أولىكتاب بناء

«الهيركات» المفتوح جريمة و«الهيركات» المشروط فضيلة

 البروفسور فريد البستاني*

 

في مرحلة من مراحل الجدل حول الخطط المالية، بدا أنّ وضع مصطلح «الهيركات» في التداول، والمقصود اقتطاع نسبة من الودائع المصرفيّة، يشكّل المنفذ الرئيسيّ الذي يمكن أن يحقق التوازن بين وجود مطلوبات عالية فوق قدرة المعنيين بها، وبين حقوق أصحاب هذه المطلوبات. فالمطلوبات لحساب مصرف لبنان من الدولة فوق قدرتها على السداد، ومطلوبات المصارف من مصرف لبنان فوق قدرته على السداد، ومطلوبات المودعين من المصارف فوق قدرتها على السداد، وظهر «الهيركات» كمخرج سهل يرمي بالأعباء على الطرف الأضعف بالجملة والتساوي. وهو هنا المودعون الذين لا يتحمّلون أيّ مسؤولية قياساً بالدولة ومصرف لبنان والمصارف، الذين يتقاسمون هذه المسؤولية. فالدولة عبر مؤسّساتها تهاونت بإنفاق يشوبه الفساد والفوضى لمال تستدينه بفوائد مرتفعة، وتهاونت مع هندسات مالية واستثمارات بفوائد عالية أجراها مصرف لبنان لحساب المصارف، ومصرف لبنان صاحب القرار بالفوائد المرتفعة والهندسات المالية تهاون فوقها بمواصلة استثمار أموال المصارف الآتية من ودائع المودعين في ديون، ظهر منذ مدة أنّ تراكمها سيجعلها ديوناً هالكة، والمصارف التي استفاد أصحابها بتحقيق أرباح خيالية من الفوائد المرتفعة لمصرف لبنان ومن الهندسات المالية، تهاونت في قبول مواصلة استثمارها المبالغ به لدى مصرف لبنان وفي سندات الدين، وهي ترى بأمّ العين اللحظة الآتية لانهيار حتمي، مع عجز يتراكم في خزينة الدولة، حيث تذهب وتهدر الأموال التي يتلقاها مصرف لبنان لقاء فوائد مرتفعة من المصارف، من دون أن تقيم حساباً لمسؤوليتها بالأمانة عن أموال المودعين.

شكل الدفاع المشروع عن قدسية ودائع المودعين عنواناً مناسباً استفاد منه الذين يريدون الاحتماء بالرأي العام لإسقاط أيّ مساءلة عن الأموال التي يجب أن يطالها «هيركات» عادل ومشروط، فكانت تصريحات لرئيس الحكومة توضح بأنّ 90% من حسابات المودعين لن تمسّ، ثم رفع النسبة إلى 98%، وصار واضحاً أنّ الحديث يدور حول 50 ألف حساب مصرفي تزيد ودائعهم عن نصف مليون دولار، فهل تطبيق الاقتطاع بنسب متساوية أو متدرّجة حسب حجم الوديعة من هذه الودائع خيار صائب؟

الأكيد هو أنّ المساواة في اقتطاع أيّ نسبة من أيّ وديعة مهما كان حجمها بين مَن حقق فائدة غير مشروعة من المال العام، ومن لا يوجد في تكوين وديعته أيّ سبب موجب ناجم عن ارتكاب صاحبها لاستفادة غير مشروعة، هو جريمة بحق النزاهة، وتشجيع على الفساد، لأنه يساوي المرتكب بغير المرتكب، ويخفي الفساد تحت ستار تحميل أصحاب الودائع المتوسطة والكبرى مساهمات، ستبدو في الظاهر تضحيات لا بدّ منها للمصلحة العامة، لكنها في هذه الحالة ستفقد صفة التضحية بنظر الذين لم يرتكبوا خللاً مالياً، بل ستبدو جزية وأتاوة غير محقة انتزعت منهم جنى العمر، بينما ستبدو للذين ارتكبوا جرماً بحق المال العام مكافأة على ما فعلوا، وعموماً ستظهر مساساً بقواعد الاقتصاد الحرّ بإنزال عقوبة طبقية بحق المودعين المتوسطين والكبار، بسبب حجم ودائعهم لا بسبب جرم ارتكبوه، والحصيلة إحباط وربما رحيل الرأسمال الوطني النظيف، وتبييض ومكافأة الرأسمال الاستهلاكي والمشبوه.

ليس من الخطأ تحديد عتبة نصف المليون دولار للودائع المطلوب إخضاعها للمساءلة، بل الخطأ إخضاعها للاقتطاع دون مساءلة، والهيركات المفتوح يفعل ذلك بينما الهيركات المشروط بغير حجم الوديعة بل بأفعال صاحبها ومصادر تكوينها هو المنشّط للاقتصاد، والمحقق للعدالة، والمقترح هو التالي:

ـ إعادة احتساب الفوائد بمفعول رجعي على كلّ الحسابات بما فيها الودائع وسندات الخزينة، بين الدولة ومصرف لبنان، وبين مصرف لبنان والمصارف، وبين المصارف والمودعين، بحسم 50% على الفوائد وإعادة تكوين القيمة الجديدة للحسابات على هذا الأساس.

ـ إلغاء مفاعيل الهندسات المالية، وإلزام المصارف بإعادة كلّ الأموال المحوّلة إلى الخارج واسترداد سندات اليوروبوند المبيعة للخارج، وتحويل قيمتها إلى لبنان.

ـ إلزام المصارف بزيادة رساميلها بقيمة نصف الأرباح المحققة بعد إعادة احتساب أسعار الفائدة وإلغاء الهندسات المالية.

ـ التدقيق بكلّ الحسابات التي تزيد عن نصف مليون دولار ومصادر تكوينها، فكلّ ما لا صلة له بالمال العام يُكتفَى بحسم فارق أسعار الفائدة منه ويتمّ تحريره.

ـ كلّ تراكم للثروة بما في ذلك ما تمّ تحويله للخارج، وغير قابل للتفسير الموثق من صاحبه، بعمل قانوني وإثراء مشروع يتمّ حسم قيمته من الوديعة المعنية.

ـ كلّ مال ناتج عن صفقات مباشرة أو غير مباشرة مع الدولة يخضع للتحقيق، وكلّ شبهة في شرعيته تعرّض صاحبها لحسم قيمة المشكوك بقيمته من أصل الحساب.

ـ كلّ فوارق تستحق للدولة لنتيجة التدقيق بسبب تهريب الحسابات أو استهلاكها تتمّ تغطيتها من الأملاك الخاصة لصاحبها ما لم يقم بتسديدها.

ـ لا يمنح التدقيق أصحاب الحسابات عفواً من أيّ ملاحقة قضائية بتهم الفساد إلا إذا أقدموا طوعاً على التصريح والتنازل بما يخصّ ما يستحق للدولة على حساباتهم خلال مهلة تحدّدها الدولة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عضو في مجلس النواب اللبنانيّ.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق