Latest News

الدعم الأميركي للأكراد والبوصلة السورية

سعد الله الخليل

بعد سيطرتها على «منبج» تتجه القوات الكردية إلى مدينة «الباب» تحت لافتة عسكرية تسمى «قوات سورية الديمقراطية»، وغطاء سياسي محلي يتمثل بمجلس عسكري عربي، تسعى عبره لإزاحة الصبغة الكردية لتمددها باتجاه مدينة «حلب» من بوابة مدينة «الباب»، بما يخدم مشروع الفدرلة الكردية ضمن صيغة الإدارة الذاتية، كنموذج إداري- سياسي- ديمقراطي- مثالي للأراضي السورية، يضمن مساحة متساوية من الحرية لكل المكونات السورية من وجهة النظر الكردية، لذا، فضّل الأكراد التوجه نحو مدينة «الباب» بدل متابعة فلول تنظيم «داعش» الخارجة من «منبج» إلى مدينة «جرابلس» التي فرّ اليها من أكثر من 500 سيارة محملة بالسلاح والمقاتلين. وبالتالي، فضل الأكراد الاقتراب من «حلب» خدمة لمشروعهم التوسعي في الجغرافيا السورية، على تأمين مساحات حماية أوسع لمدينة «عين العرب» كوباني لو انطلقت القوات من «منبج» باتجاه «جرابلس».

لم تعد العلاقة الأميركية- الكردية مجرد تواصل تكتيكي على الأرض السورية، بل تطورت، باعتراف القيادات الكردية، لدور وظيفي يلعبه الأكراد في المشروع الأميركي في سورية، ضمن بوابة المصالح المشتركة. ولعل التصريحات الأخيرة لعضو الهيئة التنفيذية لحركة المجتمع الديمقراطي، القيادي بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الدار خليل، التي اعتبر فيها دور قوات سورية الديمقراطية جزءً من حرب واشنطن على الإرهاب، بل وقوى متقدمة في هذه المعركة التي تعتبرها واشنطن طويلة المدى. وفي هذا السياق ربما هذا يفسر ابتعاد الأكراد عن المناطق الحدودية مع تركيا كجرابلس، كجزء من الضمانات الأميركية لأنقرة بعدم السماح للأكراد بحصار المناطق الحدودية، بعد تنصلها من وعود سحبهم إلى شرقي نهر الفرات بعد انتهاء معركة «منبج». وبالتالي، ربحت واشنطن في الورقة الكردية مرتين، بتطمين حليفها التركي، وتقدّم قوة تأتمر بقرارها إلى تخوم مدينة «حلب»، لتقف على خط تماس مع الجيش السوري والقوات الروسية والإيرانية، في معركة لا تقبل القسمة على اثنين، وحيث لا مجال للمهادنة ولا مكان للخيارات المزدوجة.

نجح الأميركي في تحويل وحدات الحماية الكردية من فصيل شعبي يقاتل للدفاع عن شعبه، إلى جيش يقاتل بأجندات أميركية وفق ما تقتضي رؤية واشنطن للحرب على سورية، لا وفق مسارات الحماية الذاتية للشعب الكردي، بالتزامن مع الترويج لإمكانية نشوء الكيان الكردي المستقل في سورية، وإعادة إحياء الحلم الدفين في النفوس الكردية. ورويداً رويداً ومع تعاظم قوة تلك الوحدات، باتت الفكرة أكثر نضوجاً. ومع اعتقاد الكرد بضعف الدولة السورية في مناطق سيطرتها، بدأ المشروع الكردي بالدخول حيز التنفيذ بالسعي للمزيد من السيطرة على الأرض، وشن حملات منظمة على باقي المكونات، خصوصا في محافظة الحسكة، لفرض أمر واقع مفاده أن القوى المسيطرة هي الأكراد فقط، ومن يرتضي العيش تحت أمرتها فليكن، وإلا فالتهجير خّيار. وفي هذا السياق تأتي الحملات المنظمة لطرد قوات الدفاع الوطني من أحياء مدينة «الحسكة»، التي تتواجد فيها مؤسسات الدولة «غويران والنشوة». وما التفجير الأخير للأوضاع وإصرار الأكراد على خروج تلك القوى من المدينة، سوى خطوة من عشرات الخطوات التي افتعلها الأكراد للاستفراد بـ «الحسكة» و»القامشلي»، والتي سبقها افتعال خلاف تبعه اشتباك مع وحدات الدفاع السريانية أودى بحياة العشرات من المدنيين، سواء المواطنين أو من عناصر «السوتورو».

وقع الكرد في ما هو محظور بقاموس دمشق مرتين: بالمضي في مشروع تقسيمي لا إمكانية له للتطبيق على أرض الواقع، وبالمضي في الحرب الأميركية على سورية والتي تراها حرباً طويلة الأمد في سورية إن توصلت المفاوضات مع موسكو لطريق مسدود، خصوصاً أن المطالب الأميركية مرفوضة من قبل موسكو، فهل ستكون القوات الكردية حصان طراودة الأميركي في هذه الحرب الطويلة الأمد؟ وهل سيزج بها بمواجهة الجيش السوري من بوابة ضمان الفيدرالية الكردية؟

يبدو أن الأميركي جهّز ميدان حربه القادمة في حال فشلت مساعيه التفاوضية مع موسكو خلال الأيام المقبلة، وربما «حلب» وما حولها تكون نقاط التماس المباشر مع الجيش السوري بالحضور الإيراني والروسي، معتمداً على قوة عمادها الرئيسي الأكراد ومتفرعات «القاعدة» من «النصرة» وغيرها من الأسماء. وأمام قساوة المعركة وفي اللحظة التي يشعر الأميركي بأن الأمور ليست في صالحة، يسهل عليه التخلي عن التنظيمات القاعدية باسم الحرب على الإرهاب، في حين لن تمنع الأخلاق الأميركية واشنطن من التخلي عن الأكراد من بوابة اعتبارات تَبرع واشنطن باختلاقها.

أمام الأكراد تحدٍ كبير وفرصة ذهبية لتوجيه بوصلة حربهم الحقيقية بمواجهة «داعش» والتنظيمات الإرهابية، أو في معارك أخرى تفتح أبواب الحروب على مصراعيها، وحسم خياراتهم السياسية الواضحة، بين الوطن السوري الواحد أو التقسيم الذي يضيّع هيبتهم السورية، ولن يرضى به أقرب حلفائهم الأميركيين حتى لو كانت الوعود تصب في هذا السياق.

اضف رد