آراء ودراساتكتاب بناء

بين الصين والدول العربية… تقوية الصداقة وتمتينها في ظلّ الوباء

تشن باي جين*

جئتُ إلى هذا البلد العربي الجذابلبنان للدراسة، وقد نِلتُ من الشتائم والتنّمر ما ليس قليلاً. ورغم أنّ وباء «كورونا» لم يكن قد وصل إلى هذا البلد بعد، فقد لاحظتُ امتعاضَ بعض اللبنانيين من الصينيّين الذين يعملون أو يدرسون أو يقيمون في أوساطهم. ولكن في المقابل، كان البعض الآخر أكثر عقلانية، ولا يزال اللبنانيون وكلّ الأصدقاء العرب يتعاملون معنا بإخلاص وأدب واحترام، ويقدّمون المساعدة في حدود قدرتهم؛ فهم يعبّرون عن تضامنهم بشتّى الطرق، ويدعمون أبناء مدينة ووهان والشعب الصيني بشكل عام في مواجهة العاصفة بشكل مقاطع فيديو؛ ويتعاونون مع الصينيّين ا لمحليّين في توضيح الشائعات عن الصين بكتابات وتحليلات عقلانية وبيانات موضوعية.

على الصعيد الرسمي، اتبع قادة العديد من الدول العربية إجراءات لدعم حرب الصين ضدّ الوباء، كما أعلن مجلس  جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الصحة ووزراء الخارجية الصين في بياناته وقراراته، وغالباً ما يقول الصينيّون: عند الشدائد يُعرف الأصدقاء، وإنّ سلوك أبناء المنطقة العربية وحسن تصرّفهم في هذه المِحنة أثار مشاعر الشعب الصيني، بما يكفي لإثبات أنهم أصدقاء حقيقيّون.

إنَّ الصين والعالم العربي يتبادلان حراسة علاقاتهما وحمايتها في ظلّ الوباء الذي اجتاح العالم كالنار في الهشيم، وسرعان ما سقطت الدول العربية تحت احتلال الوباء الواحدة تلو الأخرى، وازداد عدد الإصابات بسرعة. وقد تسبّب الوباء في انخفاض أسعار النفط إلى مستويات متدنّية جداً، ما ولّد أزمة اقتصادية لدى البلدان العربية المنتجة للنفط.

أما لبنان الذي كان أصلاً يعاني من تداعيات الأزمة الاقتصادية ونقص في الإمدادات الطبية، فقد أصبح العبء عليه أثقل مما كان؛ فيما لم تخرج ليبيا وسورية واليمن والعراق بعد من الاضطرابات والفوضى، حتى جاءها هذا الوباء والوضع فيها قاتم للغاية.

لكنّ جائحة الوباء لم تُطِح بالثقة والصداقة بين الصين والعرب، بل حاربوا معاً بشجاعة أكبر. وبعد أن تمكّنت الصين من السيطرة على الفيروس، لم تنسَ المساعدات السخية التي قدّمتها

دول عربية في الأوقات الصعبة، وسرعان ما نقلت إليها الإمدادات وأرسلت فرقاً طبية إلى تلك الدول لمكافحة الوباء، وتبادل الخبراء الصينيّون مع نُظرائهم العرب خبرات مكافحة الوباء، مُتّبعين المثل الصيني القائل: «يجب الردُّ بمياه الينابيع على نعمةِ قطرة ماء».

كأنَّ الوباء هو الجليد والنار، والعالم كلّه تحت نفس البرودة والحرارة في مواجهة هذا المجهول الذي لا يمكن التنبُّؤ بنهايته، وأصبحت مهمة الجميع، شرقاً وغرباً، مواجهة العدوّ المشترك للبشرية. لذلك، تشرع الصين والدول العربية ودول أخرى في العالم في تطوير التعاون الشامل إلى أن ينهزم الوباء بالكامل،

خصوصاً لجهة تعزيز الحوكمة العالمية في مجال الصحة العامة، إذ ترتبط قضايا الصحة العامة العالمية ارتباطاً وثيقاً

بأمن البشرية، وعلى الرغم من وجود العديد من التفسيرات والتعريفات لهذا المفهوم وعناصره، فمن الواضح أنّ الصحة هي أهمّ جانب من أمن البشرية.

إنّ الشلل الطويل الأجل للاقتصاد العالمي لن يفضي إلى القضاء على الوباء، وبمجرد استئناف النشاط الاقتصادي سيتحرك الإنتاج وسوق العمل تدريجياً، ويجب على جميع الدول العمل معاً لتبادل الخبرات والإنجازات، بحيث يمكن إعادة وضع التنمية الاقتصادية على المسار الصحيح في أقرب وقت ممكن.

رغم الانكماش الاقتصادي العالمي الحالي وركوده المرعب  وتضرُّر نظام الصحة العامة العالمي وتعرّض ملايين الأشخاص لخطر جائحة فيروس كورونا وفقدان عدد كبير لحياتهم جرّاءه، نعتقد اعتقاداً راسخاً بأنّ الضباب سيختفي في نهاية المطاف. كما أنّ الصداقة الإنسانية والمساعدة المتبادلة ستُلهِم المجتمعات الشجاعة والحكمة، وستعيد بناء نظام الصحة العالمي للوقاية والسيطرة، وستصبح الصداقة بين الصين والدول العربية أكثر قوّة ومتانة، وأخيراً سيكون النصر على الوباء وتستمرّ مسيرة الإنسان نحو النور؛ وفي ذلك الوقت سيكون العالم أكثر ارتباطًا، وتصبحُ الحياة أكثر صحة وأفضل بسبب الألفة البشرية.

*كاتب صيني

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق