أولىكتاب بناء

أنا يمنيّ وأحبّ إخواني اليمنيّين

 السفير د. علي أحمد الديلمي*

 

اتخذت التقاطعات السياسية في اليمن أبعاداً مناطقية وطائفية ومذهبية وحزبية وظلت السياسة والحكم يعتمدان على هذه الأبعاد. عام 1962 قامت ثورة شمال اليمن وانتهى حكم الأئمة من آل حميد الدين على يد مجموعة من الضباط الأحرار الشباب من كلّ طوائف المجتمع اليمني ومذاهبه ومناطقه. لكنّ الخطأ الذي وقع بعد ذلك هو عدم الاستمرار في نهج الثورة نفسه، ذلك أنّ الخطاب السياسيّ الذي اعتُمِد بعد الثورة عمّق في أذهان الشعب اليمني فكرة أنّ الثورة كانت ضدّ الهاشميين وليست ضدّ نظام حكم، (لكون الحكام كانوا هاشميّين قبل الثورة)، مع العلم أنّ الثورة شارك فيها الكثير من العلماء والقادة العسكريين والمثقفين من الهاشميين.

انطلاقاً من هذا الواقع، وفي سياق تحليل العقلية والذهنية السياسية التي سادت اليمن بعد الثورة، نجد أنّ الكثير من الهاشميّين الذين أيّدوا الثورة والتغيير أصبحوا في حالة ارتباك بين اتهامهم بالإماميّة والكهنوتيّة والسلاليّة وبين تأييد الثورة، حتى أنّ الكثير من الأسر الهاشمية غيّرت ألقابها خوفاً من الاستهداف والاستبعاد من الوظائف وغيرها من الممارسات التي حدثت بعد الثورة مباشرة وكانت قاسية جداً بحقّ الهاشميين.

بعد ذلك، وفي فترة حكم الرئيسين الراحلين إبراهيم الحمدي وعلي عبدالله صالح تحديداً، بدأ اليمنيون في الاندماج بصورة مختلفة عمّا سبق، لا سيّما من الناحية الاجتماعية والثقافية، فأصبحوا أكثر اختلاطاً وقبولاً وتوطّدت علاقات المصاهرة، رغم استمرار استبعاد الهاشميين من الوظائف العليا، وأيضاً القادمين من تعز واليمن الأسفل، وإن بصورة أقلّ.

إذاً ظلّت تلك السياسة مُتّبعة، من تحت الطاولة، والقصد هنا ليس الحديث عن مظلومية لحقت بطائفة أو منطقة أو أسرة بعينها، بقدر ما هو التأكيد على أنّ الحكم في اليمن ظلّ يأخذ بالأبعاد المناطقية والطائفية والمذهبية والحزبية. فما حدث مع الهاشميين حدث مع الشوافع أيضاً حيث ظلّ أبناء تعز وما يُسمّى اليمن الأسفل ينظرون إلى أبناء الهضبة والطبقة الحاكمة في الشمال على أنها استبعدت أبناء هذه المناطق من المناصب القيادية العليا في القوات المسلحة والأمن ويعتبرون أنّ هذه الممارسات تجاههم لم تكن مُنصِفة.

ولم يكن الحال في الجنوب أفضل من الشمال، وإن بصورة مختلفة حيث تمّ اعتماد سياسة التمييز نفسها من خلال أطر الحزب الاشتراكي اليمني حيث كانت تتمّ التحالفات والانقلابات المناطقية والسياسية داخل الحزب وبدموية أكبر ممّا حدث في الشمال.

عام 1990 تحقّقت الوحدة اليمنية واستبشر اليمنيون بها خيراً وأملوا أن تكون الحجر الأساس لبناء الدولة اليمنية المدنية الحديثة التي تختفي فيها كلّ السياسات المُجحفة التي تحدثنا عنها، لكنّ الرياح جرت عكس ما اشتهته سفن اليمنيين، نظراً لما تبع هذه الوحدة من صراع على السلطة تداخلت فيه كلّ الأبعاد المناطقية والطائفية والمذهبية والحزبية. وظلّت هذه الذهنية سائدة لدى السلطة الحاكمة التي دمّرت كلّ فرصة لبناء دولة يتساوى تحت سقفها الجميع، إلى أن اندلعت حرب 1994 والتي كانت مثالاً لهيمنة الشمال على الجنوب، بالمفهوم السياسي، حيث تحالف الرئيس علي عبدالله صالح مع حزب الإصلاح في تلك الحرب. وفي ظلّ غياب الدولة القادرة على تحقيق التنمية والعدالة لأبناء الشمال والجنوب على السواء، تشكلت كيانات جنوبية طالبت بحقوقها في الوظائف العامة والموارد الاقتصادية، وبدأت في الشمال حروب صعدة عام 2004. هذه الأحداث مُجتمعة، أكدت أنّ كيان الدولة هش وأنّ الذهنية التي تحكمه لا تنفع لإدارة دولة فيها من التنوّع ما يجعلها من أقوى دول المنطقة.

عام 2011 جاءت أحداث ما سُمِّي «الربيع العربي» وخرج الشباب اليمني المستقلّ من كلّ المناطق والطوائف والمذاهب وكانت لديه رغبة حقيقية في التغيير وبناء دولة مدنية، لكنّ الأحزاب السياسية الفاسدة ركبت موجة الثورة وحاورت السلطة وتقاسمت معها الحكومة وبقيت الذهنية المُتخلفة تحكم البلد وتمّ استبعاد غالبية الشباب. بعد ذلك وقّعت كلّ الأطراف السياسية والرئيس السابق علي عبدالله صالح المبادرة الخليجية والتي تمّ بموجبها ترتيب نظام نقل السلطة في اليمن، وتبعت ذلك انتخابات رئاسية جديدة في شباط/ فبراير 2012، وجرى انتخاب الرئيس عبدربه منصور هادي الذي وقع «اتفاق السلم والشراكة» مع الحوثيين والأطراف السياسية اليمنية الأخرى، وما تلا ذلك من أحداث حتى تقديم هادي استقالته بعد استقاله الحكومة برئاسة خالد بحاح، ثم تراجعه عنها حيث عاد لممارسة مهماته «كرئيس شرعي للبلاد» من مدينة عدن، لينتقل بعد ذلك إلى السعودية.

في آذار/ مارس 2015 تدخلت السعودية عسكرياً في اليمن ضمن ما سُمِّي «التحالف العربي» تحت شعار «استعادة الشرعية»، ولا يزال اليمن منذ خمس سنوات يعيش في دوامة من الصراع لا يُعرف مُنتهاها، ولا تزال البلاد تُحكم بالعقلية المناطقية والذهنية عينها التي ذكرناها سابقاً.

النتيجة أنّ كلّ من وصل إلى الحكم في اليمن اعتمد الأبعاد المتخلفة التي ذكرناها. وجميعنا يعرف أنّ كلّ ما حدث سببه مجموعة من اللصوص والانتهازيين الذين يأكلون الحرام يومياً من دماء اليمنيين ولا يهمهم سوى مصالحهم والأموال والمكاسب التي يحصلون عليها.

انطلاقاً من كلّ هذه المصائب التي حلت بشعبنا ووطننا اليمن، فإنّ رسالتنا جميعاً يجب أن تكون: «أنا يمني وأحب إخواني اليمنيين جميعاً بغضّ النظر عن مناطقهم أو طوائفهم أو مذاهبهم وأتمنى أن نحيا معاً في دولة عادلة تحقق لنا الحياة الكريمة والحرة والآمنة».

فليكن نضالنا جميعاً ضدّ الفاسدين والقتلة واللصوص والانتهازيين ومَن دمروا بلدنا.. ضدّ كلّ من يحاول بثّ مشاعر الحقد والتفرقة بيننا.. واجبنا أن نعمل جميعاً ضدهم ويجب أن يعلموا أنه لا يمكنهم استغلالنا في معارك ليست معاركنا. فلتكن مصالحنا واحدة وأهدافنا مشتركة لنصل إلى بناء دولة عادلة للجميع.

اليمن لي ولك ولأبنائنا وللأجيال القادمة

 

*دبلوماسي يمني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق