أخيرة

النموذج الاقتصاديّ… ولّى زمن الاستهلاك

 

} أحمد بهجة*

لا يختلف عاقلان على أنّ الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان في هذه المرحلة لها مسبّبات كثيرة تفاعلت وتزايدت على مدى ثلاثين عاماً. وربما بعض هذه المسبّبات رافقت دولة لبنان الكبير منذ نشأتها عام 1920.

وحتى لا يأخذنا التاريخ إلى رحابه الواسعة يمكن الاختصار والقول إنّ النموذج الاقتصادي المقبول نسبياً الذي بُنيَ في مرحلة ما بعد الاستقلال، وحقق بعد انطلاقته بعض البحبوحة في الخمسينيات، ثم بدأ يتراجع شيئاً فشيئاً مع ظهور الطفرة النفطية في عدد من الدول العربية وخاصة الخليجية، لكن القاعدة الإنتاجية الجيدة في ذلك الزمان وتحديداً في القطاع الزراعي وبنسبة أقلّ في القطاع الصناعي أعطت ذلك النموذج قوّة دفع جعلته قادراً على الاستمرار والصمود في وجه تلك الطفرة.

يُضاف إلى ذلك طبعاً أنّ النمو المضطرد للقطاع السياحي وفّر مزيداً من القدرة لذلك النموذج، كي يبقى ويستمرّ ويصل إلى ذروة مجده في أوائل السبعينيات من القرن الماضي.

في الفترة نفسها أيضاً نما القطاع المصرفيّ بشكل كبير جداً واستقطب ودائع كثيرة وبأرقام كبيرة للمغتربين اللبنانيين وللمتموّلين العرب وأموال النفط، حتى قيل يومها إنّ لبنان هو مصرف العرب، كما إنه مستشفى العرب وصحيفة العرب ومطبعة العرب ومصيف العرب وغير ذلك من نقاط جذب كثيرة تمتع بها لبنان في تلك الفترة، إلى أن بدأت الحرب الأهلية المشؤومة عام 1975، وما تبع ذلك من أحداث ومآسٍ عاشها اللبنانيون جميعاً وعانوا منها الأمرّين، وصولاً إلى الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 وما تبعه أيضاً من أحداث ومآسٍ وصولاً إلى أواخر الثمانينيات حيث توصّل النواب في مدينة الطائف السعودية إلى الاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني التي أصبحت في ما بعد جزءاً لا يتجزّأ من الدستور.

قبل توقف الحرب الأهلية ببضع سنوات كانت قيمة العملة الوطنية قد بدأت تتراجع، بفعل أسباب عديدة، ليس أقلها انخفاض نسبة الإنتاج في معظم القطاعات لا سيما السياحة، لكن المفارقة هنا هي أنّ تراجع الليرة استمرّ بعد توقف الحرب ووصل إلى ذروته عام 1992 إذ لامَس حدود الـثلاثة آلاف ليرة مقابل الدولار الأميركي مما دفع الرئيس الراحل عمر كرامي إلى تقديم استقالة حكومتهوهو المعروف بحساسيته العالية تجاه نبض الرأي العام.

وهنا يتفق معي خبراء كثيرون على أنّ هذا الارتفاع الحادّ في سعر صرف الدولار الأميركي يومها كان بفعل فاعل ولم يكن لأسباب اقتصادية أو نقدية صرفة، بل على العكس من ذلك تماماً، حيث كان لبنان خارجاً لتوّه من حرب أهلية مدمّرة، ولديه فرص كبيرة واعدة بنهوض اقتصادي وبإطلاق ورشة إعمار ضخمة، خاصة أنّ حكومة الرئيس عمر كرامي كانت أسّست لهذه الانطلاقة بتحقيق إنجازات كثيرة وكبيرة، أوّلها توحيد الجيش اللبناني بقيادة العماد إميل لحّود الذي غيّر كلّ النهج السابق وأرسى مفهوماً جديداً أساسه العقيدة القتالية الواضحة، وتحديد حاسم لمن هو العدو ومَن هو الصديق، والولاء الوطني المطلق بعيداً عن السياسة والتسييس.

كما حققت حكومة الرئيس عمر كرامي إنجاز فتح المعابر ووصْل المناطق اللبنانية كافة بعضها ببعض، وحلّ الميليشيات واستيعاب عناصرها وصَهْرها ضمن إطار المؤسسات العسكرية والأمنية

كلّ ذلك كان يُفترض أن يعزّز الثقة بلبنان واستقراره الأمني، ومستقبله الاقتصادي الواعدلكن هناك مَن كان يخطّط لغير ذلك، فأخذ يضغط على العملة الوطنية بما يملك من قدرات مالية ضخمة، واستطاع أن يحرف الأمور عن مسارها الطبيعي، فاستقال الرئيس كرامي وأتت حكومة الرئيس رشيد الصلح بمهمة واحدة وحيدة هي إجراء انتخابات نيابية في أقصر وقت ممكن، وهكذا كان حيث أجريت الانتخابات في صيف 1992، بمن حضر. وبطبيعة الحالبعد أيّ انتخابات نيابية يتمّ تشكيل حكومة جديدة، فأتت أولى حكومات الرئيس رفيق الحريري وبدأ معها رسم نموذج اقتصاديّ جديد للبنان قائم على الاستهلاك والريع والفوائد المرتفعة والمضاربات العقارية، وتمّ تدريجياً القضاء على ما كان قد تبقّى من قاعدة إنتاجيّة في الزراعة والصناعة، خاصة الصناعات الحرفية التي تمّ القضاء عليها كصناعة الأحذية على سبيل المثال.

ولسنا بحاجة هنا لسرد كلّ ما حصل منذ 1992 إلى اليوم، فالقصة معروفة للجميع.

وصلنا اليوم إلى نهاية نموذج الاستهلاك والريع، ومع الأسف الشديد دفع اللبنانيون، باستثناء قلة قليلة من المستفيدين، ثمناً باهظاً جداً لهذه النهاية، حيث خسر معظم المواطنين، مقيمين ومغتربين، جنى أعمارهم ومدّخراتهم ووظائفهم وأعمالهم، رغم الوعود الكثيرة بأن يتمّ الحفاظ على ودائع الناس في المصارف، وهي المقدّرة بنحو 190 مليار دولار

نرجو طبعاً أن تتحقق هذه الوعود، ولا نشكّ مطلقاً في نيات الحكومة وخاصة رئيسها المثابر الدكتور حسان دياب، كما نأمل أن تسير قدُماً الخطط الإصلاحية سواء على صعيد الإصلاح المالي، أو على صعيد النهوض بالقطاعات الإنتاجية لأن لا نجاة فعلية للبنان وناسه واقتصاده إلا بالعمل والإنتاج والحفاظ على الموجودات القليلة الباقية في البلد، تماماً كما قالت السيدة نوار المولوي دياب من وزارة الإعلام، وهي التي عبّرت أفضل تعبير عن واقع الحال، لأنّ زمن الاستهلاك ولّى إلى غير رجعة.

 

*خبير ماليّ واقتصاديّ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق