عقدة سورية تتفوّق على عقدة فييتنام

ناصر قنديل

– منذ نهاية الستينيات في القرن الماضي احتلت فييتنام دوراً حاسماً في صياغة مزدوجة للوجدان الجمعي لشعوب العالم على ضفتي الغرب والشرق، حيث تشكل ما عرف لاحقاً بعقدة فييتنام على مستوى الرأي العام الغربي عموماً والأميركي خصوصاً. وهو التوصيف الذي أطلقه الخبراء على رفض الشعوب منح التفويض لحكامها بتدخلات عسكرية خارج الحدود، تحت شعار ضمان المصالح الاستراتيجية وتحقيق مقتضيات الأمن القومي، بينما لدى شعوب الشرق التي كانت تعيش تحت وطأة الاحتلال والعدوان والأنظمة العميلة للغرب، فقد قدمت فييتنام النموذج والمثال، على قدرة الشعوب عندما تأخذ قضيتها بين أيديها، على فرض هذه الإرادة وإلحاق الهزيمة بأعتى القوى الاستعمارية، رغم الفوارق الهائلة في المقدرات، وليس خافياً أن الشعوب التي نهضت لحريتها بعد نصر فييتنام واجهت ظروفاً أفضل لتحقيق أهدافها بفعل لجم قدرة التدخل الذي تسببت به عقدة فييتنام.

– بالمفهوم التاريخي لتطور المجتمعات والدول، هزم المشروع الإمبريالي الذي كانت تجسّد أميركا ذروة القدرة التي يمتلكها، لكن الذي هزم هو المشروع الإمبريالي التقليدي، أي مشروع الاستعمار العسكري الذي تقوم به الدولة الصناعية المتقدمة لفتح الأسواق ووضع اليد على المواد الخام ومصادر الطاقة، ولأن قوة الدفع الرأسمالية كانت في أوج صعودها مع الاكتشافات التقنية الجديدة، وأهمها القدرة على تطوير قطاع المعلومات والاتصالات، وأسواق المال وهيكلياتها، انتقل العالم إلى مرحلة الإمبريالية العظمى، الذي نجحت معه أميركا رغم الهزيمة في فييتنام، من إسقاط الاتحاد السوفياتي، متمسكة بقيمة الحرية، بوجه قيمة العدالة التي فشلت التجربة السوفياتية في جعل نموذجها العملي مطابقاً لعرضها النظري، وبقوة منظومة الحرية، حرية المعتقد والدين وحرية الملكية الفردية، وحرية الإعلام، وحرية الأحزاب، وحرية التظاهر، وحرية التبادل للبضائع وحرية السوق، وحرية تنقل الأموال، انطلقت موجة عالمية أنتجت منظمات ومؤسسات، قادت العالم لعقود، من منظمة التجارة العالمية وبورصة وول ستريت، إلى منظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني، وصولاً لمنظومات الاتصالات والإنترنت، والفايسبوك وشبكات التواصل الاجتماعي، والأقمار الصناعية والفضائيات المرئية والمسموعة، لتسقط الدولة الوطنية، وتظهر العولمة، ما أتاح لفلاسفة العهد الإمبريالي الجديد، التسويق لنظريات نهاية العالم، وصدام الحضارات، المحسومة نهايته للأقدر على البقاء، والقصد طبعاً الثقافة الاستهلاكية، التي اختصرها توماس فريدمان في كتابه سيارة اللكزس وشجرة الزيتون، باجتياح اللكزس، أي التطلّع نحو الرفاه، لكل حقول الزيتون، أي الهويات الخصوصية.

– اكتملت عضلات مشروع الإمبريالية العظمى، مع الاستيلاء على تركة الرجل السوفياتي المريض في أوروبا، وتشكل الاتحاد الأوروبي كنموذج لجنة الحرية الأولى، وبدأت حرب العولمة طريقها من افغانستان إلى العراق إلى حرب تموز في لبنان، واصطدمت العربة الثقيلة العصرية والمزودة بكل تقنيات اللايزر، بحجارة صغيرة، عطلت مسيرتها، فكانت أولى ثمار العولمة بكل منظوماتها ومنها سقوط القضايا الكبرى والعقائد والأوطان وتغلغل الخصخصة إلى هياكل الجيوش، أن الشعوب والدول والجيوش صارت تريد حرباً بلا دماء، ففقدت القدرة على القتال، وصارت حروبها بما فيها الارتكابات المشينة واللاأخلاقية واللاإنسانية، التي تضمن نجاحها سلعة من سوق الاستهلاك الإعلامي تنقلها الشاشات على الهواء مباشرة إلى بيوت الناس، حيث العائلات المشبعة بثقافة الادعاء بالتفوق الأخلاقي، حيث أسر الجنود، وحيث منظومات حقوق الإنسان التي تشكلت لغزو بلاد الغير. واكتشف الغرب الذي أراد خوض حربه لاقتلاع أشجار زيتون الآخرين، أنه بات بلا شجرة زيتون تخصّه، أو على الأقل لا يجد مَن يفدي شجرة زيتونه بدمه، فالكل يريد سيارة اللكزس.

– جاءت حرب سورية لتتوّج كل الحروب التي سبقتها، وتكون حرب الحروب التي يتوقف عليها تحديد مصير مشروع الإمبريالية العظمى، الذي يقوم على الاقتصاد الافتراضي، وولد من جغرافيا افتراضية عابرة للقارات، ومن تاريخ افتراضي للقراصنة وتجار الذهب وقتلة السكان الأصليين، المستوطنون الجدد، ويريد أن يشكل دولة افتراضية لحكم العالم. وقفت قبالته دول وشعوب حقيقية، بتاريخ حقيقي واقتصاد حقيقي، وجغرافيا حقيقية، وتلاقت دول الأصول الثابتة مع دول البورصات والأسهم الافتراضية، فلم تجد واشنطن لمشروعها الجديد إلا وصفة افتراضية تستعير شجرة زيتون من الماضي المتوسط وأخرى من الماضي السحيق، لتواجه أشجار الزيتون الحقيقية لدول وشعوب لديها هوياتها الوطنية، تخوض حركة استقلالها، وترفض عولمة الناسخات الضخمة الثلاثية الأبعاد، وتصرّ على حضارة التفاعل والتبادل، ولا تقبل حرية لا تعمل إلا باتجاه واحد، وتحظى بها البضائع والأموال وتحظر على البشر، فكان السلاح الإمبريالي هذه المرة نقيضها، شجرتا زيتون مخشبتان، واحدة اسمها العثمانية والثانية اسمها الجاهلية التي لبس ثوبها تنظيم القاعدة بنسختيه الأصلية التي تمثلها النصرة ونسخته المعدلة التي يمثلها داعش.

– تنتصر في سورية المدنية الحديثة الواقعية، على المدنية الافتراضية التي يقاتل لحسابها مرتزقة العثمانية والجاهلية العقائديون المتمسكون بأوهام أشجار زيتونهم. فهم مرتزقة كقادة مشاريع حافزهم أوهام السلطنة والخلافة، وعقائديون، بأجساد مريديهم المتعلقين بأوهام ما يظنونه الحقيقة المطلقة، ليسقط المشروع الإمبريالي المهجن، بتناقض عقيدته القائمة على الحرية وسقوط الهوية، بأنه لم يجد مَن يخدم مشروعه إلا متزمتون حتى التوحش في الهويات التي يبشرون بها، وبالعداء العقائدي للحرية، وقدّمت سورية بمشروعها الإنساني القائم على قبول الآخر المختلف دينياً بما لم تستطع أوروبا بعد تقديم مثله، وبتحالفاتها الإنسانية القائمة رغم اختلاف منطلقاتها على ثلاثية التعدد والهوية الوطنية والتمدن، بما هو الأخذ بما ترفد به عقول البشر شوط حياتهم للأفضل من رفاه، وقانون، ومؤسسات.

– حجم التحدي الذي فرضته حرب سورية على البشرية، في اختبار الأفكار أكبر بكثير من تحدي الدم والدمار والخراب الذي خلفته التجربة المتوحشة التي جلبتها أميركا لشعب كان له باع طويل في كتابة الحضارة الإنسانية، لكن ما يجب الالتفات إليه ويبشّر بالخير، هو أن الأفكار والعقائد هي موجات تموت وتحيا بقوة القدرة على تشكيل قوة صاعدة، تحمل مشروعاً قابلاً للحياة، وتستطيع الصمود حتى تتاح لها فرصة التعرّض للاختبار الواقعي، فإما أن تطغى بقوة النجاح أو تتهاوى وتتلاشى تحت تأثير الفشل، وليس خافياً أن موجتي الجاهلية والعثمانية، كأسوأ نسختين للاستثمار السياسي لسقوط العقائد الوضعية، وفشلها في حل القضايا الكبرى، وعودة الشعوب شرقاً وغرباً للتدين، لن تكون لهما قابلية عيش بعد التجرية المدوية لسقوطهما في سورية، فالجاهلية والعثمانية ستتلاشيان ومعهما ثقافة التطرف والتكفير، وسيكون للفكر الديني والعلماني فرص البحث عن مشتركات إنسانية من بوابة سورية وروسيا وإيران، وستكون عقدة سورية الفلسفية أكبر من عقدتها العسكرية والسياسية بالنسبة لأميركا، وأشد إلهاما للشعوب على ضفاف البحث عن الهوية وحماية شجرة الزيتون.

– بمثل ما سقطت إسرائيل الكبرى وإسرائيل العظمى، بسقوط قوة الاحتلال وقوة الردع، وكتب للمقاومة شرف إنجاز هذا التحول التاريخي، الذي أريد للحرب على سورية إسقاط مفاعيله، توّج سقوط مشروع الإمبريالية الكبرى القائمة على الحروب، بسقوط الإمبريالية العظمى القائمة على حروب الوكالة، ومعهما سقط مشروع العولمة المخادع، القائم على إلغاء الهويات الوطنية، وكتب لسورية أن تكون القلعة في الانتصارين وعلى الجبهتين. وسنوات قليلة ستمتلئ خزائن الكتب الأميركية بمحاولات فلسفية وسياسية وثقافية تحاول الإجابة عن سؤال، كيف حدث هذا، وأي عبقري هو هذا الرجل الذي استطاع من مكتبه القابع قبالة جبل قاسيون أن يكتب هذه الصفحة الجديدة في تاريخ الإنسانية؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق