أولىكتاب بناء

إلى حسّان دياب: لا تَهَبْ… خصومك فلن يُسقطوك لئلا تُسقطهم الانتفاضة

 د. عصام نعمان _

كانت النصيحة قديماً بجمل. لا جمال في لبنان حاليّاً وليس لدى الحكومة أصلاً ثمن جمل تدفعه لي أو لغيري من المتبرّعين بنصائح. لذا نصائحي ونصائح غيري من ذوي النيات الحسنة ستبقى بطبيعة الحال مجانية.

الدافع لنصيحتي الأولى ما يتعرّض له الرئيس حسان دياب وحكومته من حملات سياسية وإعلامية لمناسبة اتخاذ بعض القرارات الحساسة، لا سيما ما يتعلق منها بملء المراكز الشاغرة لنواب حاكم مصرف لبنان، ولمفوض الحكومة لدى المصرف، ولرئيس وأعضاء لجنة الرقابة على المصارف، ولأعضاء هيئة الأسواق المالية وغيرها من المراكز المفتاحية المالية والإدارية. ذلك أنّ معظم المتحاملين والمعترضين كانوا من أبرز المسؤولين عمّا تميّزت به التعيينات في عهود سابقة من محاباةٍ ومحاصصة وفساد، أو كانوا من حلفاء وشركاء هؤلاء المسؤولين المتورّطين او المدافعين عن أشخاصهم وسياساتهم.

كان من الطبيعي أن يتأثر الرئيس دياب بهذه الحملات وأن يجنح تالياً إلى تأجيل اتخاذ القرار النهائيّ بشأن التعيينات موضوعها، بل أن يهرع إلى مقابلة بعض أصحاب الحملات مستوضحاً أبعادها وأغراضها. لكن، هل من الضروري أن يحاول التوصل معهم الى تسويات مريبة بشأنها؟

إذا ما واصل دياب وحكومته نهجَ مراعاة الزعماء وأصحاب الحملاتوبعضهم مسؤول عمّا أنتجته عهودهم في السلطة من مآسٍ وارتكابات ومفاسد ــ فسيكون أشبه بمن يطلق النار على قدميه فيصبح عاجزاً عن الحركة، بل ربما سيجد نفسه مضطراً، عاجلاً أو آجلاً، الى الاستقالة.

نصيحتي للرئيس دياب ان ينفتح على أصحاب النقد الإيجابي كما على الاقتراحات الصادرة عن معترضين غير مغرضين وأن يدير ظهره للمغرضين، فهو أعلن عند تأليف حكومته أنه يتبنّى المطالب المحقة للانتفاضة الشعبية، وانه ساعٍ إلى تحقيقها، فلا مصلحة له ولا لأهل الانتفاضة، إذن، بتضييع الوقت في الاستماع الى الخصوم العتاة ومراعاتهم.

قد يقول قائل: أليس حسان دياب مضطراً الى حماية حكومته بمراعاة زعماء الأحزاب والكتل البرلمانية لأن لا أكثرية خاصة به في مجلس النواب؟ الجواب: مَن جاء بحسان دياب الى السلطة ليس هؤلاء الزعماء وأصحاب النفوذ بل ضغوط الانتفاضة الشعبية التي حملت سلفه رئيس الحكومة السابقة سعد الحريري على الاستقالة، كما أكرهت أركان الشبكة السياسية الحاكمة على الإتيان بحكومةٍ من غير أعضاء الكتل البرلمانية. أكثر من ذلك: الحقيقة الراجحة انّ كلّ أصحاب الحملات عليه ومن يقف وراءهم من زعماء الأحزاب والكتل البرلمانية متخوّفون من إسقاط حكومته بل عازفون عن ذلك لسبب بسيط هو عجزهم عن الاتفاق للإتيان بحكومة بديلة. حتى لو اتفقوا على ذلك، فإنّ إقدامهم على إسقاط الحكومة سيؤدّي إلى إلهاب مشاعر الناس الفقراء والجائعين والساخطين كما الى تعزيز الانتفاضة الشعبية واستقوائها على كلّ أعدائها وأعداء المواطنين الفقراء وذوي الدخل المحدود في هذه المرحلة العصيبة.

فيا أيها الرئيس حسان دياب: أقدم ولا تهَب لأنّ خصومك لن يُسقطوك لئلا تُسقطهم الانتفاضة الشعبية. احرص على الاستجابة لمطالب الناس الفقراء والجوعى والمرضى كما لمطالب الانتفاضة وستكون أنت المنصور والمنتصر.

النصيحة الثانية أسديها لقادة الانتفاضة الشعبية، أو بالأحرى لـمجموعات 17 تشرينأيّ: المرصد الشعبي لمحاربة الفساد، عامية 17 تشرين، الحركة الشبابية للتغيير، شباب المصرف وحلّوا عنا”. قرأتُ مطالبكم وهي محقّة بما لا يقبل الشك، لا سيما مطلبتعيين أشخاص لا يخضعون لإملاءات السياسيين وأصحاب المصارف، قادرين على منع المصارف من القيام بتجاوزات غير قانونية وطبعاً كشف من هرّب أمواله الى الخارج من سياسيين ونافذين ومصرفيين”.

نعم، يجب دعمكم بقوة لتحقيق مطالبكم بالضغط الشعبي وبكلّ الوسائل المتاحة ما عدا العنف. لكن حذار التصرف على نحوٍ تؤدّي ضغوطكم الى الالتقاء، من حيث لا تريدون، بجوقة السياسيين المسؤولين عن إيصال البلد الى ما وصل إليه من انهيار مالي واقتصادي وضائقة معيشية ومديونية عامة هائلة ومواطنين فقراء وجوعى ومرضى.

كونوا واقعيين، بمعنى فهم الواقع وموازين القوى لضمان النجاح في تغييرها أو تعديلها، واضغطوا على الحكومة لتحقيق ما هي قادرة فعلاً على تحقيقه، وإذا تلكّأت وسقطت تحت وطأة الضغوط الشعبية، فلن تحزنوا طبعاً لسقوطها بل ستكونون في طليعة القياديّين الشرفاء القادرين على تحقيق الهدف الأعلى والأهمّ: إسقاط نظام المحاصصة الطوائفية والبدء في بناء الدولة المدنية الديمقراطية.

غير أنّ تحقيق الهدف الأعلى المنشود يبقى مشروطاً بإقدامكم ونجاحكم في الاتحاد والتضامن والتوصّل الى اجتراح صيغة جبهوية فاعلة وقادرة على النهوض بمهمّتين استراتيجيتين: تأجيج النضال الشعبي ضدّ أهل نظام المحاصصة الطوائفية الفاسد، والتركيز على مهام بناء النظام البديل: الدولة المدنية الديمقراطية.

لا وقت للتباطؤ أمام عناد الخصوم وتداعيات جائحة كورونا.

*وزير سابق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق