«القومي» وأهالي الدوير والنبطية أحيوا ذكرى أسبوع الرئيس والوزير علي قانصو بحفل تأبيني حاشد والكلمات تشيد بمزاياه ومناقبيته وتستحضر مسيرته النضالية وتحيّي مواقفه الوطنية والقومية

أحيا الحزب السوري القومي الاجتماعي واهالي بلدة الدوير والنبطية ذكرى مرور اسبوع على وفاة الرئيس السابق للحزب وزير الدولة لشؤون مجلس النواب الراحل علي قانصو، بمهرجان خطابي حاشد أقيم في النادي الحسيني في الدوير، وقد حضر الى جانب عائلة الراحل رئيس الحزب حنا الناشف، رئيس المجلس الاعلى النائب اسعد حردان وعدد كبير من أعضاء قيادة الحزب والمسؤولين.

كما حضر وزير المالية علي حسن خليل، وزير البيئة طارق الخطيب ممثلاً رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل، رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، النائب علي عسيران، الوزير السابق د. فايز شكر، ممثل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عضو قيادة الاشتراكي في الجنوب سرحان سرحان، ممثل الامين القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي في لبنان نعمان شلق امين فرع الجنوب احمد عاصي، رئيس المكتب السياسي في حركة امل جميل حايك وعضو هيئة الرئاسة خليل حمدان والمسؤول التنظيمي في الجنوب باسم لمع، ممثل تحالف القوى والفصائل الفلسطينية في لبنان محمد ياسين، رئيس الجامعة اللبنانية البروفسور فؤاد ايوب، رئيس المجلس القاري الافريقي نجيب زهر، نائب رئيس الاتحاد العمالي العام حسن فقيه، مدير عام جمعية المبرات الخيرية الشيخ علي سنان، وشخصيات وفاعليات ورؤوساء بلديات ومخاتير ومحازبين ومواطنين.

حاوي

بعد النشيد الوطني اللبناني ونشيد الحزب السوري القومي الاجتماعي، عرّف الحفل وقدّم الخطباء حسن حاوي وجاء في كلمته:

أهي حقيقة أم حلم أن يصبح أبو واجب، الرئيس والأمين والوزير بين ليلة وضحاها خارج معادلة الحياة؟

أهو واقع أم خيال أن ينسحب الأمين علي من حلبة الصراع ويغادر في غفوة عيوننا؟

هكذا استلّ القدر معوله واقتلع من أزهارنا أينعها وأجملها وأعذبها وأكثرها رقة وحنواً وأمضاها تصميماً وعزيمة.

اقتلع من شجيراتنا أصلبها عوداً وأعلاها شموخاً وأكثرها تواضعاً. فعل القدرُ فعلته ما أقساك أيّها القدر لعلك أخطأت الهدف وتاهت بك المسافات والاتجاهات، فرميتَ حيث يجب أن تحنو وأسرعت حيث يجبُ أن تتمهّل. هو القدر البريء أو المفتعِل الذي لا يتعايش مع أصحاب النفوس العظيمة والعقول الجبارة، لأن هؤلاء يصنعون القدر بما تختزنه عقولهم من إبداعات وسمو أفعال. ما أعجزني في حضرتك يا أبا واجب عن لملمة الكلمات التي شظاها الأسى وبعثرها الحزن ونثرها في رحاب المدى صوب اللامحدود تماماً، كما هو عالمك الذي كنتَ تحلم في نسجه على قياس طموحك وعظمة مشروعك النهضوي الذي اخترته عن سابق تصوّر وتصميم.

كم من مرة أيقظتنا من غفوتنا وغفلتنا يا أبا واجب. كم من مرة أستلّيت سيفك وعقلك وقلمك وسرتَ في مقدمة الركب تردّد على مسامعنا ما قاله زعيمنا: إذا كنتُم ضعفاء وقيتكم بجسدي وإذا كنتم جبناء أقصيتكم عني وإذا كنتم أقوياء سرتُ بكم إلى النصر.

وتابع: بالأمس زرناك في مقامك الأخير قرأنا في عينيك إنذاراً شديد اللهجة تمنّيت لو كنت قادراً على أن تأخذ قلوبنا وتقذف بها حيث تشاء إلى حيث تحبّ إلى فلسطين المغتصبة، إلى الشام الجريحة العصية على السقوط، إلى العراق المنهَك من المؤتمرات والمؤامرات. ونعود إليك نبحث عن مدى عينيك عن النسر المختزن بينهما عن المدى الذي تذهب إليهما وتغوص في أعماق أعماقه فلا يفكّ لغزهما إلا مَنْ كان على نفس السّوية من بعد نظرك وعمق تفكيرك وحنو قلبك.

آه لو كان بإمكاني أن أحدّثكم عن أبي واجب، المزارع والأستاذ وناظر الإذاعة والمنفذ العام والمندوب المركزي والأمين والعميد والرئيس والوزير لكنتُ أدهشتُكم.

آه لو كان بإمكاني أن أسمعكم ما لا أستطيع كتابته لأدهشكم، لأن في داخل كل منكم عن أبي واجب ما يُدهش كلاً منا.

أبا واجب عذراً، لن نقول لك وداعاً، لأننا سنلقاك في حركة الصراع سنجدك في عيون الأشبال الذين يحملون حلمك في سواعد الرفقاء الذين سرت بهم على درب الجلجلة. سنجدك مع كل صرخة لأبناء الحياة، سنجدك في نفوس الفقراء والمحرومين والباحثين دوماً عن وطن، في سواعد المنتجين صناعة وغلالاً وفكراً. سنجدك في كل لقاء حزبي واجتماع إداري وفي كل نصر يتحقق في معركة الوجود مع أعداء النهضة والأمة.

أبا واجب لنفسك الراحة والسلام ولروحك الفاتحة.

إبراهيم

ألقى إمام بلدة الدوير السيد كاظم إبراهيم كلمة رثا فيها الأمين علي قانصو، وقال: تسلس الكلمات لك قيادَها عندما تعتلي المنبر كي تتصدّى للحديث عن إنسان فذٍّ في غنى وثراء من نقيم اليوم هذا الحفل في ذكراه. عنيت به أخي وصديقي الراحل الكبير الأستاذ علي خليل قانصو.

