الجمعة , 19/10/2018

العدد:2658 تاريخ:19/10/2018
Home » Article » وكذلك الرب!

وكذلك الرب!

مايو 17, 2018 ثقافة وفنون تكبير الخط + | تصغير الخط -

جاك عقل

من فاته قراءة كتاب «ندم الرب على خلق إسرائيل، أَما ندم الغرب؟» لمؤلّفه نقيب محرّري الصحافة اللبنانية الأستاذ الياس عون، عليه أن يتلو ـ كما الربّ ـ فعل الندامة ألف مرّة ومرّة.

كتاب غير مسبوق في مضامينه ومحتواه، وفي نهجه وأسلوبه ومبتغاه، وهو خَرْقٌ لجدار مسدود، ولقضيّة مُعضلة، عَصَتْ على الحلول منذ ما يقارب سبعة عقود، وترسّخت جذورها شوكة دامية في قلب العروبة، وحربة في خاصرتها، بدعم من استعمار غاشم، وغطاء من حفنة غادرة من المستعربين، كوّنت على مدى العصور مأساة مؤلمة لشعب عانى من الظلم والاستبداد، ولا يزال، ومن الضياع والتشرّد والحرمان، ما لم يعانِه أيّ شعب آخر.

نقيب مقدام، يناطح السحاب شموخاً في جرأته وشجاعته، عوّدنا أبداً أن يغوص في مواضيع شائكة معقّدة وجريئة، لا تخلو من المخاطرة في مقاربتها وتعريتها وتجويفها من الداخل وصولاً إلى الحقيقة، ولا شيء عنده إلا الحقيقة، واستناداً إلى جهد جهيد، وسعي دؤوب، وإلى خبرة واسعة ومعمّقة في عالم الصحافة والشعر والأدب، إضافة إلى قلم سيّال، مبدع وخلاّق، أتحفنا بأربعة مجلدات جديرة بالمطالعة، زادت المكتبة العربية ثراء وغنى، آخرها كان هذا الكتاب الذي هبط كنقطة الماء المثلّج على مبضع الجرّاح، بحثاً عن الحقيقة. نتصفّح وريقاته بنهم وشغف نظراً لما ينطوي عليه من معلومات ووقائع وحقائق تاريخية تقشعرُّ لها الأبدان، لهولها وجسامتها وندرتها، وكلها ثابتة في مستندات ومراجع هي الأقوى لأنها مستمدة ومستخرجة من كتاب «التوراة» وتنطوي على سرد القباحات والموبقات وممارسة الأفعال الشاذة اللأخلقية التي نجد صعوبة في تقبّلها، أو الركون اليها، لأنها تفوق كل تصوّر وتتجاوز ما هو معقول إلى اللامعقول، وغير المقبول لأصحاب الضمائر الحيّة والخجولة، ومرفوضة رفضاً قاطعاً وجازماً من كلّ المفاهيم والقيم، ومن ذوي البصر والبصيرة.

كتاب مليء بالعبر كوخز الأبر، يهزّك ويدهشك من حيث لا تدري، ويدفعك إلى الثورة والنقمة والغضب، من شعبٍ، تاريخه ملطّخ بالدماء، وحكّامه مصّاصو دماء، وعاداته وتقاليده ومعتقداته موضع استخفاف وهزء، ولا مكان لها في قاموس البشرية. لا همّ لهؤلاء الحكّام سوى زرع الفساد ونشر الفتن واستباحة الأعراض وارتكاب المجازر الوحشية، والاعتداء على الحقوق والممتلكات، ضاربين بعرض الحائط كلّ الشرائع والأعراف والقوانين الدينية والأخلاقية والمواثيق الدولية.

أما وأن تبقى فلسطين قضية الشرق الأوسط، ومشكلة المشاكل، يعنكب عليها التاريخ، ويعشعش عليها الزمن، عالقة على مدى العصور والدهور، بلا حلول أو قيود، يعاني من تداعياتها العالم بأسره، فعلى الدنيا السلام. لذلك ارتأى النقيب الثائر الواعد والباحث حلّاً وسطياً عادلاً وحكيماً لهذه القضية، كي لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم: «جَعْل إسرائيل دولة رمزية روحية مثل الفاتيكان، تعترف بها جميع الدول حتى العرب، ويكون لها علم وممثلون لدى جميع الدول، وتبقى فلسطين دولة عربية ديمقراطية علمانية يشترك فيها اليهودي والعربي على قدم المساواة كما هي الحال في لبنان».

في نهاية كتابه، عرّج النقيب عون على تعداد الأسباب والعلل التي حالت وتحول دون تحقيق العرب أيّ انتصار أو ثورة أو معركة، لاسترداد فلسطين المسلوبة، ونصرة شعبها المغلوب على أمره، في وجه عدوّ لدود متعجرف حاقد، سلخ أراضيه وجرّده من حقوقه واغتصب أرزاقه وبيوته ومصادر عيشه.

ومن أبرز الأسباب التي أعاقت عودة فلسطين إلى شعبها مثلما رأى النقيب عون، الفقر والجهل والفساد المستشري في صفوف الحكّام بشكل عام.

في الختام، لا بدّ لنا من أن ننوّه بمزايا نقيب يعلو ولا يُعلى عليه، وهو حاجة وضرورة، بتواضعه ورفعة شأنه، وسموّ أخلاقه، ومناقبيته. إنه الودود الغيور المحبّ، الكريم والمعطاء، لا يعرف الكره والحقد والحسد إلى قلبه سبيلاً.

ما أحوجنا اليوم إلى أمثاله حكّاماً أوفياء يحذون حذوه ويقدّرون قدره.

محامٍ وكاتب

وكذلك الرب! Reviewed by on . جاك عقل من فاته قراءة كتاب «ندم الرب على خلق إسرائيل، أَما ندم الغرب؟» لمؤلّفه نقيب محرّري الصحافة اللبنانية الأستاذ الياس عون، عليه أن يتلو ـ كما الربّ ـ فعل ا جاك عقل من فاته قراءة كتاب «ندم الرب على خلق إسرائيل، أَما ندم الغرب؟» لمؤلّفه نقيب محرّري الصحافة اللبنانية الأستاذ الياس عون، عليه أن يتلو ـ كما الربّ ـ فعل ا Rating:
scroll to top