاء 25 أفلت من الاعتقال العميد عبدالله سعاده الذي كان توجه إلى أميون لزيارة والدته، والرفيقان عيسى حمادة من الجنوب، كان مقيماً في بيروت وإبراهيم بشارة من بلدة كفرحاتا ـ القويطع ، ومن المسؤولين المحليين منفذ عام بيروت الرفيق إبراهيم يموت ومعاونه الرفيق بدري جريديني الأمينان لاحقاً .

– تولى الأمين كامل أبو كامل ـ عضو المجلس الأعلى ـ رئاسة مجلس العمد، فشكل مجلس عمد من الرفقاء عبدالله سعاده للمالية، إبراهيم يموت ناموساً للمجلس 26 ، فريد مبارك للإذاعة تم لاحقاً تعيين محسن سليم بديلاً عنه ، زكريا لبابيدي للدفاع، وجورج صليبي عميداً دون مصلحة. واحتفظ الأمين كامل بعمدة الداخلية جرى ذلك في 29 آب 1940.

– في 26 أيلول 1940 أصدر رئيس مجلس العمد بياناً إلى الشعب باسم مستعار «معروف حمدان» يعرض فيه للمحاكمة التي تعرض لها القوميون الاجتماعيون، وما تبعها من أحكام ويرد على كلام رئيس المحكمة الذي قال «نحن في مأتم الحزب السوري القومي». كذلك تناول البيان الخطاب الذي كان أذاعه المفوض السامي الفرنسي في 30 آب.

– بعد ذلك أصدر بياناً بالاسم الصريح «كامل أبو كامل» كي لا يترك أي سبيل لسلطة الانتداب للتمويه على أنه بيان لا قيمة له ما دام فاعله غير معروف.

أما الغرض من البيان فهو أن معلومات وردت إلى قيادة الحزب تؤكد أن السلطات الفرنسية ستنقل احتياطي الذهب من الخزانة اللبنانية إلى فرنسا، وقد أتى بيان رئاسة مجلس العمد ليفضح ذلك مما اضطر السلطات الفرنسية إلى العودة عن قرارها، خاصة أن الحزب لم يكتف بإرسال بيانه إلى الصحف إنما عمد إلى توزيعه بشكل واسع في مختلف المناطق، وإلصاقه في الساحات العامة وعلى الجدران.

– عدد كبير من الرفقاء اعتقلوا أثناء توزيع البيان، أو إلصاقه، منهم خليل طفيلي، محمد اللحام، أحمد الشيخ، عبد الرحمن عكاوي، عيسى حمادة بيروت ، نسيم نصر، عزيز عودة الكورة ، إبراهيم حنا الخوري، ميشال الدورة الحاكور ـ عكار، الأمينان لاحقاً ، حسيب وسعيد صعب الشويفات .

– اعتقل رئيس مجلس العمد الأمين كامل أبو كامل في منطقة بشامون شملان، فتعين الرفيق زكريا لبابيدي رئيساً للمجلس فاعتقل بعد أيام، فتولى الرفيق عبدالله سعاده المسؤولية مكانه، باسم مستعار «جلال طالب»، وكان ما يزال في الثانية والعشرين من عمره وطالباً في كلية الطب في الجامعة الأميركية.

– وطالت الاعتقالات عدداً كبيراً من الرفقاء، منهم ناموس مجلس العمد إبراهيم يموت، وكان يتم نقلهم إلى سجن القلعة في بيروت، وسوقهم إلى المحكمة العسكرية الفرنسية، حتى إذا صدرت بحقهم الأحكام، أودعوا السجون.

هذه النبذة اخذت مني جهداً غير قليل. أعمّمها آملاً من أيّ رفيق مهتمّ أن يقدّم لنا ملاحظاته و/أو إضافاته.

هوامش

1 تشكل من الأمناء جورج عبد المسيح، نعمة ثابت، عبد الله قبرصي، مأمون أياس، كامل أبو كامل، معروف صعب وفخري معلوف، الذي كان يتولى أيضاً رئاسة مكتب عبر الحدود.

2 عقد يوم الأحد 24 أيلول كما يرجّح الأمين جبران جريج من الجعبة- الجزء الرابع، ص. 278 .

3 احمد المفتي: كان يتولى مسؤولية خازن عام، ويقع منزله في منطقة برج أبو حيدر.

4 مؤتمر الاستعداد: للاطلاع على ما كنت نشرت عنه الدخول إلى قسم «من تاريخنا» على موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية www.ssnp.info

5 نقولا بردويل: للاطلاع على ما كنت نشرت عنه الدخول إلى الموقع المذكور آنفاً.

6 يعاونه أحد الرفيقين سعد الدين شريتح أو محمد العطار، فالأمين جريج لم يعد يتذكر ذلك مراجعة «من الجعبة» الجزء الرابع، ص. 453 .

7 تولى الأمين فخري معلوف مسؤولية عميد للإذاعة باسم نصوح الخطيب، بعده تولى العمدة، الرفيق جورج عبد المسيح.

8 شكيب ابو مصلح: من بلدة عين كسور. للاطلاع على ما كنت نشرت عنه الدخول إلى الموقع المذكور آنفاً.

9 شحادة رزق الله: من بلدة زبوغا. ذكرته في عديد من النبذات. مراجعة الموقع المذكور آنفاً.

10 لا يورد الأمين جريج الاسم الحقيقي لناموس الإذاعة في مكتب عبر الحدود الرفيق رئيف عصام.

11 منصور اللحام: من راشيا الوادي. للاطلاع على النبذة المعممة عنه الدخول إلى الموقع المذكور آنفاً.

12 اورخان ميسّر: مراجعة الموقع المذكور آنفاً.

13 يفيد الأمين إبراهيم يموت في يومياته، 7 تموز 1939 ما يلي: «أخذت أطالع «النشرة الإخبارية» الحزبية الأولى والثانية، وأعددت مناشير للتوزيع. كان هناك اجتماع للمديريات وهيئة المنفذية قرب المنارة. ارتجل المنفذ جبران جريج خطاباً استغرق ساعة ونصف عن سورية ومهمة الحزب حيالها. من الرفقاء الذين كانوا يعاونون في إصدار «النشرة الإخبارية» وفي أعمال عمدة الإذاعة يوسف الخال ووديع الأشقر، كما كان نعمة ثابت، وهو يتولى رئاسة المكتب السياسي يغذي العمدة بالمعلومات السياسة «من الجعبة» الجزء الرابع، ص. 439 .

14 ظافر جريديني: اوردت عنه في ملحق النبذة عن الأمين بدري جريديني. مراجعة الموقع المذكور آنفاً.

15 فكتور حنا اسعد: مراجعة الموقع المشار إاليه آنفاً.

16 رغب قلم المطبوعات إلى الصحف أن تنشره كما لو أنه صادر عنها وهذا نصه: «عرفنا أن المحكمة العسكرية تلاحق قضية الحزب السوري القومي وقد اتضح من المعلومات الأولى التي استقاها قاضي التحقيق أن هذه المؤسسة التي يرأسها أنطون سعاده المقيم حالياً في برلين، كانت تعمل لحساب المانيا وكانت تتلقى من السلطات النازية مبالغ مالية هامة».

17 نجيب حلاوي: من الباروك.. مراجعة ما نشرت عنه على الموقع المذكور آنفاً.

18 المجلد الرابع من كتاب «من الجعبة» الصفحة 594.

19 سماح فاخوري:والد الرفيق عفيف، وعم الرفيقين بشير الأمين لاحقاً ومحيي الدين.

20 جورج بلدي: منح رتبة الامانة، وتولى مسؤولية مندوب مركزي في كولومبيا.. للاطلاع على ما نشرت عنه، مراجعة الموقع المذكور آنفاً.

21 «من الجعبة» الجزء الرابع، ص. 660.

22 ادوار توتنجي: من الرفقاء المناضلين. مراجعة النبذة عنه وعن مديرية التضامن الجميزة بيروت على الموقع المذكور آنفاً.

23 تمّ اختيار الرفقاء عبد الله سعاده لتلاوة البيان في الشويفات، عبد الله محسن في مشغرة، عجاج المهتار في عفصديق الكورة، ميشال خوري منفذ عام الكورة في ضهور الشوير، نجيب طعان صعب الأمين لاحقاً، من الشويفات في بتعبورة، القويطع الكورة، وغيرهم كثيرون في مناطق أخرى.

24 حكم مماثل صدر بحق الرفقاء مأموس أياس، جبران جريج، فخري معلوف، سروري بارودي، فريد صباغ، نايف قعوار وانطون الرامي. حكم على مصون عابدين بك 15 سنة سجناً و15 سنة منع إقامة. وعلى نعمة ثابت، جورج عبد المسيح وعبد الله قبرصي 10 سنوات سجناً و10 سنوات منع إقامة، وأحكام أخرى على رفقاء عديدين.

25 تمّ اعتقال رئيس مجلس العمد الأمين مأمون أياس، العميدين جبران جريج، أسد الأشقر، والرفقاء فارس معلولي، عبد الله أيوب، وحنا جريج شقيق الأمين جبران، الذي كان نُـقل إلى المقر السري بعد إصابته برصاص قوى الأمن التي داهمت بترومين بحثاً عن الرفقاء. قبل ذلك كان نقل بشكل سري إلى رأس بيروت حيث عالجه الرفيقان الطبيبان عبد الله سعاده وجورج صليبي.

26 تمّ ذلك مع استمراره منفذاً عاماً لبيروت. في 30/8 رغب الرفيق يموت إلى الرفيق بدري جريديني أن يقوم بأعمال منفذية بيروت، فقبل إبراهيم يموت، «أضواء على العقيدة القومية الاجتماعية»، ص. 248 . «من الجعبة» الجزء الرابع، ص. 718.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى