عربيات ودولياتكتاب بناء

الأزمات مفتاح إيجابيّة جديدة

} سماهر الخطيب

لطالما كانت البدايات الجديدة غامضة، ومن منّا لا يُغريه الفضول لكشف هذا الغموض وإزاحة الستار لمعرفة ما يُخفيه من أسرار، بغضّ النظر عن هذه البداية سواء أكانت بقرار أم خيار أو حتى فرض..

كما العام الجديد نستقبله بهاجس الخوف وهرمون السعادة من دون أن يتفوّق أحدهما على الآخر.. متناسين بأنّ الأعوام مجرد أرقام تضاف ولا تغيّر في المضمون شيئاً سوى كونها سجلاً للأحداث ومجرياتها، إنما المضمون الأساس هو ما نكتنزه من مشاعر لذاتنا وما تختزنه الذاكرة من أفكار في تلافيف العقل لتنتج قرارات وأفعالاً. وما بين الإصرار والدمار وبين الخوف والسعادة شعرة تتمثل بالطاقة الإيجابيّة وهي خير ما نقابل به البدايات الجديدة..

ورغم أنّ بداية الشهر الأول من العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين معقّدة فتعقدت معها أحوالنا وتشرذمت أيامنا، فلم نعد ندري من أيّ حدبٍ وصوبٍ تأتينا المصائب التي طالت العالم بأصقاعه أجمع..

فمنذ أن أقبل هذا العام المتطابق بأرقامه والمتنافر في مجرياته، أقبل معه عزفٌ صارخ خارج عن المألوف ربما أو هو انعكاس لما أصبحت عليه نفوسنا من شرٍّ وصخبٍ وغضب..

فقد شهد شهر كانون الثاني من سنة 2020، أحداثاً هزّت العالم من كوارث طبيعية وإنسانية. وبعرضٍ سريع لما حمله في «بداية وصولو كانت الشمعة بطولو» كما يقال في العاميّة..

فقد بدأ بفرار اللبناني كارلوس غصن من اليابان إلى لبنان بطريقة سريّة غير شرعيّة تحمل عنوان «العملية الهوليوودية».

ليستيقظ العالم في ثالث أيامه على خبر اغتيال قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوريّ الإيرانيّ قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس.

ما أنذر حينها بأنّنا بتنا على شفير حرب عالمية ثالثة بعد أن أعلنت الولايات المتحدة مسؤوليتها عن العملية، لتتوعّد إيران بالانتقام. وتسارعت حدة التصريحات مهدّدة بنشوب حرب قد تشعل المنطقة بأكملها، حيث شنّت إيران في 8 كانون الثاني، هجوماً صاروخياً على قاعدتين عسكريتين في العراق، بينهما قاعدة «عين الأسد»، كردّ على اغتيال سليماني ومَن معه. ورغم أنّ الرئيس الأميركي أعلن حينها بأنّ الوضع على ما يُرام وبأنّ جميع الجنود بخير، إلا أن البنتاغون عاد وأعلن، بعد عشرين يوماً من الضربة، أي يوم 28 كانون الثاني، عن إصابة 50 عسكرياً بارتجاجات دماغيّة عقب الهجوم الصاروخي الإيراني.

في هذه الأثناء، حدث «خطأ بشريّ» أسفر عن كارثة الطائرة الأوكرانيّة التي كانت متّجهة من طهران إلى كييف بعد وقت قصير من إقلاعها من مطار طهران، ما أدى إلى ارتقاء جميع مَن على متنها والبالغ عددهم 176 راكباً من جنسيات مختلفة.

وقبل الرّد الإيراني بيوم واحد، أي في السابع من كانون الثاني قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة مفاجئة إلى العاصمة السورية دمشق شملت الجامع الأمويّ وكنيسة العذراء القديمة وهي الزيارة الأولى التي أشعل خلالها «شمعة السلام»..

وتبع تلك الأحداث البشرية، غضب الطبيعة، فكانت تلك الحرائق في الرئة العالمية للأرض المتمثلة بغابات أوستراليا والتي التهمت الأخضر واليابس، مودية بحياة 29 شخصاً ونفوق ملايين الحيوانات وتدمير ما يزيد عن 2500 منزل، بالإضافة لتدمير مساحة كبيرة من الغابات وازت مساحة بلغاريا.

وفي القارة الأوروبيّة تمرّد من نوع ملكي حين فاجأ «دوقا ساكس» الزوجان الأمير هاري وميغان ماركل العالم في 8 كانون الثاني، بتخليهما عن القصر الملكي وعن أداء واجباتهما الملكية وتكملة حياتهما كشخصين عاديين.. ولم تُسكِت المفاجأة سوى صدمة رحيل أسطورة كرة السلة العالمية الأميركي «كوبي براينت» الذي لقي حتفه برفقة ابنته و7 أشخاص آخرين، كانوا على متن مروحيته، في 26 كانون الثاني.

لتستمر كوارث هذا الشهر بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما سمّاه بـ»صفقة القرن» في 28 كانون الثاني، مفجّراً غضباً اجتاح المشرق العربي حتى مغربه لرفضها وعدم مرورها، ولم يكن الغرب براضٍ عن صفقة تلاشت معها حقوق الفلسطينيين..

ولم ينته هذا الشهر إلا وبعنوان وباء عالمي غزا العالم من الصين إلى أصقاعه كافة لم تكفِه إصابة عشرة آلاف لتعلنه منظمة الصحة العالمية وباءً رفعت لأجله حالة الطوارئ.. وما سبقه من زلزال تركّز في وسط تركيا والدول المطلّة على المتوسط..

ورغم كل ما أوردناه من أحداث ضربت أصقاع العالم حتى تلافيف عقولنا، إلا أنّ «الفيروس» يحفّز مناعة الجسم على صدّه ولإنّ أفكارنا من صنعنا، فإننا وحدنا القادرون على تغييرها، وجعلها تخدم طموحاتنا، وتعبّد طريقنا..

إذ تبقى نافذة الأمل مشرّعة دائماً أمام أصحاب هذه الرؤية، لذا فعبورهم الأزمات أياً كانت يكون سريعاً، تاركين نفوسهم الواثقة مزوّدة بشحنات إيجابية إضافية، فتنعكس رؤيتهم على المجتمع إجمالاً، بعدوى إيجابية تحفّز على الإنتاجية، وتعزيز الدافعية الذاتية..

ونحن نحتاج لهذه الإيجابية، وتعلّم كيفية اكتسابها، والصعود بأدائنا إلى المستوى الأعلى، لتحصيل القدر الأكبر من الإنجاز والنهوض.

كما يمكننا تحويل طاقتنا الإيجابية منذ البداية  إلى ثقافة اجتماعية، إذا آمنّا بها. فالعلاقات تسير على منوال تصاعدي، في التأثير بالآخر، رغم أن مبعثها فردي، لكنها تنعكس على المجموعة.

ويبقى حرز كل بداية ومفتاحها هو التخلص من السلبية وتخطيها بالأمل، والتصالح مع أنفسنا وإعادة التوازن مع ذاتنا،

والتفكير بالحلول بدلاً من تضخيم الأمور، والقناعة بأنّنا نملك من القوة ما نستطيع عبرها تغيير العالم..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق