الخميس , 15/11/2018

العدد:1808 تاريخ:15/11/2018
Home » Article » المعونة الأميركية لكردستان العراق… وتقويض سنوات من تقدّم القوة المهنيّة

المعونة الأميركية لكردستان العراق... وتقويض سنوات من تقدّم القوة المهنيّة

يونيو 17, 2015 تكبير الخط + | تصغير الخط -

إعداد وترجمة: ليلى زيدان عبد الخالق

يسأل كثيرون عن وضع كردستان العراق إزاء ما يجري في العراق وسورية والشرق الأوسط عموماً. وعن نظرتهم إلى ما يقوم به التنظيم الإرهابي «داعش» من احتلال الأراضي وقتل الناس وارتكاب المجازر، وتدمير الآثار، وسرقة النفط. كما يتساءل كثيرون عما آلت إليه السياسة الأميركية إزاء أكراد العراق، خصوصاً أنّ العلاقة بين أربيل وواشنطن تشهد منذ فترة مدّاً وجزراً. إذ لا ينفكّ أكراد العراق يطالبون بالاستقلال التام، فيما تبذل واشنطن جهودها لكبح هذا الجماح الكرديّ، واهبة الأولوية إلى القتال ضدّ «داعش».

قدّمت واشنطن الكثير لكردستان، من دعم معنويّ إلى دعم عسكريّ، لكن هذه المعونات قد تصبح سلبية إذا لم تحسن كردستان العراق توظيفها.

بين أيدينا اليوم جملة من التقارير، الأول كتبته ماريا فانتابي لمجلة «فورين آفيرز» الأميركية، وتتحدّث فيه عن المعونات الأميركية للبشمركة ـ القوات العسكرية الكردية ـ وكيف أن الجهود المبذولة لإصلاح قوات البشمركة وتحويلها إلى قوة دفاعية مهنية ومحترفة، تجري منذ فترات طويلة، أي منذ بدأ «داعش» السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي على طول الحدود العراقية الكردية عام 2014. وكيف أنّ التحالف الدولي ضيّق تركيزه على المخاطر طويلة الأمد للاستقلال الكرديّ، متجاهلاً حدّة الانقسامات الكردية التي تغذّي الصراعات داخل الحدود العراقية. إذ يمهّد الحكم الكردي المنقسم، الطريق أمام بروز شخصيات إقطاعية، تحتمي داخل ميليشياتها الخاصة وتتنافس في ما بينها، ومع الفصائل العراقية الأخرى على الأرض والموارد. ينبغي للحكومة الكردستانية ـ في هذا الوقت ـ الاستثمار في طاقات الضباط الشبان من البشمركة والنأي بهم بعيداً من المؤامرات الحزبية. لتخلص الكاتبة إلى أنّ أجهزة الأمن المنقسمة المتشظية، والمتنافسة بحدّة بين قيادييها، ستجعل من كردستان العراق تهديداً أخطر بكثير مما كان عليه «داعش» يوماً.

أما التقرير الثاني، والذي تُرجم وتناقلته مواقع إلكترونية وصحافية عدّة منذ أيام، فيتحدّث عن مستقبل كردستان العراق ودورها في المنطقة. إذ تسعى كردستان العراق جاهدة لتصبح «إسبرطة الصغيرة» في الشرق الأوسط. فلطالما كانت البشمركة محطّ استحسان وثقة لدى الجيش الأميركي. وها هي تظهر كمنصّة لا مثيل لها تنطلق منها العمليات التي يشنّها الغرب ضد تنظيم «داعش»، إذ توفّر لهذه العمليات قواعد آمنة مع سهولة النفاذ إلى الموصل وشرق سورية وأكثر من ألف كيلومتر من الجبهة الأمامية لتنظيم «داعش» داخل العراق.

التقرير الثالث والأخير، فمترجم عن صحيفة «إندبندنت» البريطانية، ويتحدّث عن حقيقة دعم واشنطن لكردستان العراق، والأسباب الكامنة وراء هذا الدعم.

تقهقر البشمركة!

كتبت ماريا فانتابي في «فورين آفيرز»:

يؤمن الغرب أن القوات الكردية في العراق والمعروفة بِاسم البشمركة، والتي ينفق عليها ملايين الدولارات من الأسلحة والتدريبات، يمكنها أن تحقق الحدّ الأقصى من طموحاتها وآمالها على الأراضي العراقية. لكن، وبسبب الطريقة التي تنتقل بها الأسلحة إلى الأكراد، والمساعدة في تقويض الحملة التي تقودها الولايات المتحدة والتي عملت طوال عقدٍ من الزمن على تدريب عناصر البشمركة وتحويلهم إلى قوة محترفة. سيصبح الأكراد شركاء أقلّ فعالية وأقلّ أهمية، في نهاية المطاف.

إن المساعدة العسكرية المقدّمة غير منسّقة، وغير متوازنة، ولا مشروطة أو حتى قابلة للسيطرة عليها. وذلك بسبب نقص الرقابة على توزيع الأسلحة التي تصل من دون شروط ولا قيود، ويمكن للمسؤولين توجيهها لقوات البشمركة الموالية لهم. كلّ هذا يبعد البشمركة عن الانهماك في المهمة الحقيقية التي عليهم توليها: التقييم والتحضير لمواجهة التهديدات الإرهابية. ولحلّ هذه المشكلة، لا بدّ للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من أن يولي هذه المساعدة إلى قيادة واحدة، ذات سيطرة مدنية وبعيدة من التجاذبات السياسية.

إن الجهود المبذولة لإصلاح قوات البشمركة وتحويلها إلى قوة دفاعية مهنية ومحترفة، تجري منذ فترات طويلة، أي منذ بدأ «داعش» السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي على طول الحدود العراقية الكردية عام 2014.

وخلال التسعينات، وبعدما انتزع الأكراد الحكم الذاتي الفعلي من بغداد، وبعد عدة سنوات من الصراع الداخلي، أنشأ الحزبان الكرديان القويان، «الاتحاد الوطني الكردستاني PUK»، و«الحزب الديمقراطي الكردستاني KDP» أكاديميات عسكرية متنافسة في معاقلهما الإقليمية: قلعة شوالان وزاخو.

التحق أعضاء الحزبين الكرديين بالقوات العسكرية العراقية السابقة، التي انشقت عن الجيش العراقي خلال حكم صدام حسين. وساعدوا مقاتلي البشمركة في الانتظام في كتائب عسكرية وقيادة كبار الموظفين في الرتب العسكرية.

ركّزت هذه القوات على الدفاع عن أراضيها من عمليات توغل الجيش العراقي، الذي عزّز الحكم الذاتي في كردستان والاستقلال عن بغداد وتكريس العدائية ضدّها.

وبعد الإطاحة بنظام صدام عام 2003، بدأت قوات البشمركة بتأسيس جيشها الحقيقي. وما لبثت أن تحوّلت قلعة شاولان وزاخو إلى أكاديميات عراقية جديدة تخرّج أجيالاً كاملة من الضباط الأكراد المدرّبين عسكرياً، فضلاً عن العمل على دمجهم مع الجيش العراقي الجديد. بدأت قيادات البشمركة تشمل جميع نشطاء الحزب وكذلك الضباط الصغار، الذين دخلوا الأكاديميات من خلال اتصالاتهم الحزبية، وليس بالضرورة أن يكونوا أعضاء في الحزب. وكانت النتيجة خلق جيل كامل من الضباط الأكراد الموالين لحكومة إقليم كردستان « KRG»، لا إلى أيّ من الأحزاب المتنافسة. وقد عزّز هذا الاتجاه الانتقادات المتزايدة من كلا الطرفين للأحزاب الكردية الأقلّ شأناً في مؤسسات حكومة إقليم كردستان.

لكن إصلاح العلاقات المدنية العسكرية أصعب بكثير. ويُتوقع من الضباط ـ بغضّ النظر عما إذا كانوا من أعضاء الحزب ـ أن يتلقوا الأوامر من قادة الأحزاب الذين يدينون لهم بحيواتهم المهنية. ففي عام 2009، وافق «PUK» و«KDP» على إنشاء وزارة شؤون البشمركة لتركيز المهام الإدراية وإدارتها، وكذلك إنشاء لواء مشترك يضمّ «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني» بقيادة خرّيجي الأكاديمية، وزيادة التعاون بين وكالات الاستخبارات الخاصة بهم.

ومع ذلك، وعلى رغم إنشاء هذه المؤسسة الجديدة، واصلت السياسة الحزبية الإملاء في توظيف الضباط والترقيات ونشر القوات والتعامل مع المعلومات الحساسة.

يتغاضى صنّاع السياسة الأميركيون عن كلّ ما يدور، معتبرين أن انقسام الأكراد في ما بينهم يحول دون إمكانية مطالبتهم بتأسيس دولة كردية مستقلة خاصة بهم وتمنع هذه الانقسامات، في الواقع، الأحزاب الكردية من المشاركة الفعالة في الدولة العراقية.

كشفت الهجمات «الداعشية» المفاجئة في حزيران الماضي عن هذه المشكلات المتجذرة عميقاً والتي خلقت أخرى جديدة. أوصلت مجموعة من الضباط الأصغر سناً إلى مراكز قيادية في الجبهات الأمامية، كما أنها همّشت بعض خرّيجي الأكاديميات ممن لا يتمتعون بصلات حزبية مماثلة. وفي الوقت عينه، ومع كبار القادة من كلا الحزبين، تصارع الفريقان على الخلافة الداخلية. والتمس المتنافسون الدعم من الجهات الخارجية، وتحديداً من تركيا وإيران، لمساعدتهم في حماية أراضيهم ومواردهم الآمنة في المناطق المتنازع عليها مع الحكومة المركزية وتسليح القوات الخاصة التي تعمل تحت مظلة قوات البشمركة.

فعلى سبيل المثال، نشر قادة بارزون في «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني» ممّن يسيطرون على أراضي مدينة كركوك الغنية بالنفط شبكاتهم من القادة المؤتمرين بأمرتهم ـ كلّ يتعقب بنود أجندته الخاصة.

ومن الواضح، أن الغرب قد فشل في النظر إلى تطور البشمركة والأكراد السياسي بشكل عام. فقد اشترط موافقة بغداد لتسليم شحنات الأسلحة إلى حكومة إقليم كردستان، وهي سياسة تهدف إلى الحفاظ على سيادة العاصمة العراقية وعدم التشجيع على الاستقلال الكردي. لكن هذه السياسة قد عفا عليها الزمن.

يتصاعد نجم «حزب الاتحاد الوطني الكردستاني» اليوم في بغداد، ويؤدي نقل الأسلحة إلى الحكومة العراقية إلى زيادة نفور هذا الحزب من الحكومة المركزية. وفي المقابل، فإن مسؤولي هذا الحزب يدعون إلى التصعيد بشكل استفزازي من أجل الحصول على الاستقلال والتماس التسليح المباشر لقطع الإمدادات عن بغداد، التي يرون أنها تخضع لسيطرة إيران.

تزداد الأمور تعقيداً بعد موافقة بغداد على قبول المساعدات الغربية. فبعد حصول الائتلاف على موافقة بغداد، تنتقل المساعدات العسكرية عبر وزارة البشمركة في حكومة إقليم كردستان «KRG»، من دون تكبّد الكثير من العناء إلى المكان الذي تصل اليه هذه الأسلحة. وليس مستغرباً أن يستخدم قادة الحزب الأسلحة لبناء سلاح حرسهم الخاص، أو لتمكين الضباط الكفوئين من القيادة على حساب أولئك الأقلّ مهنية واحترافاً.

كلّ هذا الذي ذكرناه، يقوّض كفاح الغرب ضدّ «داعش»، فالهدف في حكومة إقليم كردستان « KRG» هو الحفاظ على الأمن النسبي في المنطقة الخاصة به. وكلما ازداد انقسام الوكالات الاستخباراتية، كلّما وصلت المعلومات بشكل أبطأ إلى خطوط المواجهة. وكسر سلسلة المعلومات هذه سيقود إلى أخطاء كثيرة ويسبّب بنكسات عدّة، تماماً كما حدث في آب الماضي، عندما اجتاح «داعش» خط المواجهة مع «الحزب الديمقراطي الكردستاني» واقترب من أربيل عاصمة كردستان العراقية، وهناك، سارع قياديو الحزب إلى إلقاء اللوم إما على العناصر الحزبيين الأقلّ كفاءة، أو لعدم وجود ترسانة كافية، غير أن السبب الداخلي الحقيقي لهؤلاء كان يتمثل في الخصومات الداخلية.

وخلال آب الماضي، فشل الحزبان الكرديان الرئيسان «PUK» و« KDP» بتبادل المعلومات الاستخباراتية حول هجمات وشيكة لـ«داعش» على سنجار ومناطق نينوى الشرقية، ما سمح بإلقاء القبض على بعض عناصر البشمركة غير المستعدين في «الحزب الديمقراطي الكردستاني» ما يمهّد الطريق أمام المتشدّدين الجهاديين في المضيّ قدماً نحو أربيل.

ولهذا، على الغرب أن يربط بين المساعدات العسكرية لإصلاح العلاقة بين المدنيين والعسكريين. يجب أن تُسلّم الأسلحة حصراً إلى ألوية الحزبين الكردستانيين، واللذين أُسسا عام 2009 ـ وبطريقة أو بأخرى بُنيا على جهود قادة الحزب السابقين لتنحية خلافاتهم جانباً ودمج قواتهم. ولغاية تاريخه، فإن موافقة بغداد على إيصال شحنات الأسلحة يهدف إلى الحفاظ على رأس المال وتحقيق السيادة الإسمية من دون منع القوات الكردية من القيام بعمليات أحادية الجانب في المناطق المتنازع عليها.

إن سياسة «عراق واحد»، يجب أن تبدأ بتنسيق استراتيجي حقيقي ومشترك بين «KDP» و«PUK» في بغداد، وتنسيق الحكومة العسكرية المركزية مع القوات الكردية وتشجيع إقامة نظام سياسي مستدام في البلاد.

ضيّق التحالف تركيزه على المخاطر طويلة الأمد للاستقلال الكرديّ، متجاهلاً حدّة الانقسامات الكردية التي تغذّي الصراعات داخل الحدود العراقية. وسيمهّد الحكم الكردي المنقسم، الطريق أمام بروز شخصيات إقطاعية، تحتمي داخل ميليشياتها الخاصة وتتنافس في ما بينها، ومع الفصائل العراقية الأخرى على الأرض والموارد. ينبغي للحكومة الكردستانية ـ في هذا الوقت ـ الاستثمار في طاقات الضباط الشبان من البشمركة والنأي بهم بعيداً من المؤامرات الحزبية.

مما لا شك فيه أن أجهزة الأمن المنقسمة المتشظية، والمتنافسة بحدّة بين قيادييها ستجعل من كردستان العراق تهديداً أخطر بكثير مما كان عليه «داعش» يوماً.

«إسبرطة الصغيرة»

عندما يريد مسؤولو الدفاع الأميركيون الثناء على شريك عسكري ناشئ، غالباً ما يستعملون عبارة «إسبرطة الصغيرة» أو سبارتا باليونانية ، تيمّناً بدولة المدينة الإغريقية القديمة التي كانت محط احترام ووقار بفضل جيشها قليل العدد، إنما عالي القدرة. ولكن هذه العبارة صارت تستخدم في الآونة الأخيرة للإشارة إلى الإمارات العربية المتحدة.

واليوم، تسعى كردستان العراق جاهدة لتصبح «إسبرطة الصغيرة» التالية. فلطالما كانت القوات القتالية الكردستانية المعروفة بالبشمركة محطّ استحسان وثقة لدى الجيش الأميركي. وها هي كردستان العراق تظهر كمنصة لا مثيل لها تنطلق منها العمليات التي يشنها الغرب ضد تنظيم «داعش»، إذ توفّر لهذه العمليات قواعد آمنة مع سهولة النفاذ إلى الموصل وشرق سورية وأكثر من ألف كيلومتر من الجبهة الأمامية لتنظيم «داعش» داخل العراق.

وقد شهد الأسبوع الثالث من تشرين الثاني الحالي جولةً قام بها وفد كردي رفيع المستوى في العاصمة واشنطن، إذ مارس ضغوطاً على قادة الكونغرس ومراكز الأبحاث ملتمساً دعمهم لتوطيد أواصر العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة و«حكومة إقليم كردستان» بشكل جذري. وفي الوقت الحالي، تواصل واشنطن تقديم النسبة الكبرى من دعمها بالأسلحة والتدريب لـ«حكومة إقليم كردستان»، فقط بعد التشاور مع وزارة الدفاع العراقية وموافقتها. وفي الواقع، أن هذا الاعتراف بالسيادة العراقية أتاح سابقاً لبغداد تأخير أو حتى عرقلة التعاون الأمني الأميركي مع الأكراد.

في العاشر من تشرين الثاني، قام أحد كبار أعضاء الكونغرس الأميركي ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي إد رويس بطرح قرار يعبّر عن رأي الكونغرس، إذ دعا الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى تزويد «حكومة إقليم كردستان» مباشرةً بالأسلحة التقليدية المتقدمة وبالتدريب والخدمات الدفاعية بصورة عاجلة وموقتة. ويحثّ مشروع القرار الرئيس بوضوح على قبول شهادات المستخدم النهائي التي اعتمدتها «حكومة إقليم كردستان» من أجل السماح لهذه الحكومة بأن تستلم مباشرةً المعدّات الأميركية من أسلحة مضادة للدروع، وآليات مدرّعة، ومدافع طويلة المدى، وذخائر ونظم أسلحة يستلزم تشغليها طاقم عمل، وتجهيزات آمنة للقيادة والتواصل، وخوذات، ودروع واقية للبدن، ومعدّات لوجستية، ومعدّات دفاعية فائضة، وغير ذلك من المساعدات العسكرية التي يعتبرها الرئيس مناسبة، وذلك لمدة ثلاث سنوات.

ويشار إلى أن عضواً آخر من كبار أعضاء الكونغرس، هو دانا روراباكر، كان قد طرح تشريعاً مماثلاً في 19 أيلول، علماً أن هذا التشريع لا يزال بانتظار أن تراجعه لجنة الشؤون الخارجية لمجلس النواب الأميركي. وفي حين أن أيّاً من هذه التطورات لن يرغم الحكومة الأميركية على شيء، إلا أنها تزيد من صخب الأصوات التي تطالب الولايات المتحدة بالتخلي عن سيادة التحفظ التي تنتهجها حيال استقلالية كردستان العراق وبسلك الدرب المعاكس.

والجدير ذكره أنه في السابع من تشرين الثاني، طلب الرئيس أوباما من الكونغرس مبلغ 6.1 مليار دولار لتدريب تسعة ألوية من الجيش العراقي وثلاثة من البشمركة كمستهلٍّ للمساعي التي تهدف إلى استرجاع الموصل خلال عام 2015 بعدما كانت «داعش» قد أعلنتها عاصمةً لها. هذا ويجري حالياً إنشاء موقع تدريب أميركي يشمل قاعدة جوية في مطار باشور قرب بلدة حرير في منطقة «حكومة إقليم كردستان».

يريد الأكراد أن تقوم الولايات المتحدة ببذل جهود أكبر بكثير من أجل تدريب أكثر من 12 لواء من البشمركة، وفي جعبتهم ما سيلفت انتباه المشرعين الأميركيين. فبين عامي 2003 و2011، ساعدت الولايات المتحدة «حكومة إقليم كردستان» على تطوير ثمانية من ألوية البشمركة التابعة لها وذلك بمساعدة أميركية قيمتها 92 مليون دولار فقط. وفي المقابل، أقامت الولايات المتحدة 109 ألوية في العراق الاتحادي بكلفة تجاوزت 25 مليار دولار.

ويعني ذلك أن المعدل المستثمر في كل لواء من ألوية «حكومة إقليم كردستان» بلغ 11.5 مليون دولار مقابل 229.3 مليون دولار لكل لواء من ألوية العراق الاتحادي. واليوم لا تزال الوحدات الكردية التي ساعدتها الولايات المتحدة بمنأى عن التدهور في حين تفكك نحو ربع القوات الاتحادية.

وفي هذا السياق، سيجادل معارضو سعي «حكومة إقليم كردستان» إلى إقامة علاقة أمنية مباشرة مع الولايات المتحدة بأن تجاوز سلطة بغداد قد يسرّع عملية تفكك العراق، إذ سيصبح على سبيل المثال سابقةً بالنسبة إلى المناطق السنّية العراقية لاستلام الأسلحة والتدريب مباشرةً من الدول المجاورة. كما أن الحكومة الأميركية ستتردّد في إضعاف مكانة وزير الدفاع الجديد خالد العبيدي، وهو سنّي عربي من الموصل، الذي قام بزيارة إلى وزارة البشمركة التابعة لـ«حكومة إقليم كردستان» في الثالث من تشرين الثاني من أجل التباحث في مسألة التعاون المتبادل. وقد أبدى الوزير العبيدي حتى الآن موقفاً مؤيداً للخطة الأميركية الرامية إلى تدريب ألوية البشمركة وكذلك لالتزام ألمانيا تقديم العتاد الكافي لتجهيز لواءين من البشمركة، مع العلم أن الكمية الكبرى منها وصلت إلى أربيل من دون أيّ عرقلة من بغداد.

ومن الممكن أن يحاول الأكراد التغلب على الاعتراضات الأميركية من خلال عرض تعاونهم في المسائل الجوهرية. فأيّ تقدّم مستقبلي للبشمركة لتطويق الموصل أو وضع حدّ للحركات الإرهابية على طول الحدود السورية ـ العراقية قد يشترط زيادة المعدّات والتدريبات التي تقدّمها الولايات المتحدة. ولا بدّ للأكراد أن يوفروا أيضاً قواعد تدريب لواءين جديدين تابعين للحكومة الاتحادية يتم جمعهما من العناصر الذين تبقّوا من الجيش العراقي المدمر ووحدات الشرطة المشرذمة في المناطق الواقعة تحت سيطرة «حكومة إقليم كردستان».

إذا استغلت أربيل هاتين الحسنتين، قد تتمكن من التوصل إلى علاقة أمنية أكثر مباشرةً مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية الشريكة، الأمر الذي سيعتبر حدثاً هاماً آخر على الطريق نحو الاستقلالية الفعلية. وبموازاة علاقاتها الأمنية مع الدول الأجنبية، تخطو «حكومة إقليم كردستان» خطىً حثيثة لكي تصبح مستقلة اقتصادياً.

وتأتي الاتفاقية المؤقتة لتقاسم الإيرادات التي أعلن عنها رئيس وزراء «حكومة إقليم كردستان» نيجيرفان بارزاني ووزير النفط العراقي عادل عبد المهدي في 14 تشرين الثاني لتبيّن أن بغداد ترى ـ على مضض ـ أن التعاون في تصدير النفط الخام من «حكومة إقليم كردستان» وكركوك أفضل من إبقاء عقوباتها الاقتصادية المفروضة على أربيل.

وعلى رغم أن الموازنة العراقية الاتحادية لعام 2015 ستستثير مفاوضات صعبة حولها، إلا أن الحصيلة المحتملة، تتمثل في أن تخرج هذه المفاوضات باتفاق يسمح ضمنياً للأكراد ببيع نحو نصف مليون برميل من النفط يومياً بشكل مستقل خلال السنة المقبلة. وفي هذا الإطار تجهّز «حكومة إقليم كردستان» تشريعاً لتمويل الديون يدعم جهودها الحثيثة لأخذ القروض السيادية من المصارف الدولية مع طرح عائداتها النفطية كضمانة لتلك القروض.

وهذا أقرب ما يكون إلى كيان الدولة المستقلة، لكن التسمية مختلفة فحسب. وهذا أمر قد يكتفي به أكراد العراق في الوقت الراهن. إضافة إلى ذلك، قد تجد دول المنطقة أن هذا الترتيب أقل تهديداً من الاستقلال الكردي التام والشرعي.

نفط كردستان

وفي تقرير سابق، سلّطت صحيفة «إندبندنت» البريطانية الضوء على الضربات الجوّية الأميركية في العراق، وأرجعت أن السبب وراء هذه الضربات، تكمن في العمل على رفع الروح المعنوية لدى الأكراد في قتالهم مع مسلحي «داعش»، كما تهدف إلى الحفاظ على الطفرة النفطية في مدينة أربيل عاصمة كردستان العراق التي تتمتع بالحكم الذاتي، والتي أكدت الأحداث الأخيرة أنها ليست محصّنة من الاضطرابات التي أضحت تهدّد العراق بكامله.

وأوضحت الصحيفة البريطانية أن الضربات الجوية الأميركية ساعدت القوات الكردية في فتح ممرات آمنة في الجبال لآلاف من الأيزيديين، للهرب نحو سورية والنجاة من بطش «داعش»، في إشارة إلى عدم قدرة المساعدات الإنسانية التي أسقطتها الطائرات الأميركية جوّاً على عدد من النازحين من الطائفة الأيزيدية، على انتشالهم من خطر مسلحي «داعش».

ومضت الصحيفة تقول: «إن الضربات الجوية الأميركية وهجمات الطائرات من دون طيّار حتى الآن تتم في نطاق محدود، ولكنها على رغم ذلك، نجحت في تأمين المناطق المحيطة بعاصمة كردستان العراق التي تتمتع بالحكم الذاتي، والحؤول دون تمكّن «داعش» من مهاجمتها والاسيتلاء عليها.

وأشارت الصحيفة إلى أن تصريحات أوباما تؤكد أن واشنطن لا تريد الانجرار مرة أخرى إلى حرب واسعة النطاق في العراق، مشدّداً على رفضه القاطع إرسال قوات برية إلى هناك، ولكنه من الواضح أن أوباما لن يسمح لتنظيم «داعش» بالاستيلاء على أي من مدينة أربيل أو بغداد.

ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إن الغارات الجوية الأميركية على أهداف لتنظيم «داعش» في شمال العراق، ساهمت في تقليص خطر تعطل الإمدادات من ثاني أكبر منتج في منظمة «أوبك».

وأضافت الصحيفة، أنه على رغم أن الولايات المتحدة رفضت التدخل، واكتفت بإرسال 300 مراقبٍ عسكريٍ لدعم القوات العراقية، إلا أن المذابح المحققة التي باتت تواجه الأيزيديين والهزيمة التي منيت بها قوات البشمركة الكردية التي تمثل القوات الوحيدة التي تحارب ضدّ «داعش»، إضافة إلى التبعات الكارثية التي يمكن أن تحدث بعد سيطرة «داعش» على سد الموصل، دفعتها إلى التدخل، في ظل اقتراب مقاتلي «داعش» من بغداد بدرجة صارت أكثر خطورة.

وختمت الصحيفة بالقول إنه على رغم أن كل الحكومات في الشرق الأوسط تتخذ موقفاً موحداً في معارضة «داعش»، إلا أنه يبدو أن أيّاً منها غير قادر على إيقاف «داعش»، مشيرةً إلى أن «داعش» يواجه عدّة دول، وأنه إذا أصيب بانتكاسةٍ في أيّ منها، فإنه سيبدأ في مكان آخر، كما حدث في لبنان مؤخّراً.

المعونة الأميركية لكردستان العراق… وتقويض سنوات من تقدّم القوة المهنيّة Reviewed by on . إعداد وترجمة: ليلى زيدان عبد الخالق يسأل كثيرون عن وضع كردستان العراق إزاء ما يجري في العراق وسورية والشرق الأوسط عموماً. وعن نظرتهم إلى ما يقوم به التنظيم الإر إعداد وترجمة: ليلى زيدان عبد الخالق يسأل كثيرون عن وضع كردستان العراق إزاء ما يجري في العراق وسورية والشرق الأوسط عموماً. وعن نظرتهم إلى ما يقوم به التنظيم الإر Rating:
scroll to top