فهذا المناضل منذ بداية تفتح مداركه على مآسي هذا الوطن ومواجعه. هذا المتشبث بقناعاته ومواقفه التي لم تزعزعها كل الرياح التي عصفت بهذا الوطن. هذا المتمسك بمبادئه التي هي باختصار عزة هذا الوطن، وحق المواطن فيه إلى عيش كريم قائم على العدل والشفافية والكفاءة هذا الألمعي المتوقّد ذكاء ومعرفة. هذا الأريحي الخلوق الممتلئ بشراً ورحابة. وفي النهاية هو الإنسان بكل ما في هذه الكلمة من اتساع. إنه أبو واجب فقيدنا الكبير الذي جمعتني به قناعات وأفكار ومبادئ كثيرة منذ تعارفنا في رحاب هذه البلدة الحبيبة «الدوير» منذ أكثر من أربعين سنة.

أجل، لقد جمعتني بالراحل العزيز طموحات وهموم كثيرة منذ انفجار الحرب الأهلية في لبنان. فكان همّنا الأول حفظ السلم الأهلي في مجتمعنا الصغير الذي هو هذه البلدة، لذلك كنا في كل المحطات الصعبة والخطيرة التي مرّت علينا نعلق الآمال على هذا الإطفائي الشجاع الذي ما توقف يوماً عن أداء هذا الدور الخطير والرائد والذي منذ انطلق ليكون داعية سلام ووفاق على مستوى الوطن..

وثانياً، ولقد جمعتني به قضيتنا الكبرى وجرحنا النازف أبداً قضية فلسطين التي ما انفكت تقضّ مضاجع كل الشرفاء من هذه الأمة والتي زرعتها الأيدي الخبيثة منذ سبعين سنة أي من السنة الأولى لمولد فقيدنا أبي واجب، وما زالت إلى يومنا هذا يوم رحيله غدة سرطانية تُمعن في جسد هذه الأمة تمزيقاً وحروباً ومؤامرات.

وثالثاً، لقد جمعنا هم وطننا لبنان الذي عصفت به حرب أهلية لم تبق ولم تَذَر والتي تحوّلت حرباً طائفية قذرة يقتل فيها المواطن على الهوية، فكان أن آمنا بسببها وبسبب المآسي التي نتجت عنها أن المرض العضال الذي يجب أن يُستأصل من جسد هذا الوطن هو النظام الطائفي. فكان إيماني كرجل دين مسلم مطابقاً لإيمانك أيها المناضل العلماني بأن العدالة التي تحقق الخير لكل الناس هي أن لا يصل إلى موقع المسؤولية سواء في السلطة أو الإدارة إلا مَن هو جدير به بموجب جهده وعمله وكفاءته وليس بانتمائه إلى طائفة معينة أو عائلة أو بيت معين، وقد كان وصولك إلى موقع المسؤولية في السلطة وأنت القادم من بيوت الفقراء الكادحين هو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.. فمن خلال ما عنينا وعاينّا ترسخت قناعاتنا بأن هذه الآمال والأماني بوطن عزيز ومواطن يعيش فيه بكرامة لن تتحقق في ظل نظامنا الطائفي. فالطائفية هي عدوة العدالة والكفاءة والمساواة وإنّها المرض الذي إن لم نتخلص منه، فلن يكون في مقدورنا أن نشفى من أمراضنا الأخرى أمراض الجهل والتخلف والفساد والمحسوبية. وهذه أمراض يمكن شفاؤها عند الأصحاء غير المصابين بنقص المناعة المكتسبة، ولذلك كنت أردّد أمامك في بعض جلساتنا الخاصة، بأن الطائفية هي «سيدا» هذا النظام والتي تجعل الوطن غير مهيأ للشفاء من أمراضه الأخرى. وهذه لعمري قيم ومبادئ تعلمناها وآمنا بها انطلاقاً من تعالم الإسلام النقي الذي لم تشوّهه السياسة ودول الاستبداد والطغيان وتكفير الآخر والتي قامت باسم هذا الدين أجل آمنا بها مستندين إلى أقوال رسول الله ص بأن المسلم هو من سلّم الناس من يده ولسانه، وبأن المسلم الحقيقي هو مَن يحب للناس ما يحبه لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه، وإلى وصايا إمامنا أمير المؤمنين علي عليه السلام بأن الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق. وبأن لا يكون المحسن والمسيء عند الحاكم بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان بالإحسان وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة.

في يوم رحيلك يا أبا واجب تأسّيت بقول رسولنا الكريم ص عند فقد ولده إبراهيم، حيث قال: «لو لم نعلم أنه قول حق ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليه أكثر من ذلك، تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يُرضي الرب..».

بهذه الكلمات المفعمة بالإيمان بالله واليوم الآخر والراضية بقضاء الله وقدره سلمت لأمر الله سبحانه يوم رحيلك يا صديقي. فهذا الإيمان هو الصخرة التي يقف عليها المرء ثابت الجنان لا تزعزعه رياح المصائب والنكبات..

فسلام عليك يا أبا واجب. أيها الصديق الذي فارقنا في عز عطائه وفي ذروة حاجتنا إليه، لو كان في وسعك الانتظار. ولكننا نسلّم لإرادة الله ومشيئته فلربما ننفق العمر كي يكون لنا الصديق الذي إليه نركن من هجير العمر بظله نتفيّأ، فما أقسى أن نعرى يا صاح تحت لفح الهجير. وما أوجع أن يفقد الإنسان صديقه.

وسام قانصو

وألقى منفذ عام النبطية المهندس وسام قانصو كلمة المنفذية وجاء فيها:

«من أين أبدأ معك… وكل البدايات لا تأذن لي بالدخول إلى عالمك… وكل المقدّمات لا تفي بالرجاء وكل نواحيك عصية على الوصف، لأنك سوّرت نفسك بهذا الكبير الهائل من دماثة الأخلاق والسيرة الحسنة والقامة الصادقة الملتزمة.

فدخلت إلى عوالمنا وحياتنا وقلوبنا وعواطفنا بهذا المدى من الحبّ والتعلّق بشخصك والاحترام الذي يكنّه لك كل مَن عرفك ولازمك وزاملك وجاورك ورافقك… ولدت على مواقيت العناء، وولجت الصعب واستسهلت الشدّة. في طفولتك وشبابك، عانقت اليراع وتدفأت بالكتاب .

فخرجت إلى الحياة أستاذاً على منكبيه ضوع اللغة العربية، حيث شيّدت عرزالاً من الأدب والشعر والثقافة، اخضرّ عوده في حدائق حواسنا وهام في وهادنا وأعالينا.

ارتوت قامتك من لهيب انتمائك وندوب الأمة سرت في مناحيك وأعطافك.

هالك وصف الزعيم معاناتها وضياعها وفساد الأنظمة السائدة والتآمر على مقدراتها وثرواتها وإمكاناتها.

فراحت أفكار الزعيم تنسحب على تطلعاتك وأيقنت صوابيتها ودقتها وعمق فهمه لكيفية خلاص الأمة وانتشالها من هذا الأتون القاتل.

فرسا شراعك على ميناء الحزب السوري القومي الاجتماعي. وارتقيت بهذا الالتزام الذي كان بيدراً تعلوه سنابل الضوء فأصبحنا نطارد وقتك ونقطف أريج حبك في الصباحات والأماسي.

وها هو الحزب الذي قرأك في أدبياته قصيدة أزهرت بحروف الوعي واغتسلت بحناء مطرك قصيدة ملأى بالوطنية والالتزام والإنساني والأخلاقي والقومي.

آثر هذا الحزب بإجماع منتسبيه أن يُسند إليك رئاسته فنجحت في زمام القيادة وامتلكت سر حسن الإدارة، فكان كلامك قبساً يضيء السريرة ويندلق دفئاً في كل ذات.

أبا واجب …أيّها القلب الذي ما خفق إلا وداً وحباً وصدقاً وأخلاقاً وأدباً… أيّها الوجه الذي لم يطفح إلا بالبشر.

أيتها القامة التي سبحت في بحر هدوئنا وصخبنا وفرحنا وحزننا وازدادت على يديها الرزانة والإيثار والنبل.

عشقك أصحاب السياسة والسياسيون.. أحبّوا ملاقاتك.. آثروا زمالتك..

فاختير الأمين علي قانصو ليكون وزيراً لأكثر من مرة.

كان وزيراً فذاً ناشطاً حمل التزامه الوطني والإنساني في جوارحه.

لم تنل الوزارة من تواضعه ومحبته للناس، فكانت البسمة تنساب طيباً من شفتيه يعلوها الشذى، كأنها تعبر عن سعة الصدر والمروءة الكامنتين في أعماقه..

واستمر ابو واجب في كل أيامه وساعاته لا يهدهده الكرى ولا تؤرقه الصعاب دائماً أخضر العود وشمسه تشرق في كل النفوس. لكن الداء تمكن من هذه الشمس فاعتراها الكسوف وامتنعت النفس المناضلة الأبية عن التحمّل ومالت الى السكينة ولفها الصمت . أحببتم الحياة لانكم أحببتم الحرية… وأحببتم الموت متى كان الموت طريقاً للحياة .

باسم مديرية الدوير التي أنشأتها واحتضنتها وباسم منفذية النبطية التي واكبتها أقول أيّها الرفيق الأمين سنظل ننهل من معينك وستظل كتاباً صفحاته شروق وسطوره دفء ومجد.

حطيط

والقى العميد المتقاعد الدكتور أمين حطيط كلمة أهالي بلدة الدوير وفيها قال:

يعزّ عليّ بعد ستة عقود من الصداقة المميّزة التي تخطّت في نوعيتها وطبيعتها أي صداقة وعلاقة، أن أقف راثياً الصديق الحبيب والأخ العزيز علي قانصو، صداقة العمر مذ كنّا على مقاعد الدراسة الأولى، صداقة لم تزدها الأيام ألا وثوقاً وقوة ولم تؤثر فيها مواقع الأطراف وانتماءاتهم والتزاماتهم العقائدية والوظيفية حتى في أصعب المراحل ألا تحصيناً.

ففيك يا علي أرثي الرجل الرجل الذي شكلت حياته ظاهرة ندر وجودها. وبموضوعية أقول من موقع المطلع العميق أن مسيرة علي وحياته شكلت مثالاً نموذجياً لكل من ابتغى رقياً وضاقت عليه السبل والإمكانات فتحدّى وهزم العوائق والصعوبات حتى ولو كانت جبالاً في قسوتها وصعوبتها فمسيرة على هي مسيرة الطامحين المجدّين الناجحين المميزين.

بدأ علي رحلة الحياة في الدوير وكان واحداً من كوكبة عاشت الأيام بحلوها ومرّها في الطفولة والصبا متنقلة بين ساحات القرية ومقاعد الدراسة والحقول في كل الفصول تمارس في كل موطن منها طقساً من علم أو عمل أو لعب وتسلية، لكن على تميّز عن المجموعة تلك، لأنه واجه ظروفاً تختلف عما واجهه الآخرون، فأتقن وهو ذو السنوات العشر العمل بقاعدة اعمل لتتعلّم، ثم تعلّم لتعمل، ثم اجمع العلم والعمل لتتخذ الموقف، وليكن الموقف في خدمة المجتمع من دون أن تنسى نصيبك من الدنيا.

إنّها القاعدة التي تلخّص مسيرة علي خليل، كما كنا نناديه في الصغر والذي جعلت منه رجل الإنجاز في الزمن الصعب، تحمّل بموجبها مسؤولية نفسه منذ الصغر. فكان يعمل في الصيف في بيروت ليجمع نفقة المدرسة في الشتاء في الدوير، حيث تدرّج من ابتدائيتها وتكميليتها إلى دار المعلمين في صيدا، فعمل هناك على محورين دراسيين حصّل في أولهما الشهادة التعليمية. وفي الثاني البكالوريا في قسميها الأول والثاني ما أتاح له الدخول إلى كلية التربية. وكان الاسم آنذاك دار المعلمين العليا. وفيها انطلق أيضاً على خطين، أكاديمي وبرع فيه، وسياسي تألّق في دروبه حتى وصل إلى سدة رئاسة الحزب الذي انتمى إليه في سن العشرين، الحزب السوري القومي والاجتماعي الذي وجد فيه التنظيم الملائم لخدمة الأمة والوطن والمجتمع.

في مسيرته العلمية كان دائماً مجدّاً عنيداً متعاقداً دائماً مع النجاح، وفي مسيرته العملية كان عصامياً متواضعاً صادقاً حوارياً تفاهمياً تصالحياً، ولكن في المبادئ صلباً جريئاً واضحاً غير مستفزّ، وأهم ما في تعاطيه مع الآخر كان احترامه له وإيمانه بأن للآخر حقاً في أن يكون كما يريد. كما هو بنى نفسه واختط لها مساراً كما أراد. وكان يبحث في الآخر عن مواطن اللقاء ليستعملها في التقارب ويقف على مواطن التعارض أو التناقض ليجليها أو ليتجنبها أو يعطل مفاعيلها لتجنب التباعد والمهم عنده أن تبقى مكنة الاتصال قائمة.

لم يكن لعلي عدو إلا «إسرائيل» ومَن يعمل معها أو لها، ففي العداء هنا كان علي يُبدي شراسة مطلقة. لهذا كان في مسيرته السياسية دقيقاً في التمييز وشجاعاً في اتخاذ المواقف يعمل لحزبه، ولكن ليس على حساب الآخرين، بل كان موفقاً بين مصالح الجميع، ولن أنسى عملنا معاً في هذه البلدة، حيث نجحنا مع آخرين مخلصين في العام 2004 في إرساء ائتلاف بلدي يوفر على البلدة معركة انتخابات بلدية ويوفر للبلدة مجلساً بلدياً توافقياً صار نموذجاً يُحتذى في أكثر من بلدة ومكان في الجنوب، وما زال العمل مستمراً به.

نفتقدك يا أبا واجب. نفتقد مبادرتك للتحية والسؤال عن أصدقائك ومعارفك واهتمامك بشأن هذا أو ذاك من مراجعيك أو ملتمسي خدمة. فأنت أنكرت في سلوكك ما يجنح إليه البعض الذين إذا كبّروا يتكبّرون على مجتمعهم، لكنك كبرت أنت في المجتمع وكبر المجتمع فيك واتخذت من المناصب التي تقلّدت، ومنها الوزارة، أداة خدمة للآخرين ولم تجعلها حواجز تمنع الآخرين من الوصول اليك فكنت قريباً من كل مَن عرفك يا حبيب القلب، كما ناديتني في آخر لقاء معك قبل 30 ساعة من رحيلك، يوم استقبلتني في المشفى وأنت على كرسي المرض مرحباً «أهلاً أهلاً أهلاً برفيق العمر». وحرصت على إظهار جهوزك للآتي عندما ردّدت بعد حمد الله تكراراً «اللي بيجي من الله يا محلاه».

لك الرحمة، يا أخي علي، وعزاؤنا في يوم وداعك أنك عشت زمن الانتصارات التي عملت من أجلها وزمن ارتقاء المقاومة التي انخرطت فيها وزمن تقهقر الاستعمار الذي حاربت. إنه زمن انتصارات الأمة التي أعلن عن بزوغ شمسه سيّد المقاومة وقائدها سماحة السيد حسن نصر الله الذي أحببت… ففي أمان الله يا صديقي المميّز. فالدوير التي تبكيك تفخر بك وتفاخر…

الأشقر

وألقى نائب الأمين العام لجبهة التحرير الفلسطينية أبو نضال الأشقر كلمة باسم القوى والفصائل الفلسطينية جاء فيها:

«في حضرة روح الأمين الوزير علي قانصو انحناء وفاء.. رحل جسده، ولكن الروح باقية تحلّق في كل ميادين النضال، وفي كل المناضلين من أبناء الأمة فكراً وسلوكاً وممارسة وثباتاً على المواقف. رحل جسداً ولكن ذكراه يتجدّد اليوم في كل ساحات نضال الأمة يلهم المقاومين في ميادين المواجهة الشهيد الذي كان شاهداً على هذا الزمن شهد زمن المفاهيم المقلوبة وقولبة موازين الصراع شهد الارتداد والهزائم من أدوات استبدلوا الأعداء وكانوا أدوات للمشروع الإمبريالي الصهيوني في بلادنا، لكنه ما هان وظل يؤشر على الطريق الصحيح يصحّح المواقف الثابت عليها ويؤشر باتجاه العدو الوحيد ويؤشر على خطر الصهيونية الجاثمة على أرض فلسطين. فلسطين التي كانت بالنسبة له الحلم والطموح. فلسطين القضية المركزية للأمة. هكذا كان لا هان ولا استكان. ولا أغرته المواقف كما أغرت الكثيرين. واليوم شعب فلسطين بوفائه لتلك المواقف الثابتة الجريئة الشجاعة. شباب فلسطين اليوم يبتكرون أساليب النضال ووسائل النضال، يستنفرون كل ما أوتي إليهم من قوة ومن وفاء من أجل أن يستمروا في مقاومتهم في ميدان المواجهة من فلسطين 48 إلى الضفة الغربية إلى غزة يعلنون وحدة الشعب التي تؤكد وحدة الأرض. وتؤكد أن زمن التسويات الهزيلة والتنازلات قد ولّى ولا يمكن لأوهام التعايش مع هذا الاحتلال أن تستمرّ.

الراحل الكبير بالمقابل شهد زمن الانتصارات وبشائر النصر الكبير في غزة 2014، وشهد أيضاً التحرير وانتصار عام 2006 وانتصار غزة على آلة الدمار الصهيونية وغطرستها.

وشهد على الانتصار على المشروع الصهيوني الإمبريالي، المشروع التفتيتي التقسيمي في سورية التي تُعيد اليوم مجد سورية الى حاضرها في ذكرى رحيل الأمين الوزير علي قانصو لروحه تحية وسلام، تحية للأمة وللمقاومة، تحية للشهداء، تحية للمقاومة المستمرة والنصر للأمة».

قصيدة

وألقى الشاعر حسين شعيب قصيدة رثاء معبّرة تنشر لاحقاً.

خليل

ثم ألقى وزير المالية علي حسن خليل كلمة باسم حركة أمل، جاء فيها:

قد تكون من أصعب المواقف التي تعدو مازال حياً حاضراً في وجدانه وفي يومياته. وهي لحظات تزداد صعوبة عندما تتناول واحداً من رموزنا الكبار الذين كتبوا في مسيرتهم نهجاً وخطّوا درباً في الالتزام الحقيقي للمسؤولية. كان علي قانصو قبل أن يكون حزبياً إنساناً صادقاً طيباً ملتزماً يعي مشاكل مجتمعه ويتحمّل مسؤولية العمل من أجل حلها.

علي قانصو يؤرخ بمسيرته جزءاً أساسياً من تاريخ نضالنا المشترك في الحزب السوري القومي الاجتماعي وفي حركة أمل قد لا أكون مؤهّلاً لأن أتحدّث عن سيرة شبابه، لكنك عندما نتحدث عن ممارسته القيادية المسؤولة نرى فيه أنموذجاً استثنائياً ترك فيّ على المستوى الشخصي أثراً عميقاً وأنا زامنته في أكثر من حكومة وقبلها وهو الأساس. زامنته مناضلاً في صفوف حزبه نتعلّم منه نعم نحن الذين ربما ننطلق من خلفية فكرية وعقائدية أخرى، لكننا كنا نرى فيه ما يعصف من قيم يحملها الحزب القومي كثيراً من نقاط التلاقي والتقاطع الذي جعل من فكره ومن حركتنا حدثين دائمين في كل محطات النضال الوطني والقومي.

علي قانصو الإنسان الحزبي المسؤول المربي الأب، والذي يحمل هم الجميع صاحب لم تغيره ولم تبدله لا المناصب في رئاسة الحزب ولا في الحكومة أو أيّ مسؤولية. بقي إنساناً عاشقاً لبلدته، عاشقاً للجنوب، عاشقاً لفلسطين، مؤمناً بقضايا الأمة يحمل مسؤوليته بالدفاع عنها بصلابة عزّ نظيرها. كانت كلمة السر بيننا في مجلس الوزراء أن أمازحه بـ»تحيا سورية» لينقض على القضية المثارة كان يعوّض عنا جميعاً عندما يتعلّق الأمر بفلسطين لسورية للمقاومة. كان صلباً مدافعاً شرساً مؤمناً قلّ نظيره.

وهو صاحب هذه العقيدة الذي استطاع أن يقدّمها للناس لزملائه في مجلس الوزراء بالحكومة بصلابة المؤمن الخالص والمتّزن، لكن بوداعة وأسلوب تجعل كل الأقسام قبل الأصدقاء يؤمنون ويقدّرون له قدرته على أن يوصل فكرته بأقلّ قدر ممكن من الاستفزاز.

علي قانصو قبل أيام من رحيله زرته في المستشفى، وكنت متهيّباً وخائفاً أن أرى إنساناً قد كسره الوجع والألم والمرض، لكنني أفخر أمامكم وأنني أعرف حقيقة وطبيعة مرضه الصعب، كنت أمام جبل يتحدّث أمام رجلٍ رجل بكل صلابة يواجه عمق الموقف الوطني ويلامس كل القضايا بنفس الشفافية والوضوح والالتزام. كان يمارس دوره بنفس الصوت الجهوري الذي كنّا نعتز ونفتخر ونقوى به في مواقف النضال معاً.

حدّثني بكل أريحية عن المسؤولية أمام الجميع، بأن نحافظ على الانتصارات التي تحققت في المنطقة، وأن لا نتراجع في زمن هذه الانتصارات عن أن نترجمها بالفعل السياسي، وبالتأكيد على الموقف من كل القضايا المطروحة. كان يدافع عن حزبه. كان يدافع عن تمثيل حزبه، وعن ظهور هذا الحزب في الحكومة، وفي كل مواقع العمل السياسي. عندما غادرته أعتبر نفسي قد استفدتُ وخرجتُ أكثر قوة ومناعة وصلابة، عندما رأيت هذا الصديق القومي مازال وهو على فراش يقترب من الموت بهذا الإيمان الخالص الذي لم يجعله يتراجع في أي لحظة من اللحظات.

وأشهد أننا لم نسجّل عليه هفوة واحدة لالتزامه بالقول والوطن وفي أي مكان تعاملنا فيه معاً في كل الظروف.

اليوم في ذكراه نستعيدُ بعض تأكيد الحفاظ على ثوابتنا التي آمن بها، وأولها فلسطين التي يجب أن تبقى قبلتنا وملتقى قيمنا، فلسطين التي أول من دعا الى بناء القوة من أجل الدفاع عنها إمامنا القائد السيد موسى الصدر، وقبله ربما الزعيم انطون سعاده. انطون سعاده الذي آمن به علي قانصو يعكس إرادة الأمة في مواجهة أعدائه الحقيقيين. لهذا التقينا على طريق الاستعداد لتحرير فلسطين، مقاومين في لبنان واليوم نؤكد أن المسؤولية تزداد بالالتزام بقضية فلسطين في وجه المؤامرات التي تُحاك تحت عناوين مختلفة، آخرها صفقة القرن أو صفقة العصر، التي يروّج لها ويحضَّر لها، لكننا نؤمن كإيماننا بالنصر في لبنان أن فلسطين ستعود ويجب أن تعود، وستعود بإرادة أبنائها في الدرجة الأولى الذين لم يهنوا لم يحزنوا وبقوا على الخط نفسه ملتزمين رغم كل التحديات. نعم وعلى المقلب الذي أحبّ على الدوام، سورية، سورية البطلة بقيادتها وجيشها وشعبها والذي استطاع ان يكسر كل المؤمرات التي حيكت من الأبعدين ومن الأقربين. وها هي اليوم تعود وتستعيد قوتها وموقعها. وهي بالتأكيد سورية التي نعرفها، ستكون المحور الأساس في ضرب مشروع صفقة القرن الذي يُخطّط له لإسقاط قضية المنطقة، ليس فقط في فلسطين، بل على مستوى الأمة كل الأمة.

وقال: نحن اليوم مدعوون لإعادة ترتيب وتنظيم علاقاتنا كلبنانيين مع الشقيقة سورية على القواعد التي تؤمن مصالح البلدين، وعلى القواعد التي تؤكد وتسلّم بمركزية الدولة السورية وبوحدة أراضي سورية في مواجهة كل المشاريع التي تخطط لها. وعلينا أن نكون واعين كمسؤولين على الساحة اللبنانية، وكقيادات سياسية، أنه أصبح من الضروري والضروري جداً أن نتعاطى بواقعية وأن نتعاطى بعقلانية مع مسألة فتح الحوار الجدي بين الدولة اللبنانية والدولة السورية، ليس فقط من أجل حل قضية النازحين، وهي قضية مركزية، بل لأن طبيعة العلاقة بين البلدين تستوجب ذلك، وأن مصلحة لبنان بالدرجة الأولى ايضاً تستوجب ذلك، خاصة مع ما نرى من تحولات ميدانية اساسية على مستوى الجبهة الجنوبية في سورية، بما يؤمن للبنان منفذه البري الطبيعي على العالم، كل العالم.

أيها الأهل في هذه المناسبة، ولأننا كنا نعرف إيمان الأمين العزيز علي قانصو في القضية المحورية نقول: ليس مسموحاً بعد الآن أن نضيع المزيد من الوقت في سجالات لا تعكس حقيقة الواقع، ولا تعكس صورة المسؤولية في التعاطي مع تشكيل الحكومة، التي ندعو الى الإسراع فوراً في إطلاق حوار وورشة حقيقية بين المعنيين بهذا التشكيل للوصول الى حكومة وطنية جامعة ترتكز على النتائج السياسية للانتخابات النيابية وتستطيع أن تصيغ المشروع القادر على معالجة التحديات التي يواجهها وطننا، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والمالي. كثير من التحديات تقف أمامنا ولا يمكن أن نواجهها بعقلية المحاصصة وعقلية الزبائنية والعقلية التي تقف عند حدود مصالح الأفراد او الجماعات على حساب المصلحة الوطنية، لأن ما نشهده اليوم يدلّ من جديد على شدة عقم نظامنا السياسي الذي ما دام يرتكز على طائفية سياسية لا يمكن أن يتطوّر.

في وداعك أخي وزميلي وصديقي علي قانصو، وعدنا وأنت الذي لم تكن يوماً طائفياً أن نبقى نناضل مع حزبك في حركتنا، ومع كل الحلفاء من أجل نضال سياسي أكثر عدالة أساسه إلغاء الطائفية السياسية في هذا البلد.

باسم أخي دولة الرئيس نبيه بري وأخوتي جميعاً في حركة أمل أتقدم من الحزب السوري القومي الاجتماعي من قيادته وأفراد عائلة الفقيد العزيز بأحرّ التعازي طالباً من المولى عز وجل أن يتقبّله في واسع رحمته.

رعد

ثم كانت كلمة رئيس الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد باسم حزب الله جاء فيها:

منذ عرفتك وأخواني قبل سنوات ما التبست علينا شخصيتُك، ولا لَبُس علينا انتماؤك. كنت واضحاً، صادقاً، ملتزماً، جريئاً، دمثاً، معيارياً.

وكنتً مناضلاً رائعاً رائداً نهضوياً سورياً قومياً اجتماعياً مرناً في موقع التشاور والحوار حازماً في موقع السلطة والقرار..

في أسرتك وقور وحنون، ومع شعبك مسؤول غيور، ومع رفاقك صديق صدوق، مع مَن هم من دونك مربٍّ نصوح، ومع نظرائك ندّ محترم، ومع خصومك شريف صريح، ومع أعداء أمتك جسور لدود.

عرفتك مع أخواني في مواقع الاختلاف. وعرفناك في مواقع التحالف والائتلاف. فكنتَ أنت أنت الرجل الشهم والواقعي. لا تطيق اللف والدوران، ولا تنطلي عليك المجاملات ولا تضمر حقداً ولا كراهية. غاية ما يُخالطك نفثات عتب أو لوم، فيما غضبك هو من أجل الأمة والصالح العام.

أبو واجب، أم واجب، واجب، فادي، ميسلون، أسرة متماهية شكلاً ومضموناً مع الهوية والانتماء وفي العمق أصالة فطرية.

والنهضة السورية القومية الاجتماعية ليست ميراثاً ولا نصاً تاريخياً، بل هي في هذه الأسرة وعي ومسؤولية وحضور وفاعلية..

لا بل هي زوبعة تعصف قوة ونظاماً وواجباً وحرية..

والزوبعة لها نسورها.. وأبو واجب نسر الذي لم يأبه لارتفاع القمم ولم يكل عن التحليق، أمثاله لا يرحلون ولا يغادرون. هم أصحاب حضور يتوهّج عند كل مفترق جديد، لحزبه، قيادة ورفاقاً، لأهله، لأبناء بلدته ومنطقته، ولكل محبيه، نقول:

على رؤية وطنية وقومية واضحة محورها نصرة فلسطين واستنهاض الأمة تلاقينا معاً، وتشابكت سواعدنا وبذلنا دماءنا وأرواحنا ندفع المخاطر عن وطننا وأمتنا ونصون سيادتنا ونبني دولة تقوم على القانون وتديرها المؤسسات تنأى عن الطائفية البغيضة وتعتمد معيار الكفاءة والأهلية والنزاهة..

نجحنا معاً في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وحروبه العدوانية، وأسقطنا معاً غزوة الإرهاب التكفيري في لبنان وسورية. وكنا مع إخوتنا في حركة أمل وبقية الاعزاء في الأحزاب الوطنية اللبنانية نشكل مرتكز الصمود والمقاومة ورأس الجسر المتحرك والجاذب لمزيد من التفاهمات والتحالفات من أجل تطوير الحياة السياسية في البلاد واعتماد المواطنة كمحور لاهتمام الدولة ومؤسساتها دون تمييز بين أبناء الطوائف والمذاهب والمناطق.

وقال: أبو واجب كان معنا وزيراً مناضلاً، وكان قيادياً ورئيساً تلتقي حوله وفيه مبادرات وتطلّعات القوميين الاجتماعيين. وفي هذه المحطة الزمنية نواصل دربنا معاً مع ارتفاع لدينا في منسوب التصدّي للهموم الداخلية، آملين أن ترى الحكومة الجديدة النور وقد تمّ اعتماد معايير واحدة ومحدّدة، لتجد القوى السياسية بغالبيتها الواسعة تمثيلاً وحضوراً ومشاركة لها في حمل أعباء مسؤولية إدارة شؤون البلاد والعباد، ومعالجة ملفات قديمة ومستجدّة في الكهرباء والاتصالات والنفايات والمقالع والكسارات والركود الاقتصادي والعجز المتنامي، وملف النازحين وإصلاح الإدارة ومكافحة الفساد.. وغير ذلك من الملفات ولعل الوقت بات يسمح بقرع الباب لإعادة الحرارة الى علاقات لبنان رسمياً مع سورية وفق ما نصّت عليه وثيقة الوفاق الوطني.

المهام لا تزال عديدة والوقت أمضى سلاح بيد أهل الجد والمسؤولية، لكنه في المقابل هو أخطر سلاح بيد المتلاعبين بمستقبل الوطن ومصير أبنائه.

سنواصل يا أبا واجب مهامنا الوطنية يداً بيد مع إخواننا في حركة أمل ومع رفاقنا في حزبك الرائد الحزب السوري القومي الاجتماعي ومع كل شركائنا في النضال الوطني والقومي.

الناشف

وألقى رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي حنا الناشف كلمة جاء فيها:

«أبدأ بقول سعاده وهو الذي أحببت. وهو كما كتبته لرفقائك عشية انتقالك: «قد تسقط أجسادنا، إلا أن نفوسنا فرضت حقيقتها على هذا الوجود».

لقد خطفَك الموت سريعاً، وكنت في أوج عطائك، إلا أن نفسك فرضت إيمانها وعقيدتها وخطّها وأثرها على هذا الوجود. لقد رحلت جسداً، لكنك حجزت حضوراً راسخاً في ذاكرة وطنك.

لقد أُعطيت الأمانة فأثمرت على يديك مواقف عز، وعمقاً وصلابة وتفوقاً في الايمان، وشجاعة وإقداماً في التصدي لكل اعتداء على حقنا ووطننا وشعبنا.

وضعتَ سورية أيقونة في قلبك، وحرقت كل المراكب التي لا تؤدي إلى فلسطين، فكانت فلسطين دمعة في عينيك، ورصاصة في بندقيتك، وجسداً متفجّراً بوجه مغتصبيها، وكانت طريقك إليها واحدة، هي طريق المقاومة.

خمسون سنة أمضيتها في الميدان، وكنتَ بقامتك الشامخة فارساً كفرسان الأيام الغابرة يقاتل من أجل معتقده، وما ترجلت تعباً، ولا تأوهت متألماً، ولم تسقط متعثراً.

آمنت بسورية الواحدة الموحّدة، وبأن مصائبها هي نتيجة الجهل، والانحطاط الأخلاقي، ونتيجة القضايا الفاسدة التي يساق الشعب في تياراتها العمياء، فقاتلت قتالاً شرساً ضد مَن يتآمرون على تفتيت شعبك، وعلى تقسيمه فئات متنازعة، وهو واحد. وضد من يتغنون بتبعيتهم للخارج. وأعلنتها حرباً شعواء على مماليك هذا الزمان، مماليك السلطان الاميركي والعدو «الاسرائيلي»، ومماليك الإرهاب وزبانية الشر، الذين يتسترون بالأثواب المقدسة، وهم منها براء.

خمسون سنة، وأنت صامد كالطود، تقاوم ولا تساوم، تقاتل ولا تهادن، تحمل على كتفيك قضايا وطنك المحقة، فلا استكنت ولا تعبت، ولا يئست، ولا غيّرت، ولا بدلت.

شنّوا على بلادنا حرباً عالمية، وأرسلوا الى العراق وسورية ولبنان شذاذ الآفاق والمجرمين والقتلة، من بعض عالمنا العربي، ومن أميركا ومن الغرب المتأمرك. وعاثوا قتلاً وفساداً ودماراً، وحاولوا قلب سلم المثل والفضائل والقيم. فأصبحت الخيانة في عرفهم هي الوطنية، وأصبح التسكع تحت اقدام المحتلين هو الإقدام، وأصبح قتل النفوس هو الفضيلة، إلا أن أمتنا الحية، بعراقها وشامها ولبنانها وفلسطينها، برجالها ونسائها وأطفالها وجيوشها ومقاوميها داست على الغزاة، وحققت بعد كل التضحيات الانتصار تلو الانتصار، والغلبة تلو الغلبة.

زرعوا في أمتنا كياناً «اسرائيلياً» غاصباً، وأمدّوه بكل وسائل الدمار، ودعموا اغتصابه في كل المحافل الدولية. وهم يحاولون الآن المقايضة، من أرض فلسطين على ارض فلسطين، بما يطلق عليه «صفقة القرن» والغاية كما كنا نقول دائماً، هي الإجهاز على كل فلسطين، وابتلاع كل فلسطين. فالقدس على قداستها، ليست هي المسألة فقط، بل المسألة هي فلسطين. هي بقاء فلسطين ووجود فلسطين. ونعتقد أن كل مساومة أو مفاوضة على أية بقعة من فلسطين، هي مفاوضة على الاستسلام. كما نعتقد أن شعبنا في فلسطين بدأ يعي هذه الحقائق. ونحيي من هنا نضالاته وتضحياته وابتكاراته التي تعبر أجواء فلسطين وصموده، وتعامله مع النار بالنار. ونقول له بأنه عندما يصمت العالم عن تأييد الحق والعدالة فلا يكسر هذا الصمت إلا المقاومة، ولا يحسن البلاغ إلا دماء الشهداء. كما نحيي أولئك الاطفال الذي يتحدّون ويهددون جنود العدو بحناجرهم وقبضاتهم وحجارتهم بوجوه ملؤها الغضب والإصرار والإقدام، وهذا ما سيدخل بقوة الى وعي العدو، بأن شعباً ينشأ أطفاله على هذا الرفض وهذه المقاومة، وهذا التحدي، وهذا التمسّك بالحق، هو شعب لن ينسى، ولن يموت، وسيكون أداة الانتصار. وسيعلم الذي يعملون لصفقة القرن انهم يعملون لقضية خاسرة، ولن يقبضوا بأيديهم سوى على الرياح».

وتابع: «كنتَ رئيساً لحزبنا يوم حيكت المؤامرة على لبنان في 2005، وكنت رئيساً ايام الاعتداء «الاسرائيلي سنة 2006 على لبنان، وكنت رئيساً في الهجوم المفبرك وتركيب الملفات المزورة على حزبنا في 2007، وكنت رئيساً إبان مجزرة حلبا التي وغلت فيها الوحوش البشرية على دماء رفقائنا العزل، فكنت خير القائد الحكيم المناضل وكنت القائد الصلب الذي لا يهدأ. وشاهدت كيف حُطّمت تلك الدبابات «الاسرائيلية»، في الجنوب الصامد وكيف سحق جنود العدو فيه، وكيف يتأمن الانتصار عندما تتوفر الارادة ويتوفر الايمان، ويتوفر المقاومون الابطال المؤمنون بحقهم بالسيادة على ارضهم وبالدفاع عنها.

وكنت وزيراً في العديد من الوزارات في لبنان، فتماهيت مع مواقف حزبك، في الدفاع عن المقاومة، وفي العمل لوحدة الشعب في لبنان وللسلم الاهلي، وفي الوقوف بجرأة ضد محاولات الفتنة والتقسيم والتجزئة، وفي الوقوف الى جانب المطالب المحقة والمشروعة للعمال والمتعاقدين وأصحاب الدخل المحدود، وفي محاربة الفساد والمفسدين.

برحيلك يا رفيقي جسداً، نفتقد قامة من قامات النهضة والحزب ممن أغنوا مسيرة نضال الحزب في كل الميادين، حيث جسّدت نموذجاً راقياً في فهم السلطة ودورها في احتضان مواطنيها وتحصينهم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

نلتقي اليوم في ذكراك التي تتزامن مع ذكرى استشهاد سعاده المعلم والقدوة في 8 تموز، فكان ضحية الظلم والعمالة والإجرام والخيانة والجهل، وكأنك أبيت إلا أن تكون معه على موعد في شهر تموز الفداء والعطاء، نلتقي اليوم لنؤكد لك أن روحك حاضرة في كل ما ناضلت، في كل ما أعطيت، في كل ما عملت، في كل ما أنتجت، في كل ما كتبت، وفي كل مسيرتك الريادية في قيادة حزبنا في أصعب وأحلك الظروف، فكنت القائد الفذ والسياسي المحنك والمناضل العنيد والرئيس القدوة. حميت الحزب والنهضة والمسيرة من شر المتربصين وحقد الحاقدين، ورفعت مع رفقائك لواء انتصار القضية في وجه كل الأخطار سواء الداخلية او الخارجية.

غادرتنا في زمن نحن بأمسّ الحاجة الى امثالك في الحكمة والصبر والتعقل والحسم والإرادة والفعل لمواجهة كل ما يُخطَّط لأمتنا تحت عناوين مختلفة، تتعرّض فيها لحرب وجودية تستهدف بيئتها التاريخية وجغرافيتها وتركيبتها الاجتماعية باتجاه تفكيكها وتحقيق الانشطارات فيها على قواعد طائفية ومذهبية وعرقية خدمة للمشروع الصهيوني وتأميناً لكيانه الغاصب على أرض فلسطين، وتأميناً للمصالح الاستعمارية في أرضنا وثروتنا وخيراتنا. مؤكدين لك ان حزبك سيبقى حزب النهضة رغم كل الجراحات النازفة، وسيبقى حزب النضال في كل الميادين، حزب الشهداء، حزب المدافعين عن قضية الأمة، وسيبقى حركة تغييرية إصلاحية تدعو للمواطنة والدولة المدنية لتعميق مفهوم الهوية الوطنية، وحزب الوحدة على مستوى كيانات الأمة كلها، حزب بناء الانسان الجديد في قيمه، ومفاهيمه، في أخلاقه ومناقبه. «بهذا الإيمان نحن ما نحن وبهذا الايمان نحن ما سنكون».

باسم الحزب السوري القومي الاجتماعي أتقدم من الرفيقة صباح ومن أبنائه الدكتور واجب والدكتور فادي والدكتورة ميسلون بأحر التعازي وعزاؤنا بأنهم خير أبناء لخير أب.

وداعاً أيها الامين الرئيس، سنبقى شركاءك في النضال، لتحي سورية».

كلمة د. واجب قانصو

وفي الختام ألقى الدكتور واجب قانصو نجل الراحل كلمة باسم العائلة جاء فيها:

ما أروع هذه الحشود التي جاءتك لإلقاء تحية الدماء.

سلام عليك يا أبي، مقدار ما أحببتنا وما أحببناك.

آه يا أبي ما أقسى الكلمات حين تخرج من الروح لوداع الحبيب.

آه يا حبيبي! يا قطعة من القلب فارقتني. ما أقسى الرحيل وما أصعب لحظاته المريرة.

قهرك المرض إلا أنك بقيت شامخاً كنسور الزوبعة متمسكاً بإرادة الحياة إرادة الأبطال الذين يأبون الاستسلام في ساحة المعركة إلا وسلاحهم في يمينهم.

كيف لا وأنت بقيتَ حاملاً هموم قريتك وحزبك ووطنك وأمتك حتى اللحظات الأخيرة.

يا أبي يا نوراً أشعّ علينا درب الظلمات.

تركت تاريخاً طيباً يمشي وراءك وعلى اسمك سنمضي وبنهجك ومبادئك متمسّكون.

حملتك في صحو عيني حتى تهيّأ للناس أني أبي، حتى بنبرة صوتي أشيلك، فكيف ذهبت ولا زلتَ بي؟

ها روحُك تعانق شهيد الثامن من تموز ففتحنا لتموز أبوابنا.

يا أبي، لو عمر فوق عمري أبكيك وأرثيك، وأدعو لك في كل ساعة وفي كل لحظة، فلن أفيك بعضَ حقك.

كم أتمنى أن أعود إلى الوراء، كي أعانق روحَك التي لم تخبرني بموعد رحيلها إلى جنان الخلد يا حبيبي… يا عشقي الدائم.. يا معلمي.. يا ملهمي.. يا قائدي..

ولروحك السلام…

وختم: «نتوجّه بالشكر لكل من قدّم لنا التعزية والمواساة بوفاة والدنا، عبر حضورهم ومشاركتهم أو من خلال إرسال ممثلين عنهم، وكل مَن اتّصل وأبرق معزياً، فقد كانت لتعزيتكم أبلغ الأثر في نفوسنا.

ونخص بالذكر فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وسيادة رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار الأسد ورئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد الحريري وسماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، معالي الوزراء والسادة النواب، سعادة حاكم مصرف لبنان الأستاذ رياض سلامة الأحزاب الوطنية والإسلامية والقوى والفصائل الفلسطينية رجال الدين الأفاضل وأعضاء السلك الدبلوماسي والقيادات العسكرية والتربوية والاقتصادية والفاعليات الاقتصادية والنقابية والاجتماعية ورؤساء البلديات والمخاتير وكل الأصدقاء والمحبين والمواطنين والرفقاء».

ثم أقيم مجلس عزاء للمقرء حسن رمال، وبعدها توجه الحضور الى ضريح الراحل وأدت ثلة من القوميين التحية الحزبية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى