أولىكتاب بناء

صدقي المقت… صداقة وطنية بنكهة إنسانية

الأسير محمد عدنان المرداوي

لا يحدث ذلك إلا في فلسطين، وبالأخص في السجون الصهيونية، حيث يلتقي أبناء المدن والقرى والمخيمات والأرياف، وتلتقي الفصائل الوطنية والاسلامية بجميع مكوناتها، كذلك يلتقي الكُتاب والطلاب والحرفيون والفلاحون والعمال وأساتذة الجامعات، والقادة السياسيون والمثقفون وذوو الحالات الخاصة وغيرهم من الأسرى، وكذلك لقاء الطوائف المتعددة «سنة شيعة دروزاً ومسيحيين»، وحتى من الطائفة اليهودية والسامرية التي تسكن في مدينة نابلس.

لتُشكل بذلك لوحة وطنية كلها ذابت في العناوين الكبيرة، الوطن فلسطين النضال ومقاومة الاحتلال، ولم يعد هناك مجال للتعصب والبلديات والمذاهب والطوائف أو الدول، خاصة أنّ ساحة السجون ضمت وتضمّ أسرى من أغلب البلدان والدول العربية وغير العربية في بعض الأوقات.

فواقع السجون وبطش السجان وكبر القضية، يفرض على الأسرى أن يلملموا جراحهم كي يستطيعوا مواجهتها.

ثم تبدأ العلاقة الوطنية بالتطور فتأخذ شكلها الإنساني العميق، وتحفر في الذكريات الماضية بعيداً، ويتبلور ذلك في علاقات اجتماعية متينة يُسيجها الاخلاص والحب والتعاون، خاصة أنّ همّنا واحد وعدونا واحد وهدفنا واحد وقضيتنا واحدة، هي  القضية الفلسطينية، والعدو هو الكيان الصهيوني المحتلّ.

كان لي الشرف أن أتعرّف على المناضل الكبير صدقي المقت إبن الجولان السوري المحتلّ، الذي عرفته وبدأت التعرف إليه وإلى نضالاته في سجن شطه عام 2002، حيث كان عدد من أبطال المقاومة السرية السورية في ذلك الوقت أبناء الجولان السوري المحتل، حيث تم نقلنا من سجن عسقلان على إثر مقاومة إدارة السجون ووحداتها الإجرامية ضدنا كأسرى، ومقاومة اعتداءاتها ضدنا، من ثم حدثت عملية الهروب البطولية التي قام بها الأسيران محمد الرمشق ونزار رمضان، وبطريقة عجيبة جداً تحدث في الأفلام.

وكان ذلك التاريخ وذلك التجمع الذي يجمع الاحتلال به أسرى الداخل المحتل والأسرى الفلسطينيين، حيث كان أسرى الجولان السوري المحتل وعلى اثر قمعنا من إدارة السجون، تمّت تفرقتنا، ومنذ ذلك الوقت بقينا على تواصل عبر الوسائل المتاحة.

تعمّقت العلاقة مع المقت من خلال المراسلة، رغم حالة الانقطاع الطويلة التي كانت سببها جدران السجون وجدران الزنازين، ورغم اعتقال دام 27 عاماً، لم يمكث صدقي في الحرية إلا ثلاثة أعوام.

علمت باعتقاله في عام 2016، وأنا في سجن هدريخ العزل، وكان له مدة قصيرة مُعتقلاً، وبدأنا بالتواصل مع بعضنا حتى تم اللقاء في سجن النقب الصحراوي، بعد أن حُوكم من قبل الاحتلال 14 عاماً.

التقيت بالأسير البطل صدقي في سنوات 2017 و2018 و2019، حتى بداية عام 2020 يوم الإفراج عنه.

لم تمنعنا جدران الزنازين والأسلاك الشائكة من أن نطوف العالم، ونحن نتحدث عن سورية ولبنان والعراق واليمن، والحديث عن انتصارات محور المقاومة، وانتصار سورية أخيراً على محاولات التقسيم والمؤامرات التصفوية، وكيف أن تماسك الأمة والمقاومة هو الداعم الوحيد لقضية فلسطين، ولم يفوتنا الحديث عن بلادنا وعاداتنا وتقاليدنا، التي في مجتمعاتنا العربية.

كان يحدّثني عن الجولان الجميل، ويُخبرني أول بأول عن قضيته، وعن النشاط والجهد المبذول من قبل الدولة السورية والرئيس السوري بشار الاسد، وكيف أن سورية لن تترك أبناءها في سجون الاحتلال، وتعمل بكلّ الوسائل للإفراج عنهم، وهناك كان الداعم لصدقي العائلة المناضلة في الجولان السوري المحتل.

وفي أحد الأيام قال لي إن موفداً روسياً حضر إلى سجن النقب، كي يُرتب عملية الإفراج عنه، لكنه رفض الإفراج المشروط، والذي كان ينص على الإبعاد إلى دمشق، وكان رأيي في ذلك اليوم أن يخرج الى دمشق إلا انه أخبرني لن يخرج بشروط إسرائيلية، وقال مقولته الشهيرة «اعذريني يا دمشق إن الجولان يناديني».

صدقي المقت يمثل وطناً جبلاً راسخاً يحترمه جميع الأسرى لمواقفه وأخلاقه وثقافته وتفانيه، ففي يوم أستشهاد الأسير سامي أبو دياك، طُلب منه أن يُلقي كلمة ينعى فيها الشهيد، فصدح بصوته الهادر، وانتقد التقصير في حق الأسرى، وقد نقلنا من تفاصيل الحياة اليومية في السجن الى عالم الأحرار والقضايا الكبيرة، وكأنه يقول إن مشوارنا طويل وعدونا واحد هو الكيان الغاصب المدجج بكل أدوات البطش والإرهاب، فلا بدّ من الصمود والإرادة أولاً، ثم استراتيجية التحرير ومقاومة الاحتلال، ولا نامت أعين الجبناء والمُطبعين.

أنا بصراحة كنت أكبر بهذا الرجل، لم أشعر يوماً انه كان يتحدث عن ذاته وشخصه، فقالب حديثه الوطن فلسطين والانتصارات على المشروع الصهيوأميركي وحلفائه.

إنه صديق ورفيق، تقاسمنا المعاناة والبرد والحر والإضرابات معاً، فكان دائماً يشحذ الهمم ويرفع المعنويات، ولم تصدر منه كلمة فيها شيء من يأس او ندم او تراجع.

كنا نتقصّى أخبار المنطقة رغم قلة الإمكانيات وعدم توفر الوسائل للاطلاع على سير الأحداث والتطورات، فلم تمنعنا جدران السجن وأسلاكه الشائكة وحراسة المتربصين دائماً، ان نتواصل ونعرف ونحلل ونقدر مواقفنا، بناءً على المعطيات التي كنّا نقرأها ونحصل عليها.

استحضر هنا موقفاً ما زال في نفسي، كنا نتحدث عن ثقافة شعوبنا الشعب الشامي الواحد والموروث الثقافي في الأطعمة والشراب، وبعد الحديث وتبادل المعلومات استوقفني مشروب اسمه «المتة»، حيث يعتبره السوريون من ألذ وأطيب المشروبات، أنا لم أسمع به من قبل، فتخيّلته انه يشبه العرق سوس عندنا أو التمر الهندي في فلسطين، والآن أنا انتظر اليوم الذي أشرب فيه هذا المشروب. البعض يُمكن أن يشعر بالاستغراب من هذه القصة، لكن لو يتعرّف الناس على حياة الأسير يعرف مدى أهمية هذه المواقف.

فعلاً عندما تتعرّف على رجل من هذا الطراز، وكأنك تتعرّف على وطن بثقافته وعاداته وتقاليده، وذكرني هذا الحديث عن «المتة» والأطعمة، بقصيدة «جدتنا» لـ تميم البرغوثي حينما يقول «وإذا بها تنشر وطناً كاملاً على منضدة الجسر»، أتمنى ان تبحثوا عن هذه القصيدة وقراءتها لمعرفة أهمية هذا الكلام لدى الفلسطينيين.

أخيراً أقول، فعلاً كانت بيننا صداقة متينة بنكهة إنسانية ضربت جذورها في أعماق أرض الشام وحضاراتها العربية، فلا يدري العشاق أين يلتقون في السجن أم في الموت أم في ظل وردة، وما أجمل أن يعيش الإنسان وطنياً محافظاً على إنسانيته او إنساناً يفخر بوطنيته.

لقد أضاءت مجدل شمس حريتك، ولك التحية دائماً ودمت ذخراً بالمعنويات والأمل، ودمت ذخراً لوطنك وشعبك الأبي.

صدقي المقت لك التحية من إخوانك الأسرى، وسنبقى على العهد ثابتين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق