أولىالكلمة الفصلكتاب بناء

إنه زمن الانهيارات الكبرى…

زهير فياض _

الانهيار بمفهومه الشامل والعميق، يوم تفقد الكلمات معانيها، وتتحوّل القيم الوطنية الى كليشيه تزيّن واجهات سوبر ماركت السياسة «الفحشاء»، والرقطاء»، و«القحباء» المدوزنة على وقع الصفقات والتسويات والاتفاقات المخفيّة والمستورة، حيث تتحوّل رقعة «تحت الطاولة» الى زاوية لطبخ «السموم» بكامل عدة المطبخ الحافل بكلّ أنواع الأطعمة الدسمة والمطعمة بالسمّ «القاتل» ببطء لأخلاقيات الشعوب ولإرادتها الحية في الصمود والاستمرار والتطوّر ومواجهة كلّ التحديات.

إنه زمن انقلاب «الصورة» من فوق الى تحت، وزمن وقوف الحقيقة على رأسها في مشهدية سوريالية تحاكي مصائب الدنيا وكوارثها الطبيعية والإنسانية.

أيّ زمن هو هذا؟ أيّ واقع نحياه اليوم؟ أيّة مفاهيم تحكم حاضرنا؟ أية مقاييس نقيس بها مدى تمدّننا او توحشنا؟

مفاهيم جسّدتها الإنسانية عبر آلاف السنين كمرتكزات لإدارة حياتها، وكقواعد للفصل في سلوكيات الناس والبشر، وكأسس للقانون والحكم والنظام نراها تتهاوى أمام ناظرينا كأنّ زلزالاً هائلاً ضرب هذا الكوكب، وترك وراءه خراباً في العقل والضمير والوجدان.

ناضلت البشرية طويلاً من خلال الفكر وإعمال العقل والفلسفة والدين لوضع قواعد نظر للتمييز بين الفضيلة والرذيلة، بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الجرم والبراءة، بين الأبيض والأسود، بين البطولة والخيانة، بين الصدق والكذب، بين الطهارة والنجاسة، بين الحب والكره، بين التسامح والحقد، بين الرحمة والقسوة، وانتصرت الإنسانية في معاركها بقدر التزامها بهذه الحدود التي تجسّدت مواثيق وعهوداً و«كلام شرف» كان يتفوّق بقوّته الأخلاقية على كلّ حبر التاريخ.

في زمن «كورونا»، هذا الوباء القاتل، يصدر حكم وقف التعقبات في حق عميد العملاء وجزار معتقل «الخيام» ليؤكد شبهة «الانتشار الفيروسيّ الأخلاقيّ» بما يتجاوز بأشواط انتشار «كورونا» على خطورته، وليعيدنا هذا الحكم الى نقطة انطلاق التشريع القانوني الأول في التاريخ مع حمورابي حيث القاعدة «العين بالعين والسن بالسن»، تبرز من جديد كمعادلة في عملية الحساب والعقاب على الأفعال والأعمال، وإذ بشخطات قلم قاضٍ عاد علم القانون الى مربّعه التاريخي الأول.

حكم أول امس، شكل تحوّلاً في المفاهيم الوطنية المذبوحة بسكين المعادلات الطائفية و«6 و 6 مكرر»، حكم أعاد للأشياء هوية طائفية ومذهبية ليست في أصل تكوينها ولا من مظاهرها. فالخيانة لا تحسب في رصيد طائفة او مذهب، بل هي ملك أصحابها وهم حصراً أبناؤها والمسؤولون عنها.

في لبنان، البارحةرسالة وصلت الى كلّ شهيد وأسير وجريح في كفاح المقاومة اللبنانية ضدّ الاحتلال أن جراحكم وعذاباتكم وأحزانكم وشقاءكم وكل نضالكم لا يساوي شيئاً في حسابات توازنات الطوائف والمذاهب والقبائل والأفخاذ والعشائر اللبنانية، وأنّ رضى الأميركي  المتعجرف اللئيم هو أساس المستقبل في كيان المتصرفيات والقائمقاميات والمحميات المنتشرة والموزعة على الجغرافيا اللبنانية بين سلسلتي جباله الشرقية والغربية، كما في الأمن كذلك في الاقتصاد والمال والتجارة وكلّ مناحي العيش.

في لبنان، نحمي المقاومة بضرب رموزها، بتشويه صورتهم، بتقييد أنفاسهم، بشيطنة تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم.

في لبنان تحت عنوان حماية المقاومة والشعب والدولة في تفاهمات الطوائف «مار مخايل 1 و 2 و 3…»، تحت عنوان الحماية نطعن المقاومة في تاريخها وإرثها وقيمها وإنسانيتها.

أمس، كان عامر الفاخوري أحد تمظهرات عصر انحطاطنا الفاقع.

وصبيحة هذا اليوم المشؤوم نردّد مع جبران خليل جبران: «لكم لبنانكم ولي لبناني».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عميد الثقافية والفنون الجميلة في الحزب السوري القومي الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق