الوطنكتاب بناء

هل أوروبا قادرة على نصرة أردوغان

} د.وفيق إبراهيم

يضرب الرئيس التركي في زوايا الأرض المتعددة، بحثاً عن حلفاء لديهم مصلحة في دعم مشروعه الاستعماري في سورية.

الخليج العربي يعمل بعنف ضد الدولة السورية، لكنه لا يؤيد اردوغان بسبب تحالفه مع الأخوان المسلمين الذين يشكلون خطراً على الأنظمة الملكية، اما الأميركيون فلا يريدون هزيمة اردوغان لكنهم لا يستطيعون نجدته بأكثر من تمرير أسلحة إلى حلفائه من المنظمات الإرهابية التي تنتشر في أدلب وعفرين وشمال سورية الحدودية. فالأميركيون يعرفون أن الهجوم الذي يشنّه الجيش العربي السوري في أرياف حلب وإدلب، يحظى بمشاركة حيوية روسية مشاركة ميدانيّة أيضاً، وهم لا يريدون تأجيج صراعهم مع الروس في الوقت الحالي خشية أن تفتح روسيا ملف الاحتلال الأميركيّ لآبار النفط في الشمال الشرق السوري وقاعدة التنف عند الحدود الجنوبية مع كل من الأردن والعراق، علماً أن روسيا إلى جانب إيران هما الطرفان الوحيدان العاملان في سورية بتأييد من دولتها الشرعية المعترف بها في الأمم المتحدة.

أما الصين فلا تتدخل في الأزمة السورية لأنها تترك هذه المهمة لحليفتها روسيا، فلا يتبقى لتركيا إلا طرفان بإمكانها الاستنجاد بهما، وهما «اسرائيل» وأوروبا.

على مستوى «اسرائيل»، لا يستطيع اردوغان الاستعانة بها علناً لأنه يفقد على الفور شرعية محاولاته لزعامة العالم الاسلامي وتقدمه في العالم العربي، وقيادته للاخوان المسلمين، لكنه ينسق معها مباشرة او بالوساطة الاميركية.

فتشن غارات على اهداف سورية بالتزامن مع تقدم الجيش العربي السوري في إدلب وأرياف حلب.

فلا يتبقى للرئيس التركي «المستوحد» إلا أوروبا، محاولاً اللعب في الميدان الذي تشتهيه دائماً، وهو إيجاد ادوار دولية لها بعد أكثر من ستة عقود كانت مسجونة خلالها داخل عباءة الأميركيين، لذلك تبدو اوروبا مضطربة تبحث بإعياء عن مواقع لها في مناطق واعدة بالغاز والاستراتيجيا والاستهلاك، لكنها تخاف من النفوذ الاميركي فتطل برأسها حيناً خارج العباءة وسرعان ما تعود إلى داخلها، عندما يرمقها الأميركي بغضب.

هذا يعني أن الدور الاوروبي في سورية خصوصاً والشرق الأوسط عموماً يحتاج في البداية الى إمكانيات أوروبية موازية الى جانب غضّ طرف أميركي او تأييد صريح.

هناك عامل إضافي يحول دون تدخلهم الفاقع حتى لو أمنّوا التأييد الأميركي، ويتعلق في أن الهجوم السوري الشرعي على إدلب يحظى بتأييد روسي كبير غير قابل للمساومة، بما يعني أن التدخل الأوروبي في هذه المنطقة قد يؤدي إلى قتال صريح مع روسيا ودورها السوري الكبير لذلك اقتنع أردوغان أخيراً أزاء التردد الاوروبي ان يجمع الى جانب تركيا كلاً من روسيا وفرنسا والمانيا في مؤتمر واحد.

فما فائدة مثل هذا المؤتمر إذا كانت أطرافه الأوروبية لا قدرة لهاعلى ترجيح الكفة التركية؟

يبدو أن أردوغان يهرب من اجتماعات مؤتمر سوتشي واستانة، لأنها تضمّ إيران إلى جانب روسيا وتركيا، والمعروف أن إيران مؤيدة للشرعية السورية سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً، بما يدفع تركيا لتجاوز سوتشي إلى الآلية التي يراهن عليها أردوغان لتثبيت دوره السوري وتفضيل الذهاب نحو مؤتمر مع روسيا وبلدين أوروبيين، بما يخفف من حجم مؤيدي الهجوم السوري على إدلب.

لكن مثل هذه الحسابات تؤكد على سقوط الخيارات المفيدة لأردوغان وتوسله خيارات جديدة لن تكون أكثر من تطويل لمحادثات لن تؤدي على الإطلاق الى تغيير نتائج المعارك العسكرية الأخيرة التي ربحها الجيش السوري فتمكن من خلالها من ربط حلب بحماة وحمص ودمشق وتحرير مساحات واسعة وسط استمرار المعارك.

ماذا يريد أردوغان إذا؟

يضغط بعقلية «البراجماتي» للمحافظة على ما تبقى من مناطق سورية تحتلها قواته، بمعنى أنه يوافق على التقدم الأخير الذي أحرزه الجيش العربي السوري مقابل إقرار روسي بسيطرته حتى انتهاء الأزمة السورية على جزء من إدلب وعفرين وشريط الحدود حتى الشمال الشرقي وبعمق يتلاءم مع اتفاق أضنة الذي يسمح للأتراك بالتقدم في سورية لمنع عمليات إرهابية حتى 5 كيلومترات.

هنا، يبدو النفاق التركي واضحاً، والدليل أن مرحلة 1998 وحتى 2020، لم تحدث عملية واحدة ضد الأتراك على حدودها مع سورية، فيما دعت تركيا أكثر من مئة ألف إرهابي دولي ومحلي نظمت اختراقهم لحدودها مع سورية  ودرّبتهم وسلحتهم ورعت كل عملياتهم الإرهابية، وهذا يؤكد أن الجيش العربي السوري هو الذي يجب أن يطبق اتفاقية أضنة نحو الداخل التركي وليس العكس.

يتبين إذا أن التدخل الاوروبي عبر البوابة التركية لن يكون أكثر من دور سياسي مؤقت، لأنه لا يستند إلى موازنات قوة بل مجرد قوة إعلامية آنية.

وهذا يعيد أردوغان إلى دائرة البحث عن حلفاء جدد، أو الاتجاه نحو معركة مع الجيش السوري يعرف مسبقاً أنه لن يربحها لسببين: تطوّر القدرات السورية في الدفاع الجوي بعد وضع مضاداتها الروسية الحديثة قيد الاستعمال وهذا يُلغي التفوق الجوّي التركي، هذا بالإضافة إلى أن روسيا تتعامل مع التهديد التركي على أنه يستهدفها أيضاً، لذلك من المرجّح تراجع تركيا وإرهابييها عن خط 4 الذي يربط حلب باللاذقية مقابل إرجاء البحث في احتلالها لعفرين والحدود والشمال الشرقي إلى مراحل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق