أولىكتّاب البناء

بين قصّ الشعر وقطع الرؤوس

 د. عدنان منصور*

تطلّ علينا كلّ يوم، تسريبات وتصريحات ومعلومات تشير كلها، الى انّ الدولة لا مجال أمامها للخروج من الأزمة المصرفية والمالية، ومن الوضع الاقتصادي والمعيشي المنهار، سوى اللجوء الى سياسة التعدّي المباشر على أموال المودعين، واقتطاع جزء منها.

لقد فوّض المودعون منذ سنوات أمرهم للدولة ومعها مهندس المصرف المركزي، وعراب الهندسات المالية، الذي اعتبروه يوماً، وطيلة فترة حاكميته الميمونة، الآمر والناهي في كلّ صغيرة وكبيرة، وقدر وأمل النظام المالي والمصرفي، والحاكم الذي لم تلده، ولم تشهد مثله البنوك المركزية في العالم، حيث كان اللبنانيون، لا سيما أصحاب الودائع، عندما يستمعون الى تصريحاته العالية الثقة، يعتبرون أنه الرجل المناسب في المكان المناسب، الذي جاء في موعده عام 1993 مع قدر لبنان، في إعادة بنائه ونهضته من جديد، بعد حرب أهلية مدمّرة ودامية شهدها لسنوات. إلا أنه وللأسف الشديد، في هذا التاريخ، بدأت منظومة فساد جديدة متكاملة بمفهومها وأدائها، تتأسّس على يد من رسم خطوطها العريضة، قادها ودرّبها وموّلها ورعاها وحماها، لتوصل لبنان واللبنانيين في نهاية المطاف ، الى ما وصلوا إليه في وقتنا الحالي، وما ورثوه من بطالة عالية، وفقر مدقع، وجوع قاتل، ويأس محبط، وإفلاس كبير

واليوم وبعد كلّ السياسات المالية المشبوهة العقيمة، وما نجم عنها من فساد وسرقات ونهب منظم للمال العام، ومال المواطنين، هناك من المسؤولين من يظنّ، انّ الخروج من المستنقع والأزمة المالية التي تبشر اللبنانيين بالإفلاس، وبأيام سوداء، هو اللجوء الى اقتطاع جزء من أموال المودعين، واعتماد إجراءات مالية تعرف بالـ hair cut.

وهنا نتوقف قليلاً لتقول: هل يدرك الذين يغضّون النظر عن ناهبي ومهرّبي ومختلسي أموال الشعب والدولة، ويحاولون اللجوء الى سياسة ترمي الى السطو المقونن على ودائع المواطنين وسرقتهم علانية لأموالهم، من خلال اعتماد سياسة الـ hair cut هذه، العصابة المالية المؤلفة من حيتان وتماسيح المال الحرام، التي سرقت ونهبت على مدار عقود، حيث كان عرابها، يروّض المودعين، بتصريحات مطمئنة على الدوام، كانت تخفي وتبيت في داخلها أسوأ وأخبث سياسة مالية جسّدت أقبح فساد، لم يشهد لبنان مثيلاً له من قبل؟ عصابة بكلّ المقاييس، أفقرت شعباً، وأذلّته وجوّعته واغتالت آماله وأحلامه ومستقبله في الصميم.

هل تدرك هذه الطغمة، الى أيّ منحدر أوصلت لبنان واللبنانيين اليه؟! هل تعلم أنها أفقدت ثقة المواطن اللبناني، المقيم والمغترب لسنوات طويلة، لا أحد يعرف مداها، بالنظام المصرفي والمالي اللبناني؟!

وهل تتصوّر هذه الطغمة لحظة، أنه بسبب فسادها وسرقاتها الممنهجة والمنظمة، سيجرؤ أيّ لبناني بعد اليوم، وبالذات المغترب، ان يودع حساباته في ايّ مصرف لبناني؟! ما الذي تركته هذه العصابة للمستقبل؟! كيف يمكن للمغتربين اللبنانيين الذين تغرّبوا عن بلدهم قسراً، بسبب ضيق العيش فيه، والذين أمضوا حياتهم، يحصلون رزقهم ومعيشتهم بالدم والعرق والتعب والدموع، من أجل توفير حياة كريمة لهم ولأولادهم، والمساهمة في بناء وطنهم الأم مع أبناء جلدتهم، ليروا بعد ذلك، كيف انّ تعب حياتهم، وجنى عمرهم يُسرق على يد قطاع المال ويذهب هباء منثوراً؟

 هل يدرك من يهرول وراء الـ  hair cut انّ هذه السياسة المالية ستفقد ثقة الخارج بالنظام المصرفي والمالي، ولن تشجع الأجانب بعد ذلك على التعاطي مع النظام المصرفي والمالي، ولن تحثهم على الاستثمارات وتوظيف الودائع والتحويلات بسبب غياب الضمانات الضرورية لها؟

هل بسياسة الـ hair cut ، ستعزز الدولة احترامها وسمعتها ورصيدها والتزاماتها وقراراتها، ام انها ستضحي بسمعة لبنان وأجهزته ومؤسّساته المصرفية والمالية، وصدقيته والتزاماته النقدية؟!

أليس الأفضل لها، وبأسرع وقت، استرجاع أموالها المنهوبة، وتحصيل الضرائب المتوجبة على المتهرّبين منها، ووقف الصفقات المشبوهة، والسرقات والهدر في قطاعات ومؤسّسات الدولة، والعمل على استغلال ممتلكاتها العقارية ومرافقها على أكمل وجه، من خلال حكم رشيد، يوفر لها في ما بعد، العائدات الضرورية والعاجلة، كي تكون في خدمة الدين العام على المدى المتوسط والبعيد؟

 حذار من حماية اللصوص ومدّ أيديهم على أموال المودعين، وتطبيق إجراءات الـ  hair cut. فمن يضمن بعد ذلك غضب الشعب، إذا ما طبقت عليه، أن لا يثور، ويدفعه يأسه وإحباطه الى انتفاضة عارمة تجرف قاطعي رزقه، وتحمله على ان يطبق عليهم هذه المرة حكمه العادل: حكم الـ head cut؟!

كلّ شيء محتمل، ولم يعد مستبعداً او مستحيلاً. فكلّ شيء في أوانه، والعبرة لمن يتعظ

*وزير سابق.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق