أولىالكلمة الفصلكتاب بناء

المعركة الحقيقية هي ِحفظ لبنان ورفض شروط رهنه وتجويف انتصاراته

معن حمية _

 

 

شهد العام 2000 حدثاً نوعياً تمثل باندحار العدو الصهيوني عن معظم الأراضي اللبنانية، ما شكّل انتصاراً للبنان بمقاومته وجيشه وشعبه؛ وفي المقابل، شكّل صدمة لكلّ من كان يراهن على العدو الصهيوني ويعتقد بأنّ جيشه لا يُقهر.

في الواقع، استطاع لبنان أن يهزم العدو الصهيوني وعملاءه، وأثبت للعالم أجمع أنّ المقاومة هي الخيار الوحيد لإنجاز التحرير من دون قيد أو شرط.

منذ ذلك الوقت، أيّ قبل عقدين من الزمن، استبدل لبنان مقولة «قوة لبنان في ضعفه» بترسيخ حقيقة أنّ قوة لبنان في مقاومته، وترسّخت معادلة الردع بثلاثية الجيش والشعب والمقاومة. وما حققه لبنان كان كفيلاً بأن يعزّز فرصه لتثبيت مبدأ السيادة الكاملة بتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وأجزاء من قرية الغجر، والعمل على تعزيز نموّ الاقتصاد من خلال إطلاق عجلة الإنتاج، والاتجاه الفوري لتحقيق الإنماء المتوازن.

ولكن، الذي حصل أنه وفي الفترة الزمنية التي كان يفترض أن تشكل بداية مسار الاستثمار في نتائج التحرير، دخل لبنان أتون أزمة سياسية ـ طائفية ـ مذهبية غير محسوبة، وأخذ الانقسام بين اللبنانيين بعداً مختلفاً عن الذي حصل عشية الحرب الأهلية، فتصاعدت الأزمة بوتيرة هدّامة، بإدارة عشرات الأجهزة الاستخبارية الأجنبية المنسّقة مع العدو الصهيوني.

ليس خافياً أنّ الانقسام الحادّ الذي شهده لبنان منذ العام 2005، إنما حدث بتخطيط وتنفيذ من قبل أجهزة استخباريّة دولية و»إسرائيلية»، وذلك بهدف استنزاف لبنان على كلّ الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية ومنعه من الانتقال من مرحلة إنجاز التحرير إلى مرحلة تثبيت السيادة وتحقيق الإنماء والتقدّم والازدهار.

انقسام حادّ كاد يُسقط لبنان مجدّداً في أتون الحرب، غير أنّ المؤسّسات والقوى التي تشكل عناصر قوة لبنان استطاعت أن تُحبط ما كان يُخطط له في الغرف الاستخبارية السوداء.

مناسبة هذا الاستحضار، أنّ الفريق اللبناني الذي تماهى مع مشروع إبعاد لبنان عن مسار النمو والتقدّم والازدهار وإغراقه في الفوضى، تحوّل إلى شبه حزب ينطق باسم «المجتمع الدولي»، ما يعني أنّ ما يسمّى المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، هو المسؤول عما يحدث في لبنان منذ العام 2005 إلى اليوم.

لذا، فإنّ الوضع المأزوم الذي يمرّ به لبنان اليوم، ليس سببه حكومة تتهم بأنها عاجزة عن تقديم الحلول للأزمات المتفاقمة، ولا مصرفاً مركزياً لا يوضح حقيقة مركزية قراره، ولا أولئك الذين ينزلون إلى الشارع من أجل مطالب محقة، ولا آخرين يعيثون فلتاناً واعتداء على الأملاك العامة والخاصة وعلى عناصر الجيش والقوى الأمنية.

الوضع المأزوم هو نتيجة انكشاف لبنان بسبب انقساماته، هذا الانكشاف الذي مكّن الأجهزة الاستخبارية المتعدّدة الجنسيات وتلك التابعة للعدو الصهيوني، من تحضير مسرح الأزمة الحالية، تماماً مثلما حضرت مسرح الانقسام في العام 2005، وذلك بهدف وضع لبنان قيد الارتهان لمؤسسات وصناديق دولية ليس لديها ما تقدّمه إلى اللبنانيين سوى تخييرهم بين الانهيار أو الخضوع للشروط والإملاءات التي تستهدف لبنان دوراً وموقعاً وثروات وعزله عن محيطه القومي.

المعركة الحقيقية اليوم، معركة لبنان حكومة وقوى وهيئات، هي الحفاظ على هذا البلد هوية وانتماء ورفض الشروط والإملاءات التي ترهن البلد وتجوّف انتصاراته.

*عميد الإعلام في الحزب السوري القومي الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق