أولىكتاب بناء

بطون متخمة وبطون منتفخة

} علي بدر الدين

خطر كورونا الجاثم بقسوة وتصاعد خطه البياني يومياً وتوقعات دائرة انتشاره الى مناطق لا تزال آمنة نسبياً عوامل تؤشر إلى حصد المزيد من الإصابات والضحايا وآخرهم سفيرة الفلبين في بيروت. ربما الآتي وفق التقديرات وقلة الإمكانيات سيكون أقسى وأشدّ وطأة وخطراً رغم الإجراءات الوقائية التي تتخذها وزارة الصحة ضمن إمكانياتها المتاحة، خاصة انّ البلد يعاني كثيراً وأوضاعه الإقتصادية والمالية والاجتماعية في تأزّم حقيقي بلغ حدّ الانهيار والإفلاس وعدم القدرة على الحؤول دون انزلاقه الى المجهول المعلوم.

على الرغم من أنّ الفقر والبطالة والجوع لم يطرقوا فقط أبواب ما يقارب الخمسين في المئة من الشعب بل دخلوا بيوت الفقراء بسلاسة وعششوا فيها وزادوا من معاناتهم وقهرهم أشبه ما يكونوا بوباء لا يقلّ خطرا وتداعيات عن وباء كورونا المتفشي.

هذه الأهوال والأمراض الوبائية والمعيشية التي تفتك باللبنانيين بكلّ قسوة لم تؤثر بالطبقة السياسية الحاكمة ولم تردعها او تخرجها من سياسة انتهاج الفساد والمحاصصة وهي تدرك تماماً انّ كورونا لا يرحم احداً ولا يميّز بين فقير وغني ولا بين رئيس ومرؤوس أو بين مسؤول ومواطن، فالجميع هدف له وقد يقتحم القصور والفيلات والأبراج المدجّجة بالحرس والسلطة والنفوذ والأموال ومونة الشتاء والصيف وكلّ الفصول وما لذ وطاب من الأطعمة التي لا يعرف الفقراء حتى اسمها ولم يتذوّقوها حتى بأحلامهم، وأن لاخيمة فوق رأس أحد مهما كان موقعه ومهما بلغت ثروته وزاد من تسلطه واستبداده وحمى نفسه بأطباء من اختصاصات متعدّدة، لأن الجميع سواسية أمام الوباء الملعون وفي مركب واحد عند هبوب العاصفة وتمزّق الشباك سيغرق الجميع ولن ينجوا منه أحد.

المطلوب من الطبقة السياسية المتعجرفة ان تدرك أنها ليست بأمان وعليها أن تتواضع قليلاً لإنسانيتها المفقودة والى ضمائرها المعطلة وتتخلى عن عنجهيتها واستعلائها على الشعب الذي بأصواته وجهله بما يحصل وحاجته الى من يؤمّن له مرقد عنزة في إدارات الدولة ومؤسّساتها، من دون حق أصبحتم نوابا ووزراء في مواقع أكثركم لا يستحقها، وبدلاً من الوفاء وردّ الجميل نهبتم أموال الدولة والشعب وحرمتموه من كلّ حقوقه وأهدرتم الكرامات وغطيتم الفساد الذي تحوّل إلى ثقافة يتفاخر فيها البعض، وتشاركتم مع المصارف وحيتان المال والتجار الجشعين للسطو على أموال المودعين وإذلالهم وعلى التحكم بسعر صرف الدولار الذي بلغ نحو ثلاثة آلاف ليرة وغلاء جنوني وغير مسبوق للسلع والمواد الغذائية وكذلك أسعار مستلزمات الوقاية من كورونا من دون رقيب أو حسيب.

ويبدو انّ هذه الطبقة ان وقع كورونا عليها او وقعت عليه لا فرق عندها لاعتقادها أنها محمية ومحصّنة بما تمتلكه وانها قادرة على هزيمته كما هزمت شعبها عندما رفع صوته مطالباً بأدنى حقوقه. ها هي اليوم كما بالأمس ينطبق عليها المثل الشعبي الذي يقولالناس بالناس والقطة بالنفاس، الناس الذي انتفخت بطونهم من القلة والحرمان والجوع بعد أن احتموا في منازلهم من كورونا وتعطلت أعمالهم وأقفلت الشركات والمؤسسات والمصانع والمهن وأقفرت الشوارع من ناسها الذي حضنها الفقر والجوع والمرض والقهر والذلّ. في حين انّ الطبقة السياسية على اختلافها موالاة ومعارضة تقاتل بحثاً عن حصتها في التعيينات الموعودة إرضاء للمحظيين من الأقارب والأصدقاء، ومقدمي الخدمات لتأمين مستقبلهم في مواقع رسمية، تدرّ عليهم ذهباً ومالاً وفيراً قبل ان يأفل نجم الكثير منها وتنتهي صلاحيتهم ومن أجل تبرئة ذممهم قبل فوات الأوان ولا هم يشغلهم سوى إشباع بطونهم المتخمة أساساً بالثروات والعقارات والتعيينات ومن بعدهم لا ينبت حشيش وليحصل الطوفان.

انّ هذه الطبقة المصرّة، على تغليب مصالحها على مصالح الوطن والشعب عن قصد أو من دونه تقحم الحكومة في سياستها المعتمدة منذ ثلاثين سنة وإظهارها عاجزة وفاشلة ومقيّدة لا حول لها ولا قوّة ولا دور وتحويلها إلى شاهد ما شفش حاجة لأنها وحدها تملك الخبرة الكافية لإدارة شؤون البلاد والعباد وانها امتهنت سياسة الفشل وخيبات الأمل وأفلست الدولة وراكمت عليها الديون وألبست اللبنانيين ثوب الفقر والجوع والحرمان. هذا لا يعني ان يبقى رئيس الحكومة ساكتاً وغير مبال لما يحصل وكفاه التزاماً بمقولةإذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وقد سبقه وزراء في حكومته إلى إعلان موقف من الذي يحصل وخاصة لجهة التعيينات وقد هدّد بعضهم بكشف المستور او الاستقالة.

على رئيس الحكومة المحاصر من قوى سياسية ان يتخلى عن صمته غير المبرّر ويقول كلمته الفصل ويستعيد المبادرة، خاصة انّ حكومته مهدّدة، وهذا ليس سراً، وبقاء تمثيل بعض هذه الحكومة مشروط بأخذ حصته في التعيينات ولا بدّ من اتخاذ موقف استثنائي في ظروف استثنائية، ولا تكفي الوعود وتشكيل اللجان والهيئات لطمأنة اللبنانيين، فهل يهدّد بدوره باستقالة يفاجئ فيها الجميع ويقلب الطاولة ويعطل فرامل المتسابقين الى جنة تقاسم الحصص ويوقف تدحرج كرة النار قبل ان تحرق ما تبقى من هذا البلد. قد لا يحصل هذا السيناريو لخطورة الوضع والمستجدّ الكوروني القاتل، وقد يفسّر على أنه هروب من المسؤولية في الوقت الخاطئ، ولأنّ في البلد حرصاء جداً على الصمود والمواجهة والإنقاذ وعدم سقوطه، ولكن لم تعد تفيد المعالجات الشكلية وأنصاف الحلول وسياسة التراضي في كثير من الملفات والقضايا الوطنية الكبرى والأهمّ إقلاع الطبقة السياسية عن تدخلها في كلّ صغيرة وكبيرة ولتفتح المجال للحكومة ان تمارس وظيفتها ودورها وفق الأنظمة والقوانين المرعية.

انها الفرصة الأخيرة التي يجب ألا تضيع وسط غبار المصالح وإلا فلتطلق رصاصة الرحمة على لبنان وحكومته وطبقته السياسية ولتتحمّل مسؤولية قتل الناس إما جوعاً او مرضاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق