الأحد , 20 أكتوبر 2019

Latest News
العدد:3046 تاريخ:19/10/2019
Home » Article » ذكريات قاهرية

ذكريات قاهرية

سبتمبر 21, 2019 بواسطة: المحامي الرفيق حمدي رعد آراء ودراسات تكبير الخط + | تصغير الخط -

المحامي الرفيق حمدي رعد

هذه المقالة بعنوان ذكريات قاهرية بقلم الرفيق المحامي حمدي رعد، على انه ناموس مديرية القاهرة المستقلة، وجدتُها بين أوراقي وقد وردت في إحدى النشرات الإذاعية الصادرة عام 1948، انشُرُها كوثيقة للتاريخ، آملاً من أي رفيق يملك معلومات جديدة عن فترة مرور سعاده إلى القاهرة في طريقه نحو بيروت عائداً من مغتربهِ القسري أن يكتُب إلينا، كذلك لمن عرف المحامي الرفيق حمدي رعد.

من جهتي عرفت الرفيقين احمد رعد وشقيقه الرفيق يوسف، كان الرفيق احمد استقرّ في العاصمة «برازيليا» متولياً مسؤولية ناموس المديرية، وناشطاً الى جانب الامين عبدالله كوزاك والرفقاء خليل مسوح، عيسى بندقي، وليد سلامة، عيسى مسوح وغيرهم. وكان موظفاً في السفارة العراقية التي تولاها لفترة السفير جهاد كرم 1 . اما الرفيق يوسف فكان حدّثني عنه الرفقاء في سان باولو التي كان اقام فيها ناشطاً حزبياً ومتولياً مسؤوليات.

ل.ن

« كان ذلك مساء الاربعاء 19 فبراير 1947 وشمس الغروب أخذت تختفي رويداً رويداً وراء قمّة الهرم البعيد.

وكانت الحُمّى تلهب أوصالي المرتجفة بسوطها اللاذع. وأنا مسجى على سرير وثير، يمسح العرق المُتصبب من جبيني خادم أمين. عندما فتح باب المنزل زميلي في الدراسة والسكن رشيد عبدالحميد كرامي 2 وبثغر باسم تراقصت على جنباته كل معاني المفاجآت السعيدة.. قال:

ابشر يا حمدي… لقد وصل الزعيم… زعيمك سعاده… رأيتهُ مع أسد الأشقر في فندق الكونتننتال الآن… لقد وصل البارحة 18 فبراير…

ومادت بي الدنيا… وتراقصت مني العيون…

… الزعيم… الكونتننتال 18 فبراير… أسد الأشقر… وصل… كلمات حبيبة… كلمات عنيفة… كلمات ساحرة… كانت ترن في أذني رنين المطرقة… مطرقة قوية.. صارمة… ولكنها بعيدة… غائمة… كأنها من عالم الاحلام… أو من عالم الأحلام… أو من عالم العرائس… وانتفضت من السرير انتفاضة الشرر من النار… مُتناسياً الحُمّى… والسرير… والدواء… والوهن… وهززت رشيداً بكلتا يدي: ماذا تقول؟.. الزعيم… هنا… في القاهرة؟.. معي في نفس المدينة؟.. وأنا راقد على السرير!؟.

فتبسّم رشيد وقال: نعم ياحمدي.. هو هنا قسماً بوالدي.

… عندها لم أعد أتمالك قواي الخائرة… فتهالكتُ على السرير أُبلل غطاءهِ بدموعي… دموع المفاجأة… دموع الفرح… دموع النشوة دموع السعادة… بلقيا سعاده…

لم يكن مُخطئاً. إذن. ذلك الشاب السوري الذي قابلني.. لثلاثة أيام خلت.. وأنا خارج من مدرج السنة الرابعة بكلية الحقوق بجامعة فؤآد.. والذي القى عليَّ التحية السورية القومية عندما رأى الزوبعة الحمراء تتوهج على طرف سترتي.. والذي قدم إلي نفسهُ باسم عصام المحايري، مُنفذ عام منفذية دمشق، وعضو بعثة كلية الحقوق السورية في زيارتها لجامعة فؤاد الأول..

.. لم يك مُخطئاً اذن. عندما همسَ في أُذني يومها.. أي ظُهر السبت 16/1947 في باحة كلية الحقوق بجامعة فؤآد: علمت من مصدر خاص أن الزعيم سيصل القاهرة مساء الاثنين 17 فبراير بالطائرة.

لم يك مُخطئاً اذن.. وأنا الذي ظننتهُ كذلك عندما قصدتُ تواً عيادة الدكتور فردريك معلوف مدير مديرية القاهرة المُستقلة لاستفسر منه عن الحقيقة فنفى تلقيه أية معلومات من الادارة المركزية في بيروت أو من أية جهة أُخرى.. فيما يختص بمجيئ حضرة الزعيم وموعد وصوله.

.. ولكنني معذور.. معذور.. كغيري من السوريين القوميين الاجتماعيين الذين انخدعوا بالإدارة المركزية «الثابتية الصائغية».. نعمة ثابت فايز الصايغ . خُدعوا باجتهادها في التنظيم.. خُدعوا بإخلاصها في العمل. خُدعوا بكل شيئ فيها… بينما هي في الواقع.. إدارة لئيمة. إدارة خائنة. بذلت جهدها للحيلولة بين القوميين الاجتماعيين ومبادئهم. وزعيمهم.. فتعمدت ألا يعلم القوميون الاجتماعيون في القاهرة موعد وصول زعيمهم وتعمدت ألا تُتيح للمعلم الأول بعد طول غياب أن ينشق النفحة الأولى من شذا براعم نهضته المُباركة قبل وصوله إلى الوطن.

إنما الإدارة المركزية «الثابتية الصائغية» هي الكاذبة. هي المقصرة. هي المسئولة.

.. لم يك مخطئاً اذن. فها الزعيم هنا. هنا معي في القاهرة ينشق نفس الهواء الذي انشق ويطأ نفس الثرى الذي اطأ.

الزعيم هنا في القاهرة. على مقربة من أبنائه وجنوده وتلامذته واتباعه. هو هنا. وسطهم وهم لا يدرون!!

ونهضت على هذا التلاطم الفكري العنيف والصراع النفسي الجبار مُتناسياً كُل حمى ووهن. وانطلقت كالزوبعة إلى الكونتننتال إلى غرفة أسد.. الامين اسد الاشقر

ودخلتها دون استئذان. واللهفة تكاد تنفجر من عيني. والشوق يكاد يتطاير من وجهي وتلفت نحو أسد وهو مضطجع على السرير..

فابتسم ابتسامة عريضة.. واعية للعوامل النفسية التي تتقاذفني.. وقال قبل أن افوه بكلمة واحدة.. نعم يا حمدي.. زعيمنا هنا.. بلحمه ودمه..

ولكن الباب لم يدعه يتم كلامه.

فقد انفتح على أعظم مفاجأة صادفتني في حياتي.. أو قد تصادفني إلى الأبد: انه هو. هو. هو.

.. حتى لساني لم يعد يطاوعني على النطق باسمه. وحتى عقلي لم يعد يطاوعني على تصور شخصه..

انه هو… الزعيم… المنقذ… الرسول…

انه هو أملنا… هو.. أُمنيتنا.. ونورنا… هو.. هدينا… هو.. سعادتنا… هو.. خلاصنا… هو.. خلودنا…

… وارتفعت يداي… عفوياً… ونطق فمي… عفوياً… وأنا في غيبوبة اللاوعي الفكري والنفسي… ليحي سعاده… ليحي الزعيم… وابتسم لي!… وترغرغت عيناي!.

… وكانت أُمسية رائعة… عظيمة… لن انساها إلى الأبد..

وتبعتها اُمسيات… وتلتها أيام.. وأنا وسائر قوميي القاهرة… في عالم أثيري لا نهائي من النشوة الحالمة… والسعاده الجارفة…

.. انى ذهبت.. وانى تلفت. لا أرى إلا سعاده.. اراه على جدران الكلية.. على قبة الجامعة.. على صفحة النيل الرزين.. على قمة الاهرام المتعالية.. اراه.. سعاده.. زعيمي.. في كل مكان.. ولا أرى غيره ولا أشعر بغيره.. فقد ملأ عقلي وتفكيري.. ملأ عالمي ودنياي.. بعد أن كان الفراغ موئلي.. واليأس مرتعي..

.. هناك.. في شوارع القاهرة الصاخبة.. وفي زوايا «شبرد» الهادئة.. وفي منعطفات حديقته الداخلية الساحرة.. هناك.. عرفت حقيقتي وعرفت حقيقة أُمتي وآمنت بحقيقتي.. وآمنت بحقيقة أُمتي.. عندما عرفت سعاده.. حقيقة الزعامة.. حقيقة العظمة.. حقيقة التضحية. حقيقة الاخلاص.. حقيقة العمل..

هُناك.. عرفت كل هذا.. عندما كنت أسير بجانب المعلم.. ونحن وحدنا.. ساعات طوالاً وكم وجدتها قصاراً.. وسط ظلال النخيل والمنتزه الوارفة.. والمنتثرة في حديقة «شبرد».. وتحت أشعة شمس الغروب الوسنانة.. والطبيعة بكل عناصرها.. ساكنة.. هادئة.. مُتهيبة.. خاشعة.

هناك.. عرفت كل هذا… عندما كنت انصت للمعلم وهو يتمشى بتؤده وقوة فوق رمال الحديقة الناعمة… شاخصاً ببصره النافذ إلى آفاق بعيدة تقصر عقولنا عن استشفافها… ومنطلقاً بفكره إلى عوالم عظيمة يقصر خيالنا عن تصورها…

هناك عرفت سعادة… ابن مارس… زعيمنا… وقائداً… ومعلماً… عندما كان يتفجر الكلام من فمه وقلبه… تخطيطات لمستقبل اُمته… وتنظيمات لعمل جنوده… وتوجيهات فلسفية عقائدية عبقرية… لتلك الأمة وهؤلاء الجنود.. لتحقيق اهدافهم ومثلهم.. ومن اعتلاء القمة الشامخة التي يريدها لهم بين ركب المدفعة الحديثة… هانك عرفت سعاده الرجل.. الرجل الحق.. الذي تألم وشقي وتشرد في سبيل أُمته.. والذي يتحرق لوعة في سبيل العودة إلى أُمته ليذوب ويفنى في تلك الأمة التي ما خلق وما وجد إلا ليذوب ويفنى فيها.

هناك عرفت سعاده الديمقراطي..

الديمقراطي الحق.

هناك عرفت سعاده التعاوني…

التعاوني الحق الذي ما كان يمتنع قط من أن يمد يده لكل يد يعتقد فيها اخلاصاً لامته!…

هناك عرفت سعاده الحليم.. الحليم الحق… الذي ما كان يأنف قط من الاجتماع الى كل العناصر… فيحادثها ويشرح لها مبادئه بمثابرة ولطف.

رغم كل ما كان يبدو من بعضها أحيانا من تعمد سخيف في الاحراج والجدل السفسطائي.

… نعم… هناك.. في شوارع القاهرة… وبين جنبات فندقي شبرد والكونتننتال… عرفت حق المعرفة وعن قرب… سعاده الزعيم… سعاده القائد… سعاده المعلم… سعاده الرجل… سعاده الديمقراطي… سعاده التعاوني… سعاده الحليم.. سعاده الهادي.

… حقاً كنت قد عرفته قبل ذلك لعشر سنين خلت، في دار الأمينة نجلا معتوق 3 بطرابلس… وأنا طالب ثانوي حديث العهد بالقومية السورية الاجتماعية وبزعيمها.

ولكن أين معرفة الأمس من معرفة اليوم… أينَ معرفة الفتى من معرفة الرجل… أين معرفة طالب الثانوي من خريج الجامعة؟.. أين معرفة الشاهد العابر من معرفة المرافق المراقب الدارس عن كثب وتعمق؟..

سعاده… يا ابن مارس… يا زعيمي…

لقد عرفتك لعشرة سنين خلت في الوطن… فآمنت بك

ولقد عرفتك ثانية لسنة خلت في القاهرة… فازداد إيماني.

ولقد عرفتك بعد ذلك في الوطن. مُلقياً خطابك التاريخي… ومناضلاً في أعالي الجبال… ومطهّراً حزبك من خونة الرجال ودخيل العقائد… فعرفت أن معرفتنا بك لم تكن مطلقاً كاملة شاملة. ولن تكون كما اعتقد كاملة شاملة وعرفت أن ايماننا بك لم يكن أبداً كاملا شاملا. ولن يكون، كما اعتقد، أبداً، مطلقاً شاملا. غير قابل المزيد.

… إنَّ كل يوم يمر… يرينا من بطولتك جديداً.

… وإنَّ كل حادث يحدث.. يرينا من عبقريتك مزيداً.

… إنَّ ينبوع تفهمنا لشخصيتك قد ينضب… ولكن ينبوع هذه الشخصية الفذّة التي حبا ها الله لانقاذ أُمتنا لا يُمكنُ أن ينضب.

.. إنَّكَ فيضٌ أبديٌ واشعاعٌ خالدٌ إنّكَ فيضٌ أبديٌ من نارِ البطولة والتضحية والاخلاص.

وإنّكَ إشعاعٌ خالدٌ من نورِ الحقِ والخيرِ والجمال.

وما كل ما يتحلى به اتباعك كزعيم وجنودك كقائد وتلامذتك كمعلم…

من بطولة وتضحية واخلاص… ومن حق وخير وجمال.. إلا قليلاً من فيضك الأبدي وإلا بسيراً من إشعاعك الخالد..

… فيا امتاه… ويا سورياتاه… افتحي قلبك.. افتحي لابنك البار.. لابن مارس.. سعاده. ليصهر بناره آلامك وليضئ بنوره آمالك.

افتحي ولا تترددي فأي نار الفحُ من نار سعاده؟. وأي نور اسطع من نور سعاده؟

افتحي ذراعيكِ لابنك البار سعاده لابن مارس فهو يناديكِ…

امتاه… سورياتاه ها أنذا.. ابنك ها أنذا أتيتك منقذاً وهادياً.

ها أنذا أتيتك بالنظام والواجب والقوة.

ها أنذا أتيتك بالحرية والكرامة والمجد.

ها أنذا أتيتك بالحق والخير والجمال ها أنذا أتيتك بما لم يأتك به غيري أتيتك بالخلود…

… فافتحي لي ذراعيك يا امتاه.. يا سوريتاه! افتحي… فأنا ابن مارس… ابنك حبيبك… سعاده…

القاهرة في 9 فبراير 1948

هوامش:

1 – جهاد كرم: من بلدة «حامات». والده جورج كان محامياً ومن بين الذين تولوا الدفاع عن الامين د. عبدالله سعاده في المحكمة العسكرية اثر الثورة الانقلابية. كان السفير جهاد عضواً في حزب البعث العربي الاشتراكي، وموقع احترام ابناء الجالية في البرازيل، مقيماً علاقات جيدة مع الرفقاء في برازيليا. واذكر اني زرته في منزله مع الامين عبدالله كوزاك والرفيق عيسى بندقي.

2 – رشيد عبد الحميد كرامي: شقيق الوزير الراحل عمر، كان خاله الرفيق د. سميح علم الدين اول منفذ عام للحزب في مدينة طرابلس

3 – نجلا معتوق: للاطلاع على النبذة المعممة عنها الدخول الى قسم «من تاريخنا» على موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية www.ssnp.info

ذكريات قاهرية Reviewed by on . المحامي الرفيق حمدي رعد هذه المقالة بعنوان ذكريات قاهرية بقلم الرفيق المحامي حمدي رعد، على انه ناموس مديرية القاهرة المستقلة، وجدتُها بين أوراقي وقد وردت في إحد المحامي الرفيق حمدي رعد هذه المقالة بعنوان ذكريات قاهرية بقلم الرفيق المحامي حمدي رعد، على انه ناموس مديرية القاهرة المستقلة، وجدتُها بين أوراقي وقد وردت في إحد Rating:
scroll to top