آراء ودراساتكتاب بناء

تطبيق الاتفاق الروسي التركي في المرآة الإيرانية

} د. هدى رزق

حين استخدمت تركيا ابان معركة إدلب في أوائل آذار/ مارس الطائرات المسلحة بدون طيار، تمكّنت من تأمين التفوّق الجوي المتقطع، وإنْ كان محدوداً على ارتفاعات منخفضة تصل إلى 10 كيلومترات بعد أن غضّت روسيا الطرف عن هذه الطلعات، بالتأكيد روسيا هي القائدة في الارتفاعات المتوسطة والعالية ولا يزال المجال الجوي لإدلب محظوراً على الطائرات والمروحيات التركية لكن يبدو انّ الصناعة التركية للسلاح بدأت تلاقي اعترافاً إذ انها تتقدّم في هذا المضمار لكنها لا تستطيع أن تمارس في سورية ما تفعله في ليبيا نظراً لانعكاس موازين القوى لا سيما في ظلّ الوجود الروسي على الأرض السورية.

 الاتفاق الذي سمّي «سوتشيفي 5 آذار الماضي بشأن الجماعات المتطرفة في إدلب، وكيفية جعلها تقبل شروط الصفقة وتسليم أسلحتها الثقيلة، طرح مسائل أساسية حول التزام الإرهابيين بوقف إطلاق النار، وإذا فعلوا، كيف سيكون وضعهم بناء على البند المتعلق بالطريق السريع M4 الرئيسي في جنوب إدلب، لقد أعطت روسيا تركيا فرصة أخيرة لكبح جماح الفصائل المتطرفة التي تسيطر على المنطقة، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام. يدعو هذا الاتفاق إلى ممرّ أمني بعمق 6 كيلومترات (حوالي 4 أميال) إلى الشمال و 6 كيلومترات إلى الجنوب من  M4.

وعلى الرغم من التحديات الجديدة التي يفرضها تفشي الفيروس التاجي الجديد، فإنّ تركيا تمضي قدُماً في الانتشار العسكري في إدلب السورية وتحافظ على قبضتها الضيقة شرق نهر الفرات. نقلت أنقرة عدداً من المركبات العسكرية والذخائر إلى إدلب، مما رفع عدد مواقعها العسكرية في آخر حصن إلى 53 اعتباراً من 8 نيسان/ أبريل. من اجل إعادة فتح الطريق السريع M4  وإنشاء ممر أمني على جانبي الطريق الاستراتيجي، على النحو المطلوب في صفقة بين تركيا وروسيا.

وفي آخر مكالمة بين بوتين وأردوغان جرت مناقشة الوضع في إدلب، وعندما استقبل الرئيس الأسد رئيس الأركان الروسي شويغو في دمشق تمّ النقاش أيضاً بشأن الوضع في إدلب وأزمة فيروس كورونا، وكذلك الهدنة التي تمّ التفاوض عليها بين بوتين وأردوغان التي ما زالت صامدة في إدلب حتى الآن، لكنها لا تزال هشة إلى حدّ ما.

تتوقع روسيا أن تفي تركيا بالتزاماتها بفصل المعارضة السورية المعتدلة عن الإرهابيين من جماعة هيئة تحرير الشام. يعتقد في الأوساط الروسية أنّ المهمّ بالنسبة الى أردوغان تلقي بعض الضمانات من الرئيس بوتين بأنّ الرئيس الأسد لن يستفيد من الوضع مع الفيروس التاجي ويدفع تركيا بعيداً عن إدلب. لأنّ الأمر سيعرّضه: في ظلّ محاربة الوباء الى خسارة كبيرة خارجية في سورية وداخلية بسبب الاقتصاد.

روسيا من جهتها لا تريد ان تفاقم الوضع مع تركيا فهي شريك إقليمي لا سيما انّ الصفقة الروسية التركية بشأن محافظة إدلب بدأت تؤدّي الى انقسامات في صفوف الجماعات «الجهادية» التي تسيطر على المنطقة وسط تعزيز عسكري تركي كجزء من الجهود لإعادة فتح الطريق السريع  M4الرئيسي، لا يبدو انّ المواجهات الواسعة التي كانت تتمناها سورية وإيران مسموح بها بعد التفاهم الروسي التركي الذي أعاد ترسيم المنطقة بشكل يرضي الطرفين، لكن زيارة ظريف الى سورية في هذا الوقت بالتحديد طرحت ماهية الموقف الإيراني، فإيران تريد ان يكون لها وجود حقيقي ومساهم على الطريق الدولية ولا تريد ان يؤثر ايّ تفاهم على نفوذها، وترى اوساط سياسية انه بعد اتصالات محمد بن زايد رئيس الإمارات العربية بالرئيس السوري بدفع روسي يحرج في آن التركي الذي يرى في الإمارات عدواً يقاتله في ليبيا، كما أنّ إيران ترى بأنه يمثل في آن السعودية التي تكن العداء لإيران.

شعرت إيران في الفترة السابقة بالتهديد خاصة بعد عدم تلبية دعوتها الأخيرة لعقد جولة مباحثات ثلاثية يشارك فيها السوريون، إلا أنه من المقرّر انعقاد قمة بين تركيا وروسيا وايران في أواخر هذا الشهر في إطار اجتماعات استانة لبحث قضايا الدستور السوري مما سيبدّد من آثار هذه التكهّنات. إيران في الوقت عينه تشجع سورية على الوقوف بوجه العقوبات الأميركية التي تغلق باب التجارة والمساعدات بين العراق وإيران وسورية التي يمكن ان تقدّمها إيران لها، ربما ستلجأ الى طرق باب تركيا في محاولة لإرسال مساعدات عن طريقها.

أما على صعيد تطبيق الاتفاق الروسي التركي من الواضح أنّ هيئة تحرير الشام لم تقبل أيّ صفقة بين روسيا وتركيا. ومع ذلك، في الوقت الذي تواصل فيه قتالها ضدّ القوات السورية المدعومة من روسيا وإيران، تحاول المجموعة تقديم نفسها على أنها أكثر الفصائل المعقولة على الأرض التي يمكن أن تشارك فيها تركيا وتتعاون معها. وفي الوقت عينه، سعت «هيئة تحرير الشام» إلى نقل رسالة إلى الغرب مفادها أنه لم يعد لها أيّ علاقة بالقاعدة والجهاد العالمي وأنها تركز على محاربة سورية، على أمل أن يتمّ حذفها من قائمة الإرهاب. يبدو أنّ هذه الرسالة يتردّد صداها في دوائر معينة. ويجادل مبعوث واشنطن في سورية، جيمس جيفري، على سبيل المثال، بأنّ «هيئة تحرير الشام» لم تشكل تهديدات إرهابية دولية وتركز على الحفاظ على مواقعها في إدلب. يمكن أن يكون هناك انشقاقات في صفوف المجموعات المنتسبة لتنظيم القاعدة، مما يثير شبح فتح جبهة جهادية جديدة ضدّ القوات التركية.

بعض الجماعات التي ينظر إليها على أنها بدائل لهيئة تحرير الشام تدعو بالفعل إلى المقاومة ضدّ تركيا. تتحكم هيئة تحرير الشام بما يصل إلى 90٪ من إدلب، فإنّ قوتها تتركز بالمثل في المناطق على طول طريق M4 المناطق الواقعة على طول الحدود التي ترغب تركيا في الاحتفاظ بها كمنطقة آمنة. بعض الانشقاقات بدأت تعتمل داخل المجموعات منها من يعتبر تركيا عدواً ومنها مثل الايغوريين والشيشان والاوزبكيين من يرى انّ تركيا هي طريقه إذا انسحب من إدلب فعليه لن يقوم بمعاداتها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق