لهذه الأسباب يهتزّ الأمن اللبناني… ولا يسقط

د. أمين محمد حطيط

تسبّبت العمليتان الإرهابيتان اللتان نفذتا في لبنان بأسلوب انتحاري وما رافقهما من عمليات مداهمة أمنية في بيروت، بإقلاق اللبنانيين والصادقين في اهتمامهم بلبنان. طرحت أسئلة كبيرة حول مستقبل الوضع الأمني اللبناني وعما إذا كان مسلسل التفجير الإرهابي عاد إلى لبنان بعد خمود، وحول مآل ذلك وسط منطقة تحترق بنار الإرهاب المسيّر من الغرب؟

للإجابة عن الهواجس والتساؤلات، نرى من الصواب ربط الموضوع بأصله، فالإرهاب دخل لبنان لتحويل أرضه قاعدة إسناد ودعم متعدد الإتجاه، خدمة للعدوان الذي يستهدف سورية، لكن هذه الوظيفة تراجعت منذ أشهر عندما تمكنت القوات العربية السورية ومعها القوات الحليفة والرديفة من إغلاق جبهة لبنان وسحب الورقة اللبنانية من الميدان، ما قاد إلى أمرين متلازمين: تعطيل دور لبنان السلبي في سورية، وتجفيف مصادر الإرهاب الآتي من سورية من القلمون عبر عرسال اللبنانية.

ترافق هذا التطور مع جهد ميداني بارز قامت به المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية اللبنانية، بالتعاون والتنسيق مع منظومات أهلية غير رسمية تنشط في البيئة الحاضنة للمقاومة لحمايتها. نشاط وتنسيق أدّيا إلى تفكيك الكثير من الخلايا الإرهابية وإلقاء القبض على رؤوس كثيرة فيها، وانكفاء خلايا أخرى ودخولها في وضع ما يسمى «الخلايا النائمة»، نوم أراح لبنان تلك الفترة من الأشهر الأربعة المنصرمة.

لكن الأمر تبدّل في الأسبوع الأخير، إذ استيقظت تلك الخلايا أو حرّكت بتأثير عوامل متقاطعة، ودفعت الأمن اللبناني إلى دائرة القلق والاهتزاز، وتمثل العامل الأول بـ«مسرحية الموصل الداعشية» التي مكّنت ذلك التنظيم الإرهابي من التمدد في المحافظات العراقية ذات الأكثرية السنية، على نحو اعتبر «انتصاراً استراتيجياً» للتنظيم، ما أتاح لمسؤوليه «الإعلان بثقة» عن خريطة دولتهم العتيدة التي يحلمون بها والتي تشمل لبنان. إثر ذلك سارعوا إلى استئناف إرهابهم في لبنان لتأكيد جدية طرحهم لدولتهم، وأعطوا عملياتهم الإرهابية على ما يبدو سبباً مباشراً ذا طبيعة انتقامية ترتبط بالعمليات الناجحة التي قام بها الجيش العربي السوري في القلمون والجيش اللبناني في جرود عرسال، والتي أدت إلى القضاء على الكثير من الأوكار والجيوب في سلسلة جبال لبنان الشرقية، فعادوا لاستئناف العمل الإرهابي في لبنان ظانّين أن تعطل المؤسسات الدستورية فيه سيعطل عمل المؤسسات العسكرية والأمنية ويطلق يدهم في الساحة.

في ظلّ هذا الجو المشحون بنزعة الانتقام، المعطوفة على زهو الانتصار المخدوعة بالواقع اللبناني، نفذت عملية ضهر البيدر بتفجير انتحاري، وأعقبتها بعد ثلاثة أيام عملية الطيونة في الضاحية الجنوبية. عمليتان تقودنا دراستهما ـ دراسة عسكرية وأمنية مناسبة ـ إلى القول إنهما أخفقتا في تحقيق أهدافهما، ويمكن تصنيفهما عمليتين فاشلتين، فتحضيرهما بدا بدائياً، واتسم التنفيذ بالإرباك وتدني مستوى الاحتراف لدى المنتحر، ما يشير إلى خفة واستعجال، وأيٌّ من السيارتين لم تستطع الوصول إلى المكان أو الهدف الذي أعدّت له. ذلك كله يؤكد فشل العمليتين رغم أنهما تسببتا بخسائر بشرية وسقوط ضحايا غالية وهدر دماء زكية لأبرياء، لكن الخسائر تبقى أقل بكثير من الخسائر التي كان يمكن أن تقع لو نجحتا، فما أسباب الفشل؟

قبل تحديد تلك الأسباب نذكّر بما نطرحه ونؤكد عليه دوماً توصيفاً لمنظومة الأمن الناجح التي يجب أن تصاغ على نحو متماسك، وأن تكون جزءاً من منظومة أمن إقليمي فاعل تنخرط فيها مؤسسات رسمية متخصصة محترفة ويكون للشعب دور تفعيلي فيها. هنا نعود إلى الوضع الذي واجهه الإرهابيون هنا، فالقوات العربية السورية أحكمت سيطرتها على الحدود مع لبنان بالتعاون مع قوى رديفة وحيلفة وتناغم معها الجيش اللبناني على المقلب الآخر من الحدود داخل لبنان، ولعبت منظومة أمن المقامة دوراً فاعلاً في مساعدة المؤسسة الرسمية الأمنية العسكرية اللبنانية التي أبدت التزاماً واحترافاً عاليين في تعقب الإرهابيين، فضلاً عن الدور الذي مارسته في الميدان لجهة نقاط المراقبة والتفتيش، ما أنشأ درعاً أمنية فاعلة للمجتمع المقاوم المستهدف بالإرهاب، وعيناً ثاقبة يقظة تحرسه. أمن يرفده تعاون أهلي من المواطنين الذين أبدوا شجاعة وصبراً في تحمّل أعباء التدابير الأمنية الاستثنائية المتخذة في محيط منازلهم أو على طرق حركتهم، منها وإليها، ما أحدث منظومة الأمن المتماسك والفاعل وجعل الأمن في لبنان رغم المحاولات الإرهابية المستميتة لخرقه غير قابل للانهيار والسقوط.

الآن بعد هذا الاختبار المزدوج للأمن في لبنان في أسبوع واحد، نعود إلى السؤال عن مستقبل هذا الأمن، ثم عن موقع لبنان في مسار حوادث المنطقة؟

لا بد من التأكيد وفقاً للمعطيات المتوافرة والافتراضات المنطقية المكملة والتحليل المنطقي العلمي على أن الغرب اعترف بهزيمته في سورية لكنه لم يتراجع عن محاولاته العدوانية ضد المنطقة ومحور المقاومة فيها، وهو في تحوّله اليوم إلى العراق عبر «مسرحية الموصل الداعشية» ينقل المسرح الرئيسي للعدوان على المنطقة التي يسعى إلى كسر محورها المقاوم، وهذا ما يحاوله منذ عام 2000، بدءاً بالقرار 1559 إلى حرب 2006 إلى مشروع الفتنة والاستفزاز عام 2008 في لبنان انتقالاً إلى إيران في عام 2009، وصولاً إلى سورية عام 2011، وانتهاء اليوم بالعراق الورقة الأخيرة في جعبة الغرب الصهيو ـ أميركي. فهل يكون الانتقال إلى العراق بعد إقفال جبهة لبنان مع سورية سبباً لإبعاد لبنان عن اللهب، أم للبنان دور آخر؟

نرى مع تحوّل العراق إلى المسرح الرئيسي للعدوان تراجع موقع سورية لتصبح المسرح المساعد، أما لبنان فوظيفته انقلبت إلى «المسرح الضاغط» على مكونات محور المقاومة عامة وعلى حزب الله خاصة استنزافاً وإرباكاً. لكن معضلة المخطط تكمن في عجزه عن خرق مجتمع المقاومة بعد الدرع الأمنية التي تشكلت حوله. ولهذا تحصل العمليات الفاشلة الواحدة تلو الأخرى، ولا أعتقد أن عملية الطيونة الفاشلة هي آخرها.

محاولات تتكرّر مع تراجع في مستوى التحضير والتنفيذ، خاصة أن الفعل بات محلياً على ما يبدو، بعدما حرم الإرهابيّون من مصانع الموت في القلمون. هنا نرى أن شرط فشل تلك المحاولات الإرهابية يكمن في استمرار العمل الأمني الاحترافي المنسق بين المؤسسة الأمنية العسكرية اللبنانية الرسمية من ناحية، ومكونات المجتمع الأهلي في المقاومة والمواطنين من ناحية أخرى، مع تكامل في الممارسة مع ما يقوم به الجيش العربي السوري على المقلب الآخر من الحدود داخل سورية، فإن استمر ذلك يكون أمن لبنان غير قابل للسقوط رغم الاهتزازات التي تحدثها محاولة هنا ومحاولة هناك تنتهي إلى الفشل وتثبت معادلة الشعب والجيش والمقاومة جدواها في الأمن مثلما أثبتت جدواها في التحرير.

أقول هذا من دون أن أغوص اليوم في الشأن السياسي حول دور السياسة في صنع الأمن، وهو دور أساسي، فأنا أميز بين تعطيل العمل في المؤسسات الدستورية والاشتباك السياس المنتج لبيئة الخلل الأمني، وأجد أن السياسيين اليوم، رغم شلل المؤسسات الدستورية، يمارسون قدراً من التحكم في السلوك، بقرار ذاتي أو نتيجة الإملاء الخارجي، ويعملون اليوم على تجنّب التشنج والاحتقان، ويتظاهرون بأنهم يرفضون الإرهاب ويدعمون المؤسسة الأمنية العسكرية، وهذا أمر جيد يتجاوز شلل المؤسسات الدستورية التي ينبغي أن تعود إلى العمل بعد استكمال شروط العودة، على ضوء متغيّرات لا يمكن القفز فوقها.

أستاذ في كليات الحقوق اللبنانية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق