كتّاب البناءمقالات وآراء

فايروس كورونا يُغيّر مشهدية
«الشرق الأوسط»

} ربى يوسف شاهين

لم يكن بالحسبان ومع كمّ الحروب في منطقة الشرق الاوسط، أن يأتي حدث جلل مُختص في أدق وأكثر النقاط حساسية في جسم الإنسان، ليكون عوناً لمصائب الحروب في زيادة عدد قتلى البشرية؛ فايروس كورونا أو كوفيد 19. اللافت في هذا الفايروس أنه شمل الكرة الأرضية بأسرها، فاختلف بعدد قتلاه بين كلّ دولة على حدة، وتشابهت الإجراءات للوقاية منه بين الجميع، وبرزت نقاط الضعف والقوة بين الدول في متانة نظامها الصحي.

فجأة توقف مشهد الصراعات وأخبار العمليات العسكرية والعنف، ما بين الاقتتال في المناطق الساخنة، وبين متظاهرين يُطالبون بإصلاحات تؤمّن لهم أبسط حقوقهم المعيشية، والسبب فايروس كوفيد 19؛ هذا الفايروس الذي أدخل الرعب على قلوب الجميع، من أعلى الهرم البشري إلى أدناه، لم يوفر بلداً من تهديداته المباشرة والغير مباشرة، فوضع بتواجده حداً مفاجئاً للصراعات القائمة، والنسب اختلفت ما بين مُدرك لخطره وبين متهاون به.

السؤال الذي يُراود الكثيرين، وعلى سبيل المثال، فإنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يتوقف عن ممارساته في الشمال الشرقي من سورية؟ ولماذا لم يخفف من عقوباته الاقتصادية على سورية وإيران وفنزويلا وكوبا؟ وما هو الرادع للعملية السياسة الهوجاء للأميركي والتركي والسعودي في المناطق التي يحتلونها؟ وما مدى الإنسانية التي ينادون بها تحت اسم الديمقراطية؟

نشر موقع «ذا ديلي بيست» الأميركي في تقرير له 7 أبريل/ نيسان واصفاً الوباء «بأنه كالزلزال الذي وضع نظارة مظلمة على نقاط الضعف البنيوية في البلدان الأقلّ استعداداً وأبرز الفساد الضارب في جذور الأنظمة السياسية والظلم الاجتماعي المستشري في المنطقة».

فقد ظهرت عدة معطيات جديدة على الساحة الإقليمية «الساخنة»، تجلت ما بين انهيار في أسعار النفط نتيجة الحرب القائمة على مبدأ «سيطرة النفوذ المالي»، والتي أشعلتها السعودية ضدّ روسيا، فمسألة الموازنة العامة على الدخل من النفط، التي تقوم عليها بعض الدول تستخدمها عقول الحرب لتُحدث انهيار اقتصادي، يُسعفها في حربها، بالتزامن مع وباء كورونا والخاسر الأكبر الشعوب.

بالإضافة إلى موجة الاحتجاجات ضدّ الفساد، والتي ظهرت في العديد من البلدان العربية كـ لبنان والجزائر والعراق، والتي اخذت منحى تصاعدياً أدّى إلى مقتل العديد من المتظاهرين كما في العراق، ليتوقف فجأة المشهد مع اختراق الفيروس لجسد الإنسان في البلدان المذكورة.

ففي لبنان كانت الاحتجاجات القائمة تُدلل في البداية على أحقية الشعب اللبناني في المطالبة بحقوقه التي ينهبها بعض أفراد الطبقة الحاكمة، لتستغلّ السياسة الاميركية المنحى لصالحها، وذلك في مقارعة الخصم الإيراني، المحسوب على حزب الله، في استغلال مباشر للنزاعات الحاصلة في المنطقة ككلّ، ليأتي الوباء ويكشف عن فراغ الخزينة المالية في لبنان، وكمّ الديون التي يغرق بها لبنان، فكيف سيواجه الوباء؟

أما العراق هذا البلد الذي يختلف فيه المشهد، من حيث ما يعانيه من الغطرسة الأميركية التي تعيث فيه منذ 2003 خراباً ودماراً على كافة الأصعدة، ليأتي الوباء ويوقف ما قام به المتظاهرون على عدة شهور، من المطالبة بحقوقهم المدنية والمعيشية، في ظلّ تهاوي السلطة المرتهنة للأميركي، فكيف ستتمّ المعالجة والعدو الأميركي يقبع في قواعده يُكمل مخططاته للنيل من العراق، قبل إيران العدو الاوّل له وللإسرائيلي.

الجزائر، وفي وقت سابق ومع الاحتجاجات الأسبوعية للمتظاهرين لتحقيق مطالبهم، في اختيار رئيس توافقي من قبل الشعب بأكمله، لتحقيق أبسط الحقوق، يأتي فايروس كورونا فجأة ليصيب مقتلاً في الشعب الجزائري، بالإضافة إلى تبعات حرب أسعار النفط التي قامت ومنعكساتها على هذا البلد، الذي يعتمد اقتصاده بشكل شبه كامل في الموازنة العامة للدخل على عائدات النفط، فكيف سيتم التعامل مع الاخطار المجتمعة في ظلّ الوباء؟

وفي مصر، ومع الركود الاقتصادي الشامل لجميع القطاعات، كيف سيتمّ التعامل مع الطبقة الفقيرة التي تعيش من عملها اليومي في ظلّ هذا الوباء وإجراءات الحظر المتبعة؟

والسعودية البلد الأبرز تأثراً بالوباء، والذي أشعل حرب أسعار النفط، والذي لم تتوقف عملياته العسكرية العدوانية على اليمن. ما هو المنطق السياسي في التعامل مع الدول التي لم يردعها الوباء؟

في المحصلة الحروب البشرية منذ الأزل كانت تقوم على القتل للعنصر البشري، ومع التطوّر العالمي بدأت تأخذ منحى متصاعداً من العبث اللاأخلاقي بالطبيعة البشرية والكونية، وما آل إليه العالم الآن من تفشي هذا الوباء، لأكبر دليل على انّ العلوم غير المدروسة بأخلاق، لا تنتج سوى الدمار للكائن الأول «الإنسان».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق