الوطنكتاب بناء

لماذا تتأجّجُ الصراعات الاستراتيجيّة بين تركيا والسعوديّة؟

} د. وفيق إبراهيم

تعكس الخلافات السياسية المتصاعدة بين تركيا والسعودية صراعاً عميقاً على زعامة العالم الإسلامي بعناوين فرعية مثال دعم الاكراد وكشف خلفيات مقتل الاعلامي السعودية جمال الخاشقجي وفضح الانتهاكات السعودية في اليمن، وإدانة أدوار «فدرالية الاخوان المسلمين» في الحروب الإقليمية ودعم أفرقاء الصراع في ليبيا وعشرات المواضيع الأخرى.

هناك اذاً قتال تركي سعودي على مستوى العالم الإسلامي بشكل يوحي انه اشتباك على ادوار كبيرة يمكن اختزالها بزعامة العالم الإسلامي وليس اقل منذ ذلك.

لذلك، فإن ما يبدو بوضوح هو ان الأتراك يحاولون الاستفادة من الخلاف الإيرانيالسعودي المفتوح منذ 1980 وما ادى اليه من ضمور الدور السعودي الى حدود الخسارة في سورية والعراق ولبنان واليمن وافغانستان ومعظم العالم الاسلامي.

ويسعون ايضاً للانتفاع من تراجع الدور الأميركي لتعبئة الفراغات التي يخلفها.

هذه من الاسباب التي تشرح دواعي القتال السعوديالتركي المتسارع نحو مزيد من تصعيد بنيوي لا يمكن التخلي عنه إلا بهزيمة واحد من طرفيه.

وللأتراك ميزات اضافية في هذا الخلاف الاستراتيجي اهمها ان دولتهم كبيرة ومتماسكة ذات تاريخ سلطاني كبير يعود الى نحو الف عام، فيما لا يرقى عمر دولة آل سعود لقرن من الزمن مع الكثير من فبركة مناوشات عشائر وعصابات يحاول المؤرخون الموالون لآل سعود تصويرها وكأنها معارك لتأسيس مملكة، فيما يجزم المؤرخون المحايدون والمعاصرون ان مملكة آل سعود هي نتاج مخابرات بريطانية أدارت في مطلع القرن العشرين غزوات قبلية ووهابية ودعمتها بإسناد جوي بري لتشكيل هذه المملكة بوظائف نفطية واستراتيجية.

كان المطلوب تأسيس دولة تلبي الاقتصاد الغربي بالنفط وتمسك بالعالم الاسلامي من خلال الحرمين الشريفين وموسم الحج وتاريخ نشوء الاسلام في شبه الجزيرة العربية.

هذا ما أداه آل سعود حتى هذا التاريخ.

لكن خسارة السعودية أدوارها في معظم البلدان العربية والمدى الإسلامي دفع الدور التركي نحو مواقع متقدمة، خصوصاً أن تركيا مجاورة لسورية والعراق وتسيطر على فدرالية الاخوان المسلمين التي أتاحت للسياسة التركية الوصول الى اليمن عبر حزب الإصلاح الاخواني وليبيا عبر قوات السراج وحزب الاخوان المسلمين القوي في مصر وأجنحة الاخوان في السودان ولبنان والاردن وباكستان وصولاً الى افغانستان التي تقيم دولة قطر المتحالفة مع تركيا علاقات عميقة مع منظمة طالبان فيها، وامتداداً نحو فروع القاعدة وداعش وهيئة تحرير الشام، فتُهدي هذه الخدمات بالطبع لصالح انتشار الدور التركي.

هذا ما أدى الى استنفار سعودي لعرقلة هذا الصعود التركي الوحيد القادر على وراثة الدور السعودي في العالم الإسلامي.

لانه يمثل دولة تركية سنية كبيرة تستفيد ايضاً من تراجع الدور المصري وشيعية إيران وازمات معظم الدول العربية في الجزائر والسودان وليبيا وتونس وسورية والعراق واليمن.

لذلك وجدت السياسة السعودية نفسها في وضع مأزوم مع تركيا لاستخدامها الاخوان المسلمين المعروفين بفكرهم الرافض للانظمة الملكية والساعي الى خلافة اسلامية بزعامة مرشدهم الأكبر. بالإضافة الى السعي التركي لبناء مراكز نفوذ له في الدول العربية والاسلامية.

لذلك وضع السعوديون خطة لعرقلة النفوذ التركي داعمين اللواء حفتر في وجه السراج حليف تركيا في ليبيا مستهدفين حزب الإصلاح اليمني الاخواني الموالي لتركيا في اليمن وكذلك يساندون الدولة المصرية في قتالها المفتوح ضد الاخوان المسلمين في صمر والسودان. موزّعين توجيهات صارمة على حلفائهم العرب والمسلمين برفض كل ما هو اخوانيتركي شملت حتى الحركات الموالية لهم في العراق وسورية ولبنان أيضاً.

هي اذاً حرب مفتوحة بين الطرفين وصلت شظاياها الى شرق سورية وأنحائها الشمالية، حيث قام مسؤولون استخباريون وسياسيون سعوديون بزيارات متعددة بواسطة مروحيات أميركية الى شمالي سورية عبر كردستان العراق وتبين أن الهدف هو عقد تحالفات بين العشائر العربية في تلك المناطق مع قوات قسد الكردية، عبر تمويل سعودي كبير للطرفين العربي والكردي في آن معاً وبموافقة أميركية.

واتضح ان الخطة السعودية تستجيب لمحاولة وقف الاندفاعة التركية من جهة وللإصرار الاميركي على تفتيت سورية بإنشاء كانتون كردي يكون من جهة أخرى مقدمة المشروع الأميركي الذي يريد تأسيس كانتون إضافي في كردستان العراق، ما يؤدي تلقائياً الى إثارة أكراد إيران وربما اكراد تركيا.

يتبين اذاً ان التنسيق التركيالروسي عميق بنظام الحاجة المتبادلة واستراتيجي وليس لمجرد لقاءات ظرفية استوجبتها تطورات الأزمة في سورية.

ما انتج ردود فعل تركية عنيفة تجسّدت بإرسال اسلحة الى حزب الإصلاح اليمني وتعزيز احتلال الجيش التركي لأراض سورية وعراقية بالإضافة الى تمتين العلاقات التركية مع الروس وإرسال تنظيمات اخوانية وإرهابية للقتال في ليبيا الى جانب السراج حليف تركيا.

ولم يتوقف الغضب التركي عند هذا الحد، بل ذهبت محكمة تركية الى اتهام قياديين أمنيين سعوديّين ومعهما نحو 18 معاوناً لهما باغتيال الخاشقجي في قنصلية بلاده السعودية في اسطنبول وهذان القياديان هما القحطاني المسؤول في الديوان الملكي السعودي والعسيري نائب رئيس المخابرات، ما يعني اتهاماً تركياً للملك سلمان وابنه ولي العهد محمد بهذا الاغتيال. ومن المؤكد ان المخابرات التركية بحوزتها ادلة اضافية واضحة تؤكد هذا الاتهام، لكنها لا تفصح عما لديها الا تدريجياً تبعاً لمستويات الصراع مع الدولة السعودية.

هناك اذاً اتهام رسمي للدولة السعودية باغتيال الخاشقجي. وهذا يكشف ان الاشتباك السعوديالتركي أصبح استراتيجياً ولم يعد مجرد تنافس محدود، وتحوّل صراعاً على زعامة العالم الاسلامي تحاول تركيا الاستفادة فيه من التراجعات الاميركية والسعودية الإقليمية. فتسعى لإعادة بعث امبراطوريتها العثمانية بلبوس اخواني.

فهل يسمح الأميركيون لهم بهذا الدور؟

يعملون لعدم دفع تركيا الى احضان روسيا، لكنهم لن يسمحوا لها ببناء امبراطورية ضخمة، فالسعودية بالنسبة اليهم تبقى البئر الكبيرة للغاز والنفط وجذب المسلمين بما تملكه من حرمين شريفين وموسم حج وتاريخ إسلامي.

لذلك تبقى السعودية افضل وسيلة للسيطرة الاقتصادية والجيوبوليتيكية، في إطار نظام تقليدي يعود الى القرون الوسطى ولا يتغير مطلقاً نحو دولة ديموقراطية حديثة قد لا تنصاع للأميركيين وتجرّد معها قسماً من العالمين العربي والاسلامي.

إن هذا ما لا يريده الأميركيون أبداً ويعرفون ان آل سعود ليسوا اهلاً له فيحتفظون بهم ملوكاً لدعم نفوذهم في العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق