مرويات قومية

تحدّيات التطبيع وعناصر المواجهة

} د. محمود الشربيني*

التحدي الأكبر أمامنا هو أن التطبيع يتسلل إلينا عبر قنوات شديدة الخبث وبشكل ناعم عبر ترويج بعض مصطلحات يقبلها المزاج الشعبي من دون إدراك مخاطرها وما تؤول إليه على سبيل المثال «الحرب بديلاً للمقاومة» أثناء اعتداءات المحتل. ثم وضع المصطلح في جملة استنكارية؛ (هل سنحارب حتى هلاك آخر جندي؟!). وكانت هذه الجملة هي الأكثر شيوعاً في أذهان العامة  إبان حرب تشرين  1973لبثّ روح الثقافة الانهزامية مستهدفين بذلك كسر الإرادة الشعبية التي نرتكز عليها في مواجهة الكيان الصهيوني .

كل ذلك كان مقدمة لدخول النظام الرسمي العربي أول مراحل التطبيع العلني مع العدو، والذي انتهى باتفاقية العار «كامب ديفيد»، وما تلاها من وادي عربة وأوسلوالخ. ثم أخذ التطبيع مرحلة جديدة تتلخص في قبول هذا الكيان عبر محاولات عديدة منها ترسيخ ما يُسمّى بثقافة القبول بالأمر الواقع. وهذه مرحلة متقدّمة جداً في عملية التطبيع، وقد عملت الأنظمة الوظيفيّة التي ارتهنت وجودها ببقاء الاحتلال على خدمة تلك النظرية المسمومة  حتى تسللت إلى العقل العربي، والذي غاب عنه الوعي بمصيره وأولوياته المستقبلية بفعل التجريف والتسطيح الممنهج.

إن تعزيز الأفكار الرجعيّة، والمذهبية عبر خلق تنظيمات لها ورعايتها، والعمل على ترويج أفكارها، وتوسيع دورها في مجتمعاتنا، ودعمها بكافة السبل من قبل العدو وأدواته والتي على رأسها أنظمة حكم عربية وظيفية لهو أكبر تحدٍّ، لأن مثل هذه الأفكار يقع  العقل العربي أسيراً لها بفعل التجريف المتعمّد لعقود طويلة حيث تغلّب مثل هذه الأفكار أولوية الصراع المذهبي على مواجهة العدو والتصدي حتى لمحاولات التطبيع.

إننا نواجه تحدي شيطنة المقاومة بكافة اشكالها وصورها من خلال الأدوات الإعلامية الضخمة التي يمتلكها العدو عالمياً وحتى عربياً، إلى درجة حظر أي نشاط إعلامي وثقافي للحركة النضالية عبر الإعلام الكلاسيكي (الفضائيات) أو حتى عبر الميديا الجديدة (السوشيال ميديا). في حين أنّ الغالبية من المثقفين في العالم العربي غير متحرّرين من التبعية والنفعية والأغراض المريضة ومن كل خلل في سلم المعرفة والأولويات والقيم الخلقية الإنسانية السليمة

إن التحدي هنا، هو الصمود أمام الإغراءات المالية والعالمية وأمام إغراء المكاسب وجوائز التلميع والتي تقدمها الجهات الإمبريالية والصهيونية. والمطلوب مراجعة وتدقيق وتغيير أسلوب الخطاب الثقافي ليكون موضوعياً وعلمياً عصرياً ليتصل بالحياة في واقعها من جهة ويخاطب مستقبلها من جهة أخرى. ذلك لأننا معنيون بمواجهة انصار التطبيع وفضحهم حفاظاً على جسد الأمة المقاوم.

المسؤولية تقتضي تحجيم مسيرة الاعتراف بالعدو الصهيوني والتطبيع، بالإضافة إلى تفعيل المقاطعة بأشكالها المختلفة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعلمية، ثم الانتقال إلى المرحلة التالية بتكوين جبهة قوية من المثقفين والمناضلين من كل الساحات العربية لتعزيز حملات المقاطعة ومقاومة التطبيع. وفي كل تلك المراحل علينا مواجهة الاستبداد الداخلي، وأن نتحمل جزاء تلك المواجهة من صعوبات وتضحيات.

وبالرغم من حزمة التحديات التي نواجهها، واختلال موازين القوى في غير مصلحتنا في هذا السياق الزمني الا أن محاولات الرفض الشعبي تتنامى عند كل أزمة أو مناسبة يخرج فيها التطبيع إلى العلن في أي بقعة عربية وعند كل صحوة ثورية.

ما زال الضمير الشعبي حياً يرسم الأمل أمامنا. فالشعوب العربية هي القوة الحقيقية والمرتكز الجوهري في الدفاع عن حقها بالبقاء في التاريخ.

*أكاديمي وكاتب من مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق