تركيا تهادن سياسياً في سورية وتنتظرالموقف الأميركي

د. هدى رزق

تبدو تركيا متأكدة، هذه المرة، من ضرورة إنهاء الحرب السورية بالوكالة. تصريحات المسؤولين واضحة بهذا الشأن، فتركيا بحاجة الى إجراء النقد الذاتي لسياستها في سورية، بعد أن فشلت في إحداث أيّ تغيير جوهري، بل أدّت انعكاسات الحرب إلى ضرب استقرارها الداخلي.

تتنصّل الحكومة التركية من مسؤوليتها، وتحاول التراجع عن سياساتها من دون المساس برأس السلطة السياسية، التي أخذت قرار الحرب على سورية. ضحّى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برئيس وزرائه احمد داوود اوغلو، وألقى عليه مسؤولية اتباع سياسة العداء مع المحيطيْن الإقليمي والدولي. حضّر الاستدارة السياسية مع بدايات العام الحالي. هذه الاستدارة التي أدّت إلى تطبيع العلاقة مع «إسرائيل» وقيام البرلمان التركي مؤخراً بالتصديق على الاتفاقية، والاعتذار من روسيا عن إسقاط طائرة «السوخوي 24 « في العام الماضي.

تبدو أنقرة مجبرة اليوم على البحث عن نهج جديد في سورية. بعدما اتضح أنها لن تستطيع أن توثر على تغيير منطق الأمور في المنطقة الخاضعة للسيطرة الكردية في سورية، والمتاخمة للمناطق الكردية في تركيا والعراق، المدعومة من الولايات المتحدة، كذلك فشلت في حرب إسقاط النظام في سورية المدعوم من روسيا وإيران.

في هذا الإطار، أتى انفتاح الحكومة التركية لعقد اجتماع حول سورية مع روسيا وإيران، فتركيا تخوض حرباً في الداخل مع «حزب العمال الكردستاني» في مواجهة طلب الأكراد حكماً ذاتياً. وهي تحاول تصفية واقتلاع أقوى معارضيها المتمثل في جماعة «فتح الله غولن» المترسخة في النسيج الاجتماعي.

تشير أنقرة إلى أنها بصدد إعتماد سياسة سورية جديدة، تتمحور حول نقاط ثلاث: الحفاظ على السلامة الإقليمية أيّ وحدة الأراضي السورية، بمعنى أنها ضدّ أيّ كيان كردي مستقلّ تجنّب الهيمنة الاثنية أو الطائفية، وهذا يعني المشاركة في حكومة مختلطة بعد استقالة الحكومة الحالية، وإعادة السوريين إلى بلادهم بمجرد التوصل إلى حلّ في سورية. يبدو أنّ أنقرة على استعداد لقبول حكومة موقتة يقودها الأسد، على أن لا يكون جزءاً من الحلّ في الفترة التي تليها. لكن أيّ قرار نهائي في وضع أسس نهاية الحرب في سورية، لن يتمّ التوصل إليه من دون اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا. لذلك سيتعيّن الانتظار حتى كانون الثاني 2017 عند تولي الرئيس الأميركي القادم مهام منصبه.

تلاقي الحكومة التركية اليوم صعوبة في التفاهم مع الولايات المتحدة، وترى انّ مشكلتها تتمحور اليوم حول مسألتين رئيسيتين تعتبرهما عالقتين: الاولى، مسألة تسليم الولايات المتحدة محمد فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز. حيث تجد صعوبة في إقناع الولايات المتحدة، التي طلبت بعد 36 ساعة من الانقلاب المساعدة والمشاركة في التحقيقات، إلا أنّ الحكومة التركية رفضت وطالبت بتسليم غولن، كما كانت تفعل قبل الانقلاب، ردّت واشنطن بطلب تسليم أدلة دامغة الى القضاء الأميركي ليحقق بشأنها. وهي ترى أنّ تسليم غولن يخضع لقوانين أميركية، ولا يمكن للرئيس أوباما الاتصال بالمحكمة أو توجيه أوامر بتسليم غولن كما يعتقد أردوغان، لأنّ في الولايات المتحدة فصلاً للسلطات وقضاء مستقلاً.

أما المطلب التركي الثاني، فيتمثل بطلب إنسحاب «حزب الاتحاد الديمقراطي» إلى شرق نهر الفرات بعد معركة «منبج»، حيث نجحت «قوات سورية الديمقراطية» في السيطرة على المنطقة وطرد «داعش» منها بالتنسيق مع الولايات المتحدة. ترى تركيا انّ «حزب الإتحاد الديمقراطي» هو فرع سورية لـ «حزب العمال الكردستاني». بينما تعتبر الولايات المتحدة أنّ العلاقة مع هذا الحزب تعمّقت بسبب قتاله ضدّ «داعش»، في الوقت الذي رفضت فيه الحكومة التركية إقحام جيشها في قتال هذا التنظيم. وكانت قد اتهمتها سابقاً بالاستفادة من وجود «داعش» لتصفية حسابات مع الأكراد من جهة، وتهريب النفط من جهة اخرى.

إزدادت بيانات رئيس الوزراء بن علي يلدريم اليومية منذ يوم 15 آب/ أغسطس حول هذا الموضوع.

في هذه الأثناء، هدّدت تركيا الإتحاد الاوروبي بأنها ستوقف الاتفاق حول اللاجئين انْ لم يتمّ إقرار إلغاء تأشيرة دخول الأتراك إلى الإتحاد الاوروبي، وهي تحمّل الدول الأوروبية مسؤولية الفشل، وتطالبها بتسليم مدارس «فتح الله غولن» وتشكّك في جدية تحالفها ضدّ الانقلاب، بل تذهب أكثر من ذلك وتتساءل حول معنى صمت الدول، الذي يعني تخلي منظمة حلف شمال الأطلسي عن تركيا…

الأزمة مع «الناتو» بدأت قبل محاولة الانقلاب بثلاثة أيام، أيّ في 12 تموز، عندما أصدرت تركيا أمراً الى منظمة حلف شمال الأطلسي بترحيل نائب ا دميرال مصطفى زكي أوغورلو، الذي يعمل في قيادة الحلف وشطبه من الخدمة الفعلية… وإعادته إلى تركيا بتهمة الانتماء الى «غولن». تجاهلت المنظمة طلب تركيا، فيما حصل أوغورلو على تقرير طبي من مستشفى نورفولك، وطلب اللجوء الى الولايات المتحدة بعد محاولة إنقلاب 15 تموز/ يوليو. أصدرت تركيا أمراً آخر ضدّه بتهمة التآمر للقيام بمحاولة الانقلاب. قادت وسائل الإعلام المقرّبة من «حزب العدالة والتنمية» حملة ضدّ منظمة حلف شمال الأطلسي واتهمتها بالضلوع في محاولة الإنقلاب. وشككت الحكومة التركية بأنّ الجنرالات المتورّطين في محاولة الانقلاب، في مقرّ قيادة الأركان، في أنقرة، ينتمون إلى التحالف في منظمة حلف شمال الأطلسي.

أكدت محاولة الانقلاب هشاشة العلاقة بين أنقرة ومنظمة حلف شمال الأطلسي بعد الأزمة السورية، وأزمة اللاجئين، ومكافحة «الدولة الإسلامية ـ داعش»، والحرب على «حزب العمال الكردستاني»، كذلك إضطراب موازين القوى في شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. في المقابل، أجري تقرير في تموز عام 2015 في مكتب صندوق مارشال الألماني، في أنقرة، ركز على تصورات الجمهور التركي ورؤيته لمنظمة حلف شمال الأطلسي، وبالنتيجة تبيّن أن حوالى 35 في المئة من المجيبين يرون أنّ تركيا لم تعد في حاجة إلى عضوية الحلف، 27 في المئة منهم لا رأي لهم، وأخيراً حوالى 30 في المئة من الأتراك يثقون بمنظمة حلف شمال الأطلسي. أما اليوم، فإنّ النتائج سوف تكون قاتمة إذا ما أجريت ايّ دراسة من هذا النوع. يفضّل حلف شمال الأطلسي الابتعاد عن الأضواء اليوم في علاقاته مع تركيا، فعمليات التطهير أصبحت ضربة مدمّرة للغاية على الجيش التركي، وفي الواقع، إنه لم يعد ثاني أكبر قوة عسكرية من حيث الأداء بالنسبة لـ «الناتو». لقد أحدث الانقلاب حتماً فجوة أمنية ضخمة لتركيا، وهي بالفعل في حالة متقلبة وخطيرة، ويبدو أنها ستصبح غير مستقرة في المستقبل القريب، مع قوة عسكرية وبيروقراطية أقلّ فعالية من قبل.

سوف تستغرق تركيا عقوداً لاستعادة قدر يسير من سيادة القانون، وإيصال الخدمات العامة كما اعتادها المواطنون الأتراك قبل الانقلاب. وحسب محللين غربيين، فإنّ الشعب ينظر اليوم إلى أردوغان بإعجاب، لكنه بتفكيكه الجيش وجهاز القضاء والتعليم، هو يفكك الديمقراطية التي سعى إلى بنائها الأتراك عبر عقود.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق