الوطنكتاب بناء

الرئيس برّي «ينتفض» لأموال اللبنانيّين… «لوبي المصارف» يلعب أوراقه الأخيرة: «اليوروبوند» مقابل «الودائع»!

} محمد حميّة

أن يخرج موقف الدولة اللبنانية شبه الرسمي والنهائي من مقر الرئاسة الثانية في عين التينة بشأن استحقاق اليوروبوند» قبيل إعلانه المرتقب غداً أو بعده بلقاء رئاسي جامع في بعبدا فأمرٌ له دلالاته المتعددة.

فرغم أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري شكل رأس حربة الدفاع عن ودائع اللبنانيين وخط الدفاع الأول عن المصلحة الوطنية مذ فُتِحت معركة هذا الاستحقاق، إلا أنه توّج موقفه بالأمس على شكل «انتفاضة» لأموال اللبنانيين على ابتزاز «لوبي المصارف» الذي يلعب أوراقه الأخيرة مخيّراً الحكومة وأركان الدولة بين خيارين أحلاهما مرٌّ: إما دفع السندات التي تستحقّ الاثنين المقبل وإما المصارف بحل من أمرها بضمان «أمن ودائع» المواطنين.

وقال رئيس المجلس أمام جمعٍ حاشد من النواب الذين يمثلون معظم الكتل النيابية ان «المصارف التي اوصلتنا الى خسارة نسبة الـ75% من الدين تتحمل المسؤولية مع الشارين الأجانب، فإذا أرادوا إعادة الهيكلة دون قيد او شرط ودون دفع أي مبلغ او نسبة من المبلغ او فائدة فليكن، عدا عن ذلك فإننا مع أي تدبير تتخذه الحكومة ما عدا الدفع هذا، ومرة أخرى المس بالودائع من المقدّسات».

وردد بري مقولته الشهيرة بحسب ما علمت «البناء» «إلي طلع الحمار عالميدنة بنزلوا»، في إشارة الى المصارف الذين باعوا السندات وأن عليهم وحدهم استرجاعها عبر شرائها مجدداً من حامليها لتصبح الغلبة للدائنين المحليين ما يعزّز موقف الدولة التفاوضي مع الدائنين وتفرض عليهم الحل الذي يناسبها.

فما الذي دفع بالرئيس بري لإعلان هذا الموقف المتقدم ورفع سقف التحدّي ولجم اندفاعة المصارف وتحميلهم مسؤولية إقدامهم على بيع جزء من السندات لمستثمرين أجانب؟

تشير مصادر نيابية لـ»البناء» الى أن «موقف الرئيس بري جاء بعد مشاورات مكثفة هذا الأسبوع بين الرؤساء الثلاثة ووزير المالية المحسوب على رئيس المجلس، وتمّ منح رئيس المجلس تفويضاً من حزب الله ورئيسي الجمهورية والحكومة للتفاوض مع جمعية المصارف وحاكم مصرف لبنان عبر وزير المالية غازي وزني والوزير السابق للمالية علي حسن خليل لتظهير الموقف النهائي نظراً لرمزية بري الوطنية الى جانب أن المصارف تنظر اليه كضمانة لأي اتفاق مع الدولة».

كما جاء موقف الرئاسة الثانية بعد التماس الرؤساء الثلاثة تصلباً في موقف الجمعية والحاكمية وتقديمهما حلولاً متكررة غير مقبلولة لذر الرماد في العيون وخداع الحكومة»، علماً أن رياض سلامة وجمعية المصارف بحسب أوساط عليمة لـ»البناء» لديهما «المونة» و»المشورة» على صندوق النقد والبنك الدولي ورأيهما يسود في كلتا المؤسستين. ما يؤكد وجود تعاون داخلي وخارجي على الضغط على لبنان.  

إلا أن لموقف بري خلفيات سياسية وأمنية تنساق وتتأتى من سيناريو خفي كانت تعدّه جهات خارجية بالتكافل والتضامن مع لوبي سياسي ومصرفي واقتصادي بدأ منذ عامين بخلق الأزمات وتعويم سياسة العقوبات والتلاعب بالدولار تمهيداً لإشعال أحداث 17 تشرين الثاني الماضي وإقالة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري وتعميم والفراغ المؤسسي والفوضى الدستورية والسياسية والأمنية والاقتصادية ونشر الفتن المتنقلة وصولاً الى أوان استحقاق «اليوروبوند» وتوريط لبنان بدفع جزءٍ من ديونه المستحقة في 9 الشهر الحالي لمزيد من استنزاف احتياطات البنك المركزي ومن ثم إعلان «المركزي» عدم قدرته على تغطية حاجات لبنان من استيراد المواد الأولية وتأمين رواتب الموظفين.

 وفي هذه اللحظة يدخل صندوق النقد الدولي على الخط بحجة إنقاذ لبنان ويبدأ بإخضاع البلد لبرنامج الصندوق وما يتضمنه من شروط قاسية من تحرير سعر صرف الليرة الى تخفيض رواتب الموظفين وتعويضاتهم وإلغاء عقود عدد كبير منهم وفرض ضريبة على القيمة المضافة وصفيحة البنزين وخصخصة القطاع العام، ما يؤدي الى اشعال ثورة شعبية ستعم مختلف المناطق ما يتبعها من فوضى اجتماعية وأمنية عارمة واحتمال حدوث انقلابات عسكرية.

هذا السيناريو يجري بمواكبة حملة تهويل وضغوط هائلة بإعلان إفلاس لبنان تارة وتعرّضه لعقوبات دولية وحرمانه من الدعم المالي طوراً وغيرها من الذرائع التي تصبّ في نهاية المطاف بمصلحة اللوبي المصرفي ومصرف لبنان.

وترفد الآليات المالية المصرفية عبر المصارف والبنك المركزي هذا المخطط بخبرتها في ابتزاز المواطنين والدولة بإجراءات مصرفية تصل الى نقطة تكون فيها ودائع الناس في خطر نسبي وقد يشعر المودعون بهذا الضغط الكبير جداً بالخوف على أموالهم. مما ينعكس سلباً على الوضعية الانتخابية للمؤتمنين على مصير ومستقبل المواطنين من أحزاب وقوى سياسية.

فقد يكون المخطط قلب البيئة الشيعية كجزء من البيئة اللبنانية العامة المنخرطة في المنظومة المصرفية عبر هذا السيناريو. فإن نجح المشروع حققوا أهدافهم باستثمار الازمة المالية انتخابياً وبالتالي سياسياً ويكون أصحاب المصارف راهنوا بأموال المودعين لا بأموالهم الخاصة.

لا بد من التذكير هنا بأن أموال صندوق الضمان الاجتماعي موجودة في البنك المركزي على شكل سندات خزينة وجزء آخر مستثمر في المصارف بفوائد متوسطة، ما يعني أن المصارف والمركزي يتحكمان حتى بأمن الموظفين الصحي والاجتماعي.

وبحسب المعلومات فقد تمّ رصد إقبال كبير من الموظفين على التقاعد في الوظائف العامة لا سيما العسكرية بسبب تكون قناعة لدى هؤلاء بأنهم اذا لم يتقاضوا تعويضاتهم اليوم فلن يبقى أموال في الخزينة والمصارف والضمان ليحصلوا عليها لاحقاً.

صدمة اجتماعية اضافية أُصيب بها الموظفون الذين أودعوا تعويضاتهم في البنوك بالليرة اللبنانية مقابل فوائد مرتفعة. إذ إن هذه الاموال فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الشرائية الى حد النصف تقريباً بسبب التضخم وارتفاع سعر صرف الدولار الى 2600 ليرة، اي بمعنى آخر «طارت» نصف اموالهم.

في المقابل يستشرس «كهنة المعبد» بحسب وصف أحد النواب لـ»البناء» بالدفاع عن «البيت المقدس» وعن امتيازاتهم وثرواتهم التي جنوها عبر عقود على حساب «أرزاق المواطنين» وصغار المودعين ويشنون حملة إعلامية واسعة للتسويق لنظريات تصب في مصلحتهم.

وتشير مصادر مصرفية الى ضرورة حفاظ لبنان على القدرة الإئتمانية التي تمتع بها حيث واظب لبنان على تسديد ديونه في أصعب الظروف الداخلية والاقليمية، محذرين من أن أخطاراً متعددة تحيط بقرار لبنان عدم التسديد منها تخفيض وكالات التصنيف العالمية درجة التصنيف الإئتماني للبنان الى حدود الافلاس. وهذا ما حصل بتقرير وكالتي موديز وستاندر ان بورز، ما يؤثر على سمعة لبنان العالمية وثقة المجتمع المالي الدولي وينعكس سلباً على إقراض لبنان لإنقاذه من ازمته في المرحلة المقبلة وثانياً المصارف المراسلة ستضع قيوداً أشد على المصارف اللبنانية، ثالثاً المؤسسات المتعددة الاطراف التي أقرضت المصارف الخاصة ستطلب تسديد القروض قبل أوان استحقاقها، كما سيدفع حاملي سندات اليوروبوند» للاستحقاقات الأطول اي للعشر سنوات المقبلة على اتخاذ إجراءات قانونية تطلب تسديدها قبل استحقاقها».

 وتخلص المصادر الى التحذير بأن «التعثر غير المنظم سيؤدي الى خروج لبنان من الأسواق العالمية المالية نهائياً، ويؤثر على اصدار الدولة للسندات الجديدة لأنها ستفقد من قيمتها».

لكن السؤال المطروح هل كانت المصارف تجهل وضع الدولة المالي؟ وألم تتوقع مسبقاً عبر دراساتها الدقيقة أننا سنصل الى هذا الواقع، فلماذا استمرت في إقراض الدولة؟ هل كان ذلك طمعاً بالفوائد المرتفعة وقناعتها بأنها محمية من جهات وازنة في الحكم ومن «الحاكم بأمره» في المصرف المركزي؟ 

تجيب المصادر المصرفية أن «المصارف تحملت بمفردها مع مصرف لبنان مسؤولية الاستقرار النقدي ودعم المالية العامة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فيما تلهت الأحزاب السياسية بمصالحها المتضاربة وخلافاتها السياسية ولم تطبق الإصلاحات منذ 2002». تضيف ان «المصارف حذرت منذ عقود الحكومات بضرورة إجراءات اصلاحية منذ مؤتمر باريس 2 لتخفيض حاجات الدولة للاستدانة ورفع مستوى تنافسية الاقتصاد وتحسين مستوى الاستثمار وبيئة الاعمال، وتخفيض العجز في الموازنة، كما كانت المصارف اول الداعين الى تطبيق قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتدخل في عملية تمويل المشاريع ولم يطبق».

أما عملية «الابتزاز الخفي» الذي تمارسه المصارف فهو إشارتها الى أن التعثر في دفع «اليوروبوند» سيشكل خطراً كبيراً على المصارف وبالتالي على الودائع». فالمصارف تحمّل سلامة مسؤولية استرجاع ديونها المستحقة على الدولة وتعتبر الودائع جزءاً كبيراً من هذه الديون، بينما المصرف المركزي استخدم قسماً من هذه الودائع البالغة 170 مليار دولار في عملية تمويل الخزينة.

وتذهب المصادر بعيداً في الدفاع عن الصرافين الذين يستغلون تذبذب أسعار الدولار وتفلته من الرقابة الرسمية لمصّ دم المواطنين وتحقيق ارباح كبيرة، معتبرة أن «الصرافين لديهم رخصة لاستيراد الدولار الأميركي من الخارج كأي سلعة اخرى، هناك مصدر آخر للصرافين هو بعض الاشخاص الذين يشترون الليرة لتحقيق بعض الأرباح نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار»، فيما الواقع بحسب خبراء ماليين أن مصدر الدولار الأساسي للصرافين هو المصارف والمصرف المركزي لتبادل أنصبة الأرباح في ما بينهم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق