انعكاسات «الديمقراطي» على التهوّر الترامبي

سماهر الخطيب

في اليومين السابقين اتجهت الأنظار نحو انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، ووفقاً للنتائج فإنها تلخصت بعودة الديمقراطيين للسيطرة على مجلس النواب، واحتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في مجلس الشيوخ.

وإذا ما أردنا النظر في انعكاسات تلك الانتخابات التي تصدّرت وسائل الإعلام العربية والعالمية فيمكن أن نختزلها على الصعيدين الداخلي الأميركي والصعيد العالمي الدولي باعتبار أنّ لكلا المجلسين النواب والشيوخ تأثيرهما في صياغة السياسة الداخلية والخارجية التي هي ليست فقط امتداداً وانعكاساً لسياستها الداخلية إنما تأتي في الأولوية ضمن سلم الأولويات الأميركية لكونها تخدم سياستها الداخلية كما هو متعارف عليه في المنطق الأميركي «الليبرالي» تحديداً.

ومهما اختلف الجمهوريون الأكثر ميلاً نحو «القوة الدبلوماسية» من أولئك الديمقراطيين «البراغماتيين» في سياستهم «دبلوماسية القوة» فإنهما يبقيان ملتقيين في وحدة الحال، والرؤية الواضحة في استراتيجيتهم بتحقيق المصلحة الأميركية وفرض الهيمنة الأميركية على العالم لو اختلفت الوسائل والأدوات.

داخلياً، يسمح احتفاظ الجمهوريين بأغلبية مجلس الشيوخ وسيطرتهم على معظم مقاعده بحماية رئيسهم من ورقة «الإقالة» والتي لطالما لوّح بها «أعداؤه» وهذا الحصاد الأكبر لترامب لما بات حزبه يملك من قوة في هذا المجلس، في مواجهة الديمقراطي الذي بات يملك في مجلس النواب سلطة توجيه الاتهامات لعزل الرئيس وقضاة المحكمة العليا.

في حين أنّ قوانين «ترامب» الداخلية باتت على شفير الهاوية خاصة في ما يتعلق بالمهاجرين والجنسية والملفات الصحية لما تحمله تلك القوانين في طياتها من «عنصرية» والتي كانت البرنامج الانتخابي الناجح للديمقراطيين، فيما يسمح لهم بالاحتفاظ بـ»هامش» من الحرية في السياسة الخارجية.

وبالتالي لا يمكننا وصف النتائج بـ»المذهلة» على صعيد الحزب الجمهوري.

في حين لن يترأس الديمقراطيون مجلس النواب فقط، إنما سيترأسون جميع اللجان ما سيسمح لهم التحكم بجميع مبادرات الجمهوريين وربما بإيقافها أو بإلغائها أو حتى تعديلها وفق نهجهم «الديمقراطي». لكون هذه اللجان تتعامل مع معظم المجالات الأساسية للتشريع، بحيث يدخل القانون المقترح مرحلة حرجة بعد إحالته إلى إحدى هذه اللجان الأمر الذي يضع تشريعات ترامب «المتهورة» الآنفة الذكر على المحك.

وهذا النجاح لـ»الديمقراطي» سيحفزهم على مهاجمة «مستفزهم» في البيت الأبيض بشكل أكثر فاعلية، كما يمكنهم ليس فقط من إجراء تحقيقات جديدة ضده، بل ربما أكثر من ذلك حتى «جرّه» شخصياً إلى لجان التحقيق، ما سيؤدي إلى ارتفاع حدة التوتر الداخلي وانخفاض قدرة الإدارة الحالية على تنفيذ أجندتها.

خارجياً، كلا الجمهوريين والديمقراطيين، متلاقون في تطلعاتهم الخارجية إنما تختلف الأدوات التطبيقية وإذا كان هناك نوع من الإجماع بين الحزبين، فهو الإجماع في هيمنة الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي إجماع في معاداة ومناهضة كل من الصين وروسيا وإيران والسيطرة على المنطقة والتحكم بالدول باعتبارها من المفهوم الأميركي الواحد «مزرعة أميركية».

بالنسبة للصين ستبقى تلك الحرب التجارية المعلنة إنما ستخف وطأتها باعتبار الديمقراطيين يميلون أكثر نحو الدبلوماسية والاحتواء من الخلف.

أما روسيا، فلن يجدّ في السياسة تجاهها شيء سوى زيادة التشديد باتهامات «التدخل» في الشؤون الأميركية ما يجعلها «قيمة مضافة» إلى سوء السياسة الخارجية الأميركية تجاه روسيا، وبالتالي زيادة منسوب العقوبات إنما يوازيها الحفاظ على ما تبقى من معاهدات «نووية» لوّح ترامب بالانسحاب منها وبالتالي الإقرار ضمناً بقدرة روسيا العسكرية وعدم التحول إلى «سباق تسلح».

فيما تبقى إيران، المفصل الرئيسي في السياسة الأميركية والملف الأكثر توتراً بين الملفات لكون النزاع الديمقراطي المؤيد للبقاء على الملف النووي الإيراني، لا بل جاء تتويجاً لولاية باراك أوباما، فيما انسحب منه الجمهوري مصراً على تعديله، فيبدو مرجّحاً جداً ليس فقط تخفيف وطأة العقوبات ضد طهران، إنما إعادة التوقيع على الملف دون تعديلات ترامب التي أراد إضافتها..

وبالنسبة لسورية يحتفظ الديمقراطيون بالقوة للضغط على ترامب لسحب القوات الأميركية من شرق الفرات إنما عبر ضمان مصلحة أميركا في المنطقة وبالتالي سيتطلب الأمر تنازلات روسية وضمانات ترضى بها المصلحة الأميركية.

فيما بدأت فعلاً النتائج تنعكس على اليمن وبدأت الدعوات الأميركية لطاولة الحوار..

وما بين الديمقراطيين والجمهوريين إجماع لتحقيق الصالح القومي الأميركي كل على طريقته، إنما سيكون للبراغماتية الديمقراطية تأثير على الإدارة الحالية..

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى