الوطنكتاب بناء

حاجات الناس والبلد… بين الصندوق وسعر الصرف والتصدير والاستيراد

} إيمان شويخ

منشغلة في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي لإقناعه ببرنامجها، تسعى الحكومة لنيل براءة ذمة تحصل من خلالها على قروض من دول غربية تتأثر قراراتها بتقييم الصندوق وأحكامه، لتصل إلى 10 مليارات دولار في 5 سنوات، في وقت ينصبّ اهتمام الشعب على أمر آخر يقضّ مضجعه ويؤثر على حياته اليومية ويجعل السؤال والبحث عن سعر صرف الليرة مقابل الدولار، شغله الشاغل مع كلّ شروق شمس، فهل ثمة سقف لسعر الدولار في سوق بيروت؟ أم أنّ العملة الخضراء سترتفع دون حدود؟

وعلى الرغم من التطوّرات التي حصلت خلال فترة توقف الصيارفة عن العمل منذ حوالي ثلاثة أسابيع، والتوقيفات التي حصلت بحق بعضهم، وانخفاض سعر الصرف في اليومين الماضيين، الا أنّ ذلك لا يشي بتباشير خير إزاء صمت المصرف المركزي الذي يحضر في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ليثبت أنّ خسائر القطاع المصرفي المقدّرة في الخطة الحكومية مبالغ بها وغير دقيقة، وبالتالي يعتبر الحاكم رياض سلامة أنّ الخطة لا يمكن تطبيقها، وإذا كان يعتبر ذلك فمن أين سيأتي بالأرقام التي تعزز نظريته، وإذا أتى بأرقام نظرية فإنّ الواقع سيدحض نظريته تلك.

فالمصرفيون متشائمون حيال هذه المسألة، وهم يعتقدون بأنّ المعطيات الراهنة لا تسمح لهم بتحديد سقف لسعر الدولار في سوق بيروت، ويتخوّفون بالتالي من استمرار تدنّي سعر الليرة اللبنانية على امتداد الأسابيع والأشهر المقبلة، والسبب الأول في تدنّي سعر الصرف هو ضعف مخزون العملات الأجنبية في لبنان.

فقطاعات الإنتاج ضعيفة وبالتالي فإنّ التصدير ضعيف قياساً بضخامة الإستيراد. لذلك فإنّ لبنان يصدّر العملات الأجنبية أكثر مما هو يستوردها. فهو يشكو من عجز كبير في الميزان التجاري، وفي السنوات الأخيرة، أيّ منذ سنة 2011 بدأ يظهر بشكل متواصل العجز في ميزان المدفوعات ككلّ.

وللدلالة على فداحة النزف في احتياطات لبنان بالعملات الأجنبية نرجع إلى محاضرة ألقاها الاقتصادي الدكتور فريدي باز منذ فترة في جامعة القدّيس يوسف أورد فيها بعض الأرقام الهامة في هذا الصدد حيث قال إنه خلال الفترة بين سنتي 1992 و2019 بلغ عجز الميزان التجاري 281 مليار دولار إذ بلغت الصادرات 59 مليار دولار مقابل واردات (استيراد) بلغت 340 مليار دولار.

وأورد باز أنّ نسبة الواردات إلى الصادرات التي كانت في حدود 65% في فترة 1974 – 1975 هبطت إلى 17% في فترة 1992 – 2019.

وعلى سبيل الذكر، تزامن هذا العجز الكبير في الميزان التجاري مع عجز كبير في مالية الدولة بلغ خلال نفس الفترة الزمنية 82 مليار دولار لأنّ نفقات الدولة بلغت 250 مليار دولار، فيما لم تتجاوز الإيرادات الضريبية وغير الضريبية 168 مليار دولار.

المهمّ أنّ التدفقات الخارجية بالدولار الأميركي، تراجعت كثيراً منذ سنة 2010، مما أفقد مصرف لبنان القدرة على حماية الليرة اللبنانية. فقد تراجعت التحويلات الخارجية من 17 مليار دولار سنة 2010 إلى 12 مليار سنة 2018، وتراجعت بشكل مأساوي سنة 2019 لتبلغ في الأشهر السبعة الأولى من 2019 حوالي 3 مليارات دولار فقط.

بالتالي فإنّ ميزان المدفوعات الذي سجّل فوائض كبيرة سنة 2009 تحوّل إلى عجز بلغ 4.8 مليار دولار سنة 2018 و5.3 مليار سنة 2019.

لا يمكن توقّع وقف تراجع سعر صرف الليرة ومنع صعود سعر الدولار إلا بوسيلة واحدة وهي تدخّل المصرف المركزي بائعا للعملة الأميركية في السوق. وهذا متعذّر في ظلّ الصورة القاتمة التي رسمناها للميزان التجاري وميزان المدفوعات. ونتيجة هذا المسار وصلت موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إلى مستويات متدنّية. بل إنّ هذه الموجودات مكشوفة بمبلغ لا يقلّ عن 50 مليار دولار، أيّ أنّ مطلوبات مصرف لبنان بالعملات تقلّ عن موجوداته بهذا المبلغ.

ومع أنّ مصرف لبنان لا يصرّح عن حساباته بالدولار، فقد سرت منذ شهرين معلومات بأنّ المبلغ المتبقّي الآن خارج الاحتياطي الإلزامي، أيّ المبلغ الذي يستطيع مصرف لبنان التصرّف به، لا يزيد عن 3 مليارات دولار. وبما أنّ المصرف المركزي قد تعهّد بتمويل استيراد مواد أساسية كالقمح والمحروقات والأدوية فالمبلغ المتبقّي لا يكفي إلا لفترة قصيرة، إزاء هذا الواقع لا مجال للتصوّر بأنّ مصرف لبنان لديه إمكانيات للتدخّل في سوق القطع من أجل لجم سعر صرف الدولار في سوق بيروت.

الخلاصة إذاً بأنّ الليرة تحلق في الهواء ولا طريقة لضبط سعرها، أما الضجيج بأنّ صعود سعر الدولار سببه الصرّافون فهو غير دقيق، والحقيقة أنّ كلّ الصرّافين أو بعضهم قد يفتّشون عن طرق لزيادة أرباحهم، أحياناً بالطرق القانونية وأحياناً أخرى بطرق مخالفة للقانون. لكن أصل المشكلة ليس عند الصرّافين بل بسوء إدارة المالية العامّة والاقتصاد على مدى ثلاثة عقود، ثم في ضعف قدرة المصرف المركزي على التدخل في السوق للسيطرة عليه، ومن الآن حتى يدخل المصرف المركزي إلى السوق فلا يمكن الحديث عن سعر صرف ثابت علماً بأنّ أوساط مصرفية تعتبر أنّ دور المركزي في المنصة الإلكترونية المرتقبة سيقتصر على الإشراف فقط وبالتالي قد لا تؤدّي إلا لتعديل طفيف في سعر الصرف.

ولكن ثمة رأي آخر يعتبر أنّ سعر الصرف قد يستقرّ إذا تمّ اعتماد سعر 3000 ليرة مقابل الدولار لاستيراد الحاجات الأساسية للدولة، وهي قد تكون كفيلة بتخفيض الاستيراد للاستهلاك ليتمّ تغطيته من خلال التحويلات الخارجية، ايّ خفض حجم الاستيراد ليصبح مساوياً لحجم التحويلات، فضلاً عن استبدال الكثير من السلع الأجنبية بأخرى محلية وتغيير عادات الاستهلاك الذي قد يؤدّي إلى التحسّن في الميزان التجاري، خاصة إذا تمّ دعم الصناعات المحلية وتأهيلها لاكتساب قدرة تنافسية تخوّلها أن تصدّر إلى الخارج.

كما أنّ تأمين حاجات الدولة من النفط من خلال دولة لدولة وخاصة أنبوب كركوكطرابلس سيخفض من الأزمة التي تلوح في الأفق لجهة فاتورة المحروقات التي يجب تأمينها بالدولار، إضافة إلى تأمين زراعة مشاعات البلدات من قمح والتي قد تعدّ مورداً إضافياً هاماً، وتشغيل معمل السكر مع عودة الشمندر، وفتح السوق اللبناني على سورية والعراق بالتزامن مع وقف استيراد الألبسة والأحذية والألبان والأجبان إلى أن نصل لاستيراد للاستهلاك لا يتجاوز الملياري دولار في السنة يتمّ تغطيتها من خلال التحويلات، وتبقى العبرة دائماً في التطبيق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق