الوطنكتّاب البناء

السعوديّة تفشل مجدّداً في تثبيت زعامتها الخليجيّة!

} د. وفيق إبراهيم

الحصار الرباعي الذي أرادت منه السعودية خنق امارة قطر منذ العام 2017، فشل في إنجاز مهامه فالمباحثات بين البلدين وصلت منذ أيام عدة الى حائط مسدود، لذلك واصل الرباعي السعودي المصري الإماراتي والبحريني قطع كامل علاقاته مع قطر مشدداً عليها حصاراً برياً قوياً خانقاً وسياسياً لا يبدو أنه شديد التأثير حتى الآن.

لماذا لم تنجح مباحثات آل سعود مع آل تميم؟ الواضح من المطالب السعودية أنها ترمي الى مصادرة العلاقات الخارجية لقطر بكاملها باستثناء كل ما له علاقة بالأميركيين.

ما جعل مطالب السعوديين تبدأ من وقف قناة الجزيرة وكامل التحريض الإعلامي القطري الذي يستهدف الرياض وتحالفاتها من محطات محلية وأخرى تموّلها قطر في الإقليم العربي والدولي وهي كثيرة.

أما المطلب الثاني فيأمر بإقفال القواعد العسكرية التركية في قطر وسحب كامل العسكريين الأجانب منها باستثناء قاعدة العديد الأميركية وبعض الانتشار الأميركي في مناطق استراتيجية من الدوحة.

لجهة المطلب الثالث فيريد وقف قطر أي علاقة لها بالاخوان المسلمين في العالم بأسره ولكل أنواع الإرهاب، فيما يختم المطلب الرابع لائحة شروط المحور الرباعي بضرورة خفض علاقات دولة قطر بإيران.

كيف يمكن تفسير الأهداف السعودية من هذه الشروط؟

للتنبيه فقط فإن علاقات قطر العسكرية مع تركيا تعود الى عام ونصف فقط ولم تكن موجودة قبل حصارها في 2017، كذلك فإن علاقاتها بإيران تحسنت بعد استهدافها من الحصار الرباعي، وخصوصاً السعودي المحاذي لها من حدود برية حصرية لا تملك غيرها، فكان الانفتاح ذو الطبيعة الاقتصادية على ايران التي شكلت منفذها الوحيد لاستيراد استهلاكها الغذائي والحياتي والطبي ومعظم ما تستورده.

لقد انحصرت علاقاتها بإيران ضمن الإطار الاقتصادي من دون أي تغيير على المستوى السياسي، ويبدو أن الأميركيين تابعوا الانفتاح القطري على إيران ولم ينزعجوا منه، وربما أيدوه لأسباب تتعلق بالوجود العسكري الاميركي في قطر وعدم ممانعتهم من تطور الصراع السعودي القطري سياسياً لأنهم يريدون تعميم حالة الضعف الشديد على كل دول المنطقة.

ما يهمّ هنا من القراءة الدقيقة لمطالب السعودية الكشف انها تشكلت بعد الحصار وليس قبله باستثناء دعم الإرهاب، باعتبار أن الرئيس السابق اوباما وكثيراً من السياسيين الأميركيين والأوروبيين اعترفوا بأن دعم المنظمات التكفيرية في الشرق الاوسط تولّته السعودية وقطر والإمارات وتركيا بتكليف أميركي، فكيف تتهم السعودية قطر بدعم الإرهابيين فيما تؤكد كل التحقيقات أن داعش هي من سلالة القاعدة التي أسستها المخابرات السعودية في سبعينيات القرن الماضي وأرسلتها بمساعدة المخابرات الأميركية الى افغانستان ولاحقاً الى العراق مروراً بسورية وصولاً الى ليبيا ودول أخرى.

اذا كانت هذه المطالب جديدة، فما هي الاسباب الفعلية للخلاف السعودي القطري باعتبار ان مصر والبحرين والأمارات ناوأت قطر لتأييد الرياض فقط.

لا سيما أن آل سعود يعرفون أن الإعلام ملك مموّله فما أن تعود الامور الى طبيعتها بين البلدين حتى تنظم قناة الجزيرة ومثيلاتها شعراً في آل سعود ودواوين في السيسي وخليفة البحرين وآل زايد الإماراتيين.

المشكلة إذاً متموضعة في مكان آخر يعكس محاولة قطرية منذ مرحلة الأمير السابق خليفة لبناء حيثية خارجية لبلاده تتحرّر فيها من وصايات آل سعود، وهذا معناه أن قطر تحاول استعمال علاقاتها بالاخوان والأتراك والتأييد الاميركي لها لنصب زعامة لها في الخليج أولاً وفي العالمين العربي والاسلامي في مراحل لاحقة.

لكن هذا غير ممكن، من دون حليف قويّ، فكانت تركيا الدولة الإقليمية و»الاخوان» التنظيم الاممي وايران المنفذ الاقتصادي.

وبما ان علاقة الدوحة تعود الى اكثر من عقد ونصف العقد من الزمن مع الاخوان المسلمين اي منذ اندلاع الاضطرابات في الشرق الأوسط وبرعاية اميركية كاملة، فكان من الطبيعي أن تحلم بزعامة إقليمية خصوصاً أنها من كبار موزعي الاموال في المنطقة بإيحاء اميركي أو بغض طرف مقصود.

هذا ما فهمه السعوديون من النشاط القطري الإقليمي وتعاونهم مع الاخوان المسلمين وتركيا. والملاحظ هنا ان اشارتهم الى ايران في مباحثاتهم مع قطر ترد من دون إصرار عليها لأنهم يعرفون ان وقف الحصار عليها يذهب تلقائياً نحو عودة قطر الى استعمال المنفذ البري السعودي لتأمين مستهلكاتها.

لذلك يجد المتمعن في حروف الأوامر السعودية انها تريد نسف الصعود التركي في العالم الإسلامي لسببين: الاول انها تعتبر بلدها زعيمة العالم الإسلامي ولا تقبل بأي منافسة تركية مدعومة قطرياً؛ أما السبب الثاني فخوفها من انتشار عقيدة الاخوان المسلمين المناهضة للوهابية السعودية. وهذا ما تخشاه الامارات والبحرين، لكن لمصر إرهاباً قوياً من الاخوان المسلمين الأقوياء في مصر ما يبين مدى الرعب من الاخوان الأمميين الذين يعتبرون أنفسهم اهم قوة في العالم الإسلامي ويسعون لجمعه في اطار يقوده خليفة منهم وهذا يتطلب سقوط مملكة آل سعود والبحرين وإمارة آل زايد وجمهورية «السيسي ملك الرز».

ماذا تستفيد قطر من انتصار الاخوان؟

ما يهمّ آل تميم هو سقوط آل سعود فيصبحون على الفور دولة مهمة خليجياً وإسلامياً وبما أن تركيا بلد إسلامي غير عربي، فإن آل تميم متعمقون في قراءة الصعوبات التي تعترض طريق قيادتهم للعالم الإسلامي ويحتاجون لشرعية عربية، تجد قطر نفسها مؤهلة لأداء دور الصدر الأعظم في دولة السلطان أردوغان الاول.

للإشارة فقط، فإن كامل هذه الصراعات تندلع داخل عباءة الأميركيين وليس خارجها، ما يجعلها عرضة للابتزاز من الأميركيين في كل لحظة، لذلك يسمحون باستمرار الى اجل لا احد يعرف  مدته إلا الادارة الاميركية.

قطر والسعودية إلى أين؟ يتصارعان على وهم ليس لهم بل لمعلمهم الأميركي فيبدوان كمن يكتب التاريخ بلا قلم مبدداً جغرافيا غنية بمصادر الوقود من أجل اوهام ليست حاضرة إلا في أذهان ضحاياها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق