الوطن

المعادلة الحريريّة تهدّد الاستقرار في لبنان

} د.وفيق إبراهيم

يتكتل بعنف غير مسبوق سياسيّون من طوائف متنوّعة ومعهم رأسماليون ومصارف ورؤوس إدارات رسمية وعامة وقضاء وقادة من الأمن والجيش ووسائل علام للدفاع عن المعادلة الحريريّة.

يبدو أنّ كلّ هؤلاء عاجزون عن الدفاع عن هذه الحريرية فتتولىخيمة التغطية الخارجيةإطلاق إنذاراتها نحو السلطات التنفيذية اللبنانية لعدم المسّ بأيّ من موظفي الحريرية في مختلف القطاعات والطوائف.

هذا يكشف بوضوح أنّ الحريرية لا تنتمي الى طائفة ولم تتأسّس للدفاع عن مذهب بعينه.

ولو كانت على هذا النحو، لما كان الأكثر فقراً في لبنان هم أبناء السنة في شمالي لبنان والبقاع الذين جذبتهم لتأييدها بالتحشيد الديني في بلد تستعمل كامل عصبياته السياسية والتحريض الديني لحماية مغانهما المسروقة من المال العام.

أولاً ما هي هذه الحريرية؟

هي معادلة داخلية بناها المرحوم رفيق الحريري في تسعينيات القرن الماضي بتغطية أميركية سعودية وجدت نفسها مضطرة للتفاوض مع النفوذ السوري في لبنان. ووضع اليد على لبنان السياسي.

هذا ما أتاح للحريري تنفيذ خطة للسيطرة على لبنان بوسيلتين: التغطية الخارجية ووضع اليد على لبنان السياسي والاقتصادي والمصرفي والإداري والأمني بأسلوب مباشر وبالتحالفات مع قوى الطوائف الأخرى.

فجرى تنفيذ هذه المعادلة بإحكام وبشكل أرضى كلّ القوى الطائفية الأخرى في لبنان وقوى الكهنوت الديني المتنوّعة التي كانت تتكفل بالتحشيد والتهليل والمباركة، ما جعل الحريري يمسك بثلاثية النفوذ الخارجي الأميركي السعودي وقوى الداخل الأساسية عند الشيعة والدروز والمسيحيّين من مختلف مذاهبهم ومعهم أجنحتهم المذهبية.

لا بأس من إشارة طفيفة الى انّ الدعم الخارجي للحريري وهيمنته على قطاعات التوظيف العام والخاص، أتاح له إلغاء كلّ المنافسين السياسيين السنة باستثناء الذين التحقوا به فأبقاهم كأشكال لتعزيز زعامته من خلال رائحة التاريخ.

أدّت هذه الهيمنة الى تأسيس المعادلة الحريرية التي انتصبت على تحالفات سياسية هي الأقوى من نوعها في التاريخ السياسي اللبناني.

وسيطرت على حاكمية مصرف لبنان وجمعية المصارف وأوجيرو وطيران الشرق الأوسط ومجلس الإنماء والإعمار وقوى الأمن والقضاء التنفيذي، بالإضافة الى مئات المواقع الأساسية أمسكت بها إما مباشرة او من خلال حلفائها.

لقد صمدت هذه المعادلة حتى بعد تأزّم العلاقات الأميركية مع سورية وإيران واستفراد الحريرية بمعادلة الداخل من خلال سقوط الثلاثية الخارجية وتحوّلها ثنائية أميركية سعودية، لكن صعود حزب الله في مقاومةإسرائيلودحر الإرهاب عرقل هذه الثنائية، متيحاً لرئيس مجلس النواب نبيه بري أداء الدور السوري المفقود في هذه المعادلة، وهي أيضاً ترجمة للقوة الشعبية الكبيرة التي يحوز عليها الرئيس بري.

إنّ هذه المعادلة الحريرية استدانت حتى 2019 نحو مئة مليار دولار، وأغرقت لبنان بهيمنة سياسية وإدارية هي الأفسد من نوعها في التاريخ اللبناني وجعلت القضاء هراوة في يد السياسة وأبعدته عن العدل، ووضعت الدولة في خدمة مؤتمرات الرعاية الخارجية.

وتحوّل لبنان إلى إمارة استباحتها هذه الحريرية على حساب إلغاء كامل لسلطة القانون لمصلحة النفوذ السياسي الذي فتك بكلّ ما هو رسمي.

فكانت نتائج هذه المعادلة الطوائفية دفع لبنان نحو إفلاس اقتصادي كامل بديون أكبر من حجم بلد لا إنتاج فيه وليس لديه موارد لتأمين المراوحة فقط وليس النجاة.

ولأنّ المعادلة الحريرية أدركت حجم هذه الهاوية فاعتقدت أنّ بإمكانها ممارسة سياسة الانسحاب الظاهري من السياسة التنفيذية، في هدنة مرحلية تتسلّمها حكومة محايدة هي التي تتحمّل مسؤولية الانهيار في حالة وقوعه.

اما إذا قاومت واستمرت فإنّ عليها المحافظة على الحريرية السياسية في السياسة والاقتصاد والإدارة والجيش والأمن والقضاء.

هنا حدث التباين خصوصاً أنّ الحكومة الحالية ربطت بين ضرورة الصمود وبين حتمية إزالة المواقع القيادية التي تسبّبت بفسادها بهذا الانهيار الاقتصادي ولا تزال تؤدي الدور نفسه حتى الآن.

لذلك هبت المعادلة الحريرية للدفاع عن بناها في الدولة على شكل دفاع عن حاكم مصرف لبنان الذي قاد السياسة المالية نحو الهاوية في السنوات الأخيرة.

حتى أنّ ثروته الشخصية تزيد عن الملياري دولار وتوالت أعمال الدفاع لتغطي الحدث في طيران الشرق الأوسط ورؤساء أوجيرو والبعاصيري في مصرف لبنان الى جانب الحاكم وقيادة قوى الأمن والقيادات التنفيذية في القضاء ورؤساء مجلس الإنماء والإعمار ونواباً ووزراء فاحت روائح فسادهم حتى أنّ هذه التغطية شملت جمعية المصارف بشكل عززت رفضها أيّ مساهمة بمبالغ فعلية لمنع الانفجار الاجتماعيّ في لبنان.

لقد باتت الأسلحة التي تستعملها الحريرية للدفاع عن هيمنتها وتبدأ بالخارج الأميركي الخليجي والأوروبي التي رفع عصاه في وجه الدولة اللبنانية تحت شعار عدم المسّ بالحريرية الإدارية.

أما في الداخل فلجأت الحريرية الى قواها السياسية في كلّ الطوائف وقياداتها الإدارية ووسائل الإعلام لإعداد برامج عن أفضال رياض سلامة ومحمد الحوت على لبنان والإشادة بمناقبية المرحوم رفيق الحريري وابنه سعد والسنيورة كما بدأت تتحضّر لاستعمالالفتوى الدينيةالحاسمة في المراحل الأصعب.

لذلك تدعم الحريرية رفض المصارف بتحديد أمكنة وجود ودائع اللبنانيين قيمتها 120 مليار دولار وأموال أخرى جرى تهريبها بتغطيات من مصرف لبنان المركزي.

فتبدو خطتها واضحة، وهي المحافظة على المعادلة الحريرية بطبقاتها السياسية والاقتصادية والإدارية على حساب توفير موارد لتأمين الحدّ الأدنى من الاستقرار في زمنين مخيفين: الانهيار الاقتصادي وجائحة الكورونا التي تعصف بالعالم بأسره.

لبنان إذاً أمام حريرية تحرّض على لبنان في الغرب والخليج وتمنع عنه المساعدات والقروض، وتدافع عن مواقع الفساد في الداخل لحماية معادلتها وتحمي الاستبداد المصرفي بشكل تبدو فيها وكأنها تعمل على انهيار الوضع اللبناني لتغطية آثامها وجرائهما فيعود الخارج الغربي والخليجي الى تأمين مستلزمات إعادة البناء على أساس التجديد للحريرية السياسية.

فهل هذا ممكن؟ هذا مرتبط بالحركة الحالية لحزب الله التي تواصل دكّ المعاقل الحريريّة برزانة تحول دون تحويل هذا الصراع السياسي الى صراعات طائفية يختبئ وراءها الفاسدون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى