أخيرةكتّاب البناء

على ذمة الله أحيا

  نضال القادري

فسد كلّ هذا الملح. اشتاق إلى مياه عذبة يغسل فيها الذنوب. اشتاق لأياديها تمسح عنه ندوب الجرح الذي لتوّه ما طاب. عاب عليه صديقه الرائي أن يمدّه بأوكسجين نظيف وخفيف، واستغابه بملكوت الألسن والمواحل. مرغ به طيشاً ولذة وما تاب. بعدها كاد أن يقول المريب خذوني إلى الموت النظيف! علّه يطهّرني، أو ييمّمني، وحيثما يَغِب الماء أكُن، وكلما أثملت عنهم نفسي بالغياب صحيت. أنا هذا الملح «اللبناني»، هلم خذوني كي أصير شيئاً ما على مائدة…!

فسد كلّ هذا الملح، صغائر الأقوام فيه يعلوها الغبار. لتوّها تحاول أن تنفض عنها الكثير من المواحل. أقزام تفرّ إلى الصفوف الأماميّة، جوقة من ذباب تحوم على الجيَف التي قتلت، ولا عدو على التخوم إلا أنت القابض على رئتين تقتل بهما نفسك الغارقة، وأناك الكثيفة في دنيا الشخير!

خبرت في مسيرتي فشلين. زمرة من الحبر الأعمى الذي ورثته لحب يكتب نفسه حيث شاء. قدرية كانت مسرتي به، وتعويذة أمي زادته قداسة، وكنت انعكاساً خاملاً مسلماً لعبثه وبه اكتفيت. وحين تململت صفحة من خرابيش أحلامي في بلاد أحببتها حتى الموت رميتها بعبوة واحدة من عاطفتي «الباليستية»، رمية مراهقة أصابت أسقف الحي الذي اعتقله الوله باللاهوت، وشيخ الزاقوق الذي كان يخبرنا أنّ الله يحب «عباده الصالحين». وأنا لا زلت أعتقد أنني المنكر الذي ينهون عنه في كلّ حالات المؤمنين.

صار الاستثمار في البقاء السيّئ خيانة. تحيا البلاد! ولكن، نحن نعرف هذا الأمل بفضائحه المجوقلة. أخذناه على جرعات متتالية كحليب الأطفال المترفين. كم هي محزنة عقاقير هذا الأمل على باب الكفن الأبيض! مثله كمثل سياسيين وأحزاب وزعامات فاشلة غير محدّدة أضاعت الدولة، والإصلاح، وتماهت مع الفساد، وتوحّلت به، وأعدمت ما شاء من جمهور الدولة، وقبضت على تفاصيل الناس وفوهات أنفاسهم، وأخذت من فائض الثقة والقوة حتى تقاتل به كلّ شيء! استثمرت في رقعة الأعداء، والأصدقاء، وتقلبت على تخوم المناطق الملونة في الوسط إلى ما شاء الله. يحضرني فيهم قول المفكر الأديب سعيد تقي الدين (شباط 1956): «عصائب من محترفي سياسةٍ ووجاهة، ضجّاجةٌ كقطيعِ قرودٍ تعلّقَت بأذيالها بأشجار النفوذ، وراحت تقهقه واثبةً من شجرة إلى شجرة متقاتلةً متضاحكةً عابثةً صيّاحة». الأقنعة كلها جرّبت! القماشات، والألوان، والنوعيات الرديئة، والمتقدّمة. أيضا «الأرانب» كلها أخرجت. انعدم نسلها أيضاً. الشعب العظيم، لتوّه قد سلك رسمياً طريق «الأقنعة» و «الكمامات» الرديئة التي فرضت عليه في العصر «الكوفيدي» الحنيف، وتفشى منها ومعها وإليها كلّ هذا الحب الإضافي. هذا الحب الافتراضي الذي وضع كينونته في موقع التلوّن والشبهة، وقاتل جميع أنواع الأعداء، بمن فيهم الصقيع البعيد المتوهّم في جزيرة «غرين لاند». نحن و»غرين لاند» نعرف أنّ موت هذه الأحجية صار فاقعاً، وجلجلته «دوت كوم» مدوّنة ومدوّية.

دائماً المشكلة ليست في الموت. بل كيف نحيا؟ وهل لا زال فيكم الموت رقماً ساذجاً لا تحسبه رياضياتكم؟ إن وردة وقبلة ودعاء وهذياناً، وأشياء أخرى، لا تكفي لكم لتكون الحياة طوق نجاة. إنني قد أبلع جوع المدينة كلها، وشغفها، وحزنها، كي أشبع تخمتي النرجسية متظاهراً مزهواً بأنّ القيد على الحياة لا زال خياراً متوفراً. ليس كلّ هذا الموت يصفر وحده، ثمة من يستقبله على الضفة الحمقى من المؤمنين. التخمة تقودنا إلى هذا «الله» الذي وجدناه في الكتب، وانتصرنا له في الحروب، وخنّاه في كلّ أسمائه الحسنى. عرضاً ستعثر عليه في أوقات الحشرة مختبئاً كنعامة ممارسة في السلك الدبلوماسي في مصاف الدول المصنّفة «بلا طعمة». يتحاشى ذكر المشافي ودور الرعاية والمدارس الحكومية السيئة الصيت والسمعة، ويتكاثر مزهواً في مئات المساجد والكنائس ودور العبادة الفاخرة، ويطلّ برأسه مزهزهاً محمّلاً بالكثير من الحب والقنب الهندي ليلقي على جنازتك تحية الوداع الأخيرة.

أما أنا فعلى ذمة «الله» أحيا، وخارج هذا القاع أغني.

على ذمة الله أحيا…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق