الوطنكتاب بناء

التسييس الاميركي لكورونا لن يوقف التغييرات العالمية المتسارعة

} د. وفيق ابراهيم

اعتادت السياسة الاميركية على الاستثمار في كل شيئ تقريباً، فلم توفر الناس والحيوان والطبيعة ومياه البحر والانهار والاجواء والفضاءات النائية ناهيك عن المعادن والهواء.

يريدون تطويع كل عناصر الحياة الجامدة والمتحركة لخدمة مصالحهم الجيد منها والسيئ. وها هم اليوم يحاولون استخدام جائحة الكورونا التي فتكت حتى الآن بنحو عشرين الف شخص ومئات الاف المصابين وتهدد بقتل نصف البشر لكنهم يصرون على استعمال هذا الوباء القاتل في سياساتهم الاستراتيجية لخنق منافسيهم في صراعهم الاستراتيجي وهم الصين وايران وروسيا والعمل على اعادة الامساك بحلفاء ممتعضين منهم في الاتحاد الاوروبي وغيره.

هذا هو «الاستثمار في الموت» بقلب متحجر ومشاعر جليدية تعتاش على بلايين الدولارات فأصبحت ثقافة اميركية ترى في الدول الاخرى مجرد آليات لاسعاد الاميركي وتوفير مصادر بهجته وازدرائه للانسانية.

فهناك مثلاً وباء يضرب حالياً الارض بكامل اتجاهاتها وزواياها واعراقها وجنسياتها بدأ في الصين وسرعان ما جرى اكتشافه في ايران واوروبا وكندا وروسيا والاميركيتين الشمالية والجنوبية.

بشكل لم يوفر زاوية، مرغماً العالم بأسره على بذل كامل امكاناته الطبيعية والخدمية لمجابهته دافعاً الى انزواء دائم لمليارات الناس في منازلهم مع توقف كامل لحركة الانتاج والاعمال الادارية وتفاقم الاصابات بشكل يومي.

لم يمنع هذا الوضع الرئيس الاميركي دونالد ترامب من وصف هذا الوباء بكورونا الصين، علماً ان الاصابات الاوروبية والاميركية تجاوزت الصينية بعدة اضعاف.

إلا ان وزير خارجيته بومبيو ذهب ابعد جامعاً في الاتهام بين الصين وايران.

فهل هي مصادفة بريئة ان تتطابق الاتهامات الاميركية لهذين البلدين بأنهما مصدر كورونا، مع العداء الاميركي الدائم الذي يستهدف ايران منذ 1980 ويرى في الصين منذ عقدين تقريباً اكبر منافس له على القطبية العالمية؟

هناك اذا محاولتان اميركيتان متكاملتان: الاولى تتعلق بالايحاء للعالم ان هذا الوباء هو صينيايراني ما يفرض ضرورة الابتعاد عنهما كمنتجين لجائحة تفتك الناس، وهذا يؤدي الى تمتين الحلف الاميركي الاوروبي الخليجي الاسرائيلي مع امتداداته في آسيا واميركا الجنوبية والشرق الاوسط محاصراً الصين وروسيا.

اما المحاولة الثانية فتكشف ان هناك تشبثاً اميركياً لاحتكار اللقاء المضاد لكورونا، سياسياً وتحويله الى دوائر الاستثمار الاميركي لابتزاز الاقتصادات العالمية بواسطته، هذا ما اتضح من خلال المسارعة الاميركية لاحباط محاولات فرنسية والمانية لاكتشاف لقاحات لهذا الوباء الخطير وتشكيكها باعلان الصين وروسيا قرب موعد الاعلان عن وسائل لمعالجة كورونا واحتوائه.

لقد بدا واضحاً ان هذا الاصرار الاميركي يعمل على امتلاك اللقاح والعلاجات لتحويلها اداة اميركية، اما في ابتزاز الارض او في تدمير دولها.

وهي فرصة ليعاود الاميركيون تأسيس حمايات لاحاديتهم القطبية حتى على جثث البشر، حتى ان الكثير من السياسيين يعتقدون ان احتكار الاميركيين للقاءحات الكورونا، مصدر خطر على البشرية جمعاء، لان الاميركيين قادرون بهذا الاحتكار، على ابتزاز العالم اقتصادياً والقضاء على الدول المنافسة بنشر هذا الوباء القاتل فيها، وهذا ليس من باب الاساءة للاميركيين لان من يقتل مئات الالاف في اليابان في 1945 وعشرات الملايين في معظم الانحاء، بدم اميركي بارد باستطاعته تكرارها بواسطة جائحة الكورونا.

ومثل هذا السيناريو كفيل بالتجديد للهيمنة الاميركية، لعدة قرون جديدة لانه ينهي ومرة واحدة كل المنافسين والى وقت طويل.

الا انه صعب التحقق ولسبب وحيد وهو ان التنافس على انتاج لقاحات للكورونا وعلاجاته على اشده ويشارك فيه الاميركيون والصينيون والروس والالمان والفرنسيون، بالاضافة الى جهود ايرانية.

ما يشير الى ان الاحتكار الاميركي صعب الى درجة الاستحالة، وقد تتمكن عدة بلدان من اكتشاف علاجات سريعة على ان تصل الى اللقاءاحات في مراحل لاحقة.

هذا على المستوى الطبي الصرف، فماذا عن التداعيات السياسية لهذا الوباء؟

لقد ادى الى انهيار الاقتصادات العالمية ونظام العولمة الذي هو انفتاح عالمي ثقافي واقتصادي وهذا له تداعيات كبيرة في السياسة لانه يؤثر على الدول ذات الاقتصادات المسيطرة عالمياً وفي طليعتها الاقتصاد الاميركي الكوني.

كما يتضح ان الاميركيين لم يكونوا اصحاب وفاء، مع دول اوروبية كايطاليا وفرنسا واسبانيا الاعضاء في الاتحاد الاوروبي وحلف الناتو اي انهم حلفاء للاميركيين الذي لم يتحركوا ساكناً لنجدتهم من محنة الكورونا، مقابل مسارعة الصين وروسيا لارسال مساعدات عاجلة الى ايطاليا واسبانيا.

لذلك فإن ما يتضح حتى الآن من تداعيات هذا الوباء ان هناك تراجعاً في العلاقات داخل بلدان الاتحاد الاوروبي وبينه وبين الاميركيين مقابل ازدياد حرارة العلاقات بين الصين وروسيا وايران مع ميل ايطالي اسباني فرنسي للتعامل مع هذا المحور العالمي.

بدورهم الالمان يسارعون الى اكتشاف لقاحات للكورونا تبعدهم عن الهيمنة السياسية الاميركية ايضاً.

هل يشكل التصدي النهائي للكورونا بداية نظام قطبي جديد يقوم على الاميركيين المتراجعين من جهة والتحالف الثلاثي الصيني الروسي والايراني من جهة اخرى. ويتفتت الاتحاد الاوروبي منتجاً بذلك انهياراً تاريخياً لحلف الناتو تحت مبدأ انتفاء الحاجة اليهما.

يبدو ان مصلحة الاوروبيين تأمين فرار جماعي لدولهم من معادلة الهيمنة الاميركية التي جعلت اوروبا اكثر انغلاقاً وفقراً وتراجعاً مع دعم تأسيس نظام قطبي تنافس يعيد للقارة العجوز استقلالية تعينها على استعادة امجادها القديمة، فهل هذا ممكن؟ هناك عاملان ينالان من القوة الاميركية: الكورونا الذي التهم هيمنتها الاقتصادية ورئيسها ترامب الذي افقدها آخر ما تبقى من هيمنتها العالمية وحجر عليها في اسواق البورصة والسمسرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق