أولىكتّاب البناء

الطبيعيّ يهزم التطبيعيّ

حمدين صباحي

التطبيع هو الجائزة الكبرى التي يسعى إليها العدو الصهيوني.

إنه استسلام المغتصب للغاصب، ومباركة الضحيّة لسكين الجلاد، هو تخلّي صاحب الحق عن هويته وتنكّره لدمه وتكذيبه لروايته وترديده لسردية قاتله.

هو الانسحاق النفسي والسلوكي الذي يُخرج المطبعين من صفة الأحرار ليدبغ أرواحهم بوشم العبيد.

تعدّدت الجبهات وتوالت الحروب في الصراع العربي الصهيوني. الصراع الحضاري الشامل عسكرياً ومعرفياً وثقافياً وعلمياً وتكنولوجيًا وسياسيًا، صراع من نوع فريد لن ينتهي إلا بانتفاء أحد طرفيه، صراع وجود لا حدود.

وفي سياق هذا الصراع فإن التطبيع هو حرب كبرى، هو رمانة ميزان الصراع، فعند العدو كل انتصار منقوص ما لم يتمّمه التطبيع. وعند الأمة كل هزيمة محتملة ما لم يكرّسها التطبيع.

التطبيع لا يعني فقط التخلي عن فلسطين بل هو موت العروبة.

لأنه انتفاء شرط الأمة. الأمة ليست عديد محض لبشر يتساكنون، بل جماعة يوحدها تاريخ من الهم والحلم والسعي نحو حياة تجسد هويتها وتحقق أهدافها، ولكل أمة مقاصدها الكبرى تجتمع على السعي نحو تحقيقها. وقد بلور العرب بوحدة الجغرافيا والتاريخ هوية جامعة ومقاصد نبيلة في الحرية والتنمية المستقلة والعدل الاجتماعي والكرامة الانسانية والتجدد الحضاري وبناء دولة القانون المدنية الديمقراطية الحديثة الحامية لحقوق الإنسان. وفي قلب هذه المقاصد تحرير فلسطين. الذي هو حق وواجب أخلاقي وقومي ووطني.

هذه المقاصد سلسلة متكاملة الحلقات يعزز بعضها بعضاً. فلو انكسرت بالتطبيع حلقة تحرير فلسطين لتكسرت السلسلة وانفرط العقد وتبعثرت الأمة.

وانتفاء أحد طرفي صراع الوجود لا يعني بالضرورة الإبادة الجسدية بل إكراهه أو استدراجه إلى الرضوخ والتخلي عن الحقوق. وقد ثبت أن هذا الهدف لن يتحقق بالقوة العارية وحدها، فتاريخ العدو يفيض بالمذابح وسفك الدم والاقتلاع والتهجير والترانسفير والاحتلال والعدوان والفصل العنصري والإبادة الجماعية. ورغم كل هذه الوحشية لم يزل العربي الفلسطيني على مدى سبعين عاماً على قيد الحياة والمقاومة والأمل.

لا يتحقق هذا الهدف الرئيس إلا بالتطبيع. فبالتطبيع وحده يمكن إخراج العرب من حال الأمة التي تقاوم عدوها ككل الأحرار، إلى حال قطعان العبيد الراكعين في حظيرة التطبيع يديرهم السيد الصهيوني ويحرسهم ويعلفهم ويذبحهم متى شاء. وهذا هو المقصد الجوهري للمشروع الصهيوني بتعدّد لافتاته منإسرائيلالكبرى إلى الشرق الأوسط الجديد إلى صفقة القرن.

ولكل حرب أسلحتها وجنودها. وسلاح التطبيع هو الكذب وجنوده هم بضعة عرب كاذبون استهدفوا تزييف وعي الأمة وإصابة الروح والعقل والوجدان العربي بفيروس التطبيع، كما يفعل فيروس كورونا الآن.

ولأن الكيان الصهيوني هو عضو غريب مزروع بـالـعنف في الجسد العربي، ولأن المعلوم من الطب أن الجسد يلفظ العضو المزروع ما لم يُحقن بمثبطات المناعة لكي يتقبله. فإن هدف فيروس التطبيع هو تثبيط المناعة العربية لكي تقبل الكيان الدخيل.

على مدار أربعين عام يتوالى حقن العقل العربي بفيروس التطبيع. منذ حقنة كامب ديفيد أم الخطايا إلى حقنة أوسلو وحقنة وادي عربة انتهاءً بأقراص التطبيع المسمومة مما يحاول إعلام العبيد ترويجها كما تفعل قناة mbc وسواها من الكذبة التابعين.

أربعة عقود من حرب التطبيع خاضها الصهاينة بدعم أميركي وتواطؤ دولي ومشاركة ذليلة من بعض النخب العربية التي خارت فخانت في قصور الحكم وأجهزة الإعلام وأسواق التجارة. فماذا كان الحصاد؟

هزيمة ماحقة للتطبيع والمطبعين.

ونصر مبين للوعي الشعبي والعقل الجمعيّ العربيّ.

تكفي نظرة فاحصة لحالة مصر التي عمّدت خلال هذه الحرب أبطالها في مواجهة التطبيع: سعد إدريس حلاوة وسليمان خاطر وأيمن حسن وأبطال تنظيمثورة مصربقيادة خالد عبدالناصر ومحمود نورالدين كما عمد الأردن العربي بطله احمد الدقامسة.

والأكثر دلالة ملايين الابطال المغمورين من النساء والرجال العاديين الذين يتجلى رفضهم الطبيعي للتطبيع واحتقارهم ونبذهم للمطبعين.

ولعل من مكر التاريخ أن الجيل الذي ولد في ظلال كامب ديفيد وتربّى تحت سلطة وأبواق التطبيع حتى إذا بلغ أشده رفع علم فلسطين في ميدان التحرير في أعظم تجليات الربيع العربي قبل أن يختطفه خريف الحكام التابعين. هو نفسه الذي رفع في الميدان صورة جمال عبد الناصر الرمز الأصدق في مقاومة الصهيونية والاستعمار، هو الجيل نفسه الذي ما أن أسقط مبارك حتى اتجه إلى سفارة العدو على شاطئ النيل يحاصرها بأجساده الغضة وهتافاته الغاضبة ويتسلق جدرانها بأظافره ويقتحمها بصدوره العارية.

ما أبأس المطبعين وما أحقرهم، ورغم خطرهم ما أهونهم.

إن النصر عليهم أكيد. لأن حرب التطبيع ليست وقفاً على الجنرال أو المثقف، إنها حرب كل الناس، حرب الشعب، وما دامت بطبيعتها حرب الشعب فإن النصر فيها هو الممكن الوحيد.

إن هزيمة الكيان الصهيوني في حرب التطبيع تحرمه من ثمرة عدوانه، وتبقيه في مهب تبديد كل ما حققه. وانتصار أمتنا في حرب التطبيع لا يحقق مقاصدها لكن يؤكد مناعتها، وهي الشرط اللازم لتقدمها الواجب من الممانعة الى المقاومة، ثم من المقاومة إلى تحرير فلسطين.. كل فلسطين.

والنيل يجري.

فما ضيَر إن تسقط في مجراه العميق بعض جثث الحيوانات النافقة؟ يجرفها تياره الطبيعي، يتطهر ذاتياً ويُطهّر، يُخضر ويُعمّر.

كذلك تيار الوعي الجمعي لأمة وحدتها هزائم مقيمة وانتصارات مبددة وأحلام لا تموت. فتعلمت أن تميز العدو من الصديق كما تميز الخبيث من الطيب. لا يضيره أن تسقط فيه بعض أكاذيب منتنة يلقيها مهرّبو التطبيع. يجرفها تيار الوعي الجمعي الطبيعي.

هذا هو القانون الحاكم من أربعين عاماً، وسيبقى:

الطبيعيّ يهزم التطبيعيّ.

والنيل يجري.

(1) مداخلة ألقيت في الملتقى العربي الدولي «الافتراضي» لمناهضة التطبيع مع العدو الصهيوني.

*سياسي مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق