أولى

يوم القدس العالمي..
دعوة لإنعاش الذاكرة
في زمن التهويد والتطبيع

 د.خليل حمدان _

في الخامس عشر من شهر آب 1979، وفي العام الأول لانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية أعلن قائد الثورة الإسلامية الإيرانية الإمام الراحل السيد روح الله الموسوي الخميني، يوم القدس العالميّ، إذ دعا شعوب العالم لإحياء هذا اليوم في آخر جمعة من شهر رمضان المبارك، في محاولة حثيثة لإنعاش ذاكرة الشعوب بعد محاولات محوها من قبل حكامٍ لأنظمة استبدادية لا تقيم للقيم وزناً، ولا للمقدّسات حرمة. إنّ مواكبة القادة في إيران الثورة للقضية الفلسطينية، ليس مستجدّاً، بل تشكّلت في أسباب هذه الثورة وأهدافها. فمعظم الثورات اندلعت في العالم لأسباب محلّية لمواجهة طاغيةٍ عاث في الأرض فساداً وأفقر العباد وأقفر البلاد، وقد تكون ميزة للثورة الإسلامية الإيرانية أنّ أسبابها ليست فقط داخلية على الرغم من وجود كلّ المبرّرات لاندلاعها، وما ظلم الشاه وجلاوزته إلا السبب الكافي. ولكن كان الاعتراض الأشدّ على شاه إيران، علاقته بالكيان الصهيوني الغاصب على حساب الشعب الفلسطيني والقدس. ففلسطين من اسباب الثورة. ومن هنا نجد أنّ أدبيّات قادة الثورة الإسلامية في إيران في كلّ مناسبة، ومن خلال مؤلّفات ومنشورات وتسجيلات، نجد أنّ الهمّ الأكبر لهذه الثورة نصرة القدس وفلسطين وشعب فلسطين، وهي ميزة من ميزاتها على الرغم من أنّها إسلامية، إلا أنّها لم تقسم العالم إلى ديار الكفر وديار الإيمان كما هي حال بعض الحركات الأخرى في العالم، بل ثبّتت علاقتها ومواقفها على أساس جبهة المظلومين في وجه الظالمين، أو جبهة المستضعفين في وجه المستكبرين. فلا تكفير ولا تنفير ولا فتن، بل وحدة من أجل العدالة لكل إنسان والانسان كلّه. وما دعم قضيّة الشعب الفنزويلّي والتضامن معه، إلا مصداق حيّ، وترجمة حقيقيّة لتلك الأسس والقناعات الراسخة لدى قادة هذه الثورة. وإن كانت مناسبة إحياء يوم القدس، حيث نستذكر من خلالها القادة والشهداء الأبرار، الذين قضوا ومضوا على هذا الدرب، ولا يمكن ان يستقيم الكلام عن تحرير القدس من دون أن نستذكر قائدنا الامام السيد موسى الصدر. ويبقى الإمام السيد موسى الصدر (أعاده الله وأخويه) علامةً فارقةً في هذه المسيرة، حيث صدح باسم الله ثائراً وقائداً: “إنّ القدس هي قبلتنا وملتقى قيمنا، وتجسّد وحدتنا ومعراج رسالتنا، إنّها قدسنا وقضيتنا”.

وإنّ الإمام الصدر كان يعتبر أنّ القدس وفلسطين هما المكوّن الجمعيّ للعرب والمسلمين والمسيحيين والأحرار والعالم.

على درب الإمام مضت أفواج المقاومة اللبنانية أمل، وكان الشهداء في مواجهة الاحتلال الصهيوني. على درب الإمام الصدر، ما زالت هذه القضية حاضرةً في فكرنا وقلبنا وعقلنا. ومع الأخ الرئيس نبيه برّي، الذي في أكثر من مناسبة حذّر من عبث العابثين المحاولين لإسقاط القدس، داعياً ومطالباً بإغلاق السفارات العربية في واشنطن، وإنّ محاولات إسقاط القدس هي بداية، بل نهاية معظم العواصم العربية بالضربة القاضية.

في يوم القدس العالمي نستذكر شهيداً كبيراً عاش للّه واستشهد في سبيله، أحد كبار المسؤولين في حركتنا، الشهيد القائد مصطفى شمران، إذ تشهد له مواقع النضال والجهاد في لبنان وإيران. نستذكره مستعرضين خريطة آماله وآلامه حين قال: “أسعد لحظات حياتي، سقوط شاه إيران، وأكبر أمل عندي تحرير القدس، وأكبر ألم عندي، تغييب الإمام السيد موسى الصدر”.

أجل ستبقى القدس المؤشّر الحقيقي للجهاد والنضال، وهي البوصلة لمواجهة الظلم الأكبر المتمثّل باحتلال فلسطين. يوم القدس العالمي يجسّد وحدتنا بتعبير الإمام الصدر، هي مناسبة لتوجيه تحيّة لجميع الشهداء والجرحى والأسرى والقادة، والمستمرّين في حفظ هذه المسيرة من فلسطين والى كلّ العالم.

تحيّة إلى الإمام القائد السيد موسى الصدر الذي دفع ثمن إخلاصه للقدس وكامل القضية الفلسطينية، فأخفوه وأخويه خدمةً للمشروع الفتنوي والمعتدي، المتمثّل بالاحتلال الصهيوني، وعلى يد المجرم صنيعةإسرائيلمعمّر القذافي.

أجل، ينبغي أن تبقى القدس حاضرةً لدى الأجيال على مساحة العالم، فإن كان رهان الصهاينة على مقولة أنّ الكبار يموتون والصغار ينسون، فإنّ حفظ القدس وتحريرها على عاتق الأجيال المؤمنة، وذلك بتحرير الوعي وإنعاش الذاكرة في مواجهة تكبيل الوعي، حيث ما زالت أبواق إعلامية صفراء عربية وإسلامية، مدفوعة من أنظمة التطبيع والتهويد وذلك بتعميم اليأس بين الناس.

أجل، ينبغي أن تبقى القدس حاضرة وتتقدّم على ما سواها، لأنّ تهويدها لم يعُد احتمالاً في ظلّ إصرار الإدارة الأميركية بدعم الصهاينة بتصفية القضية الفلسطينية، أرضاً وحجراً وبشراً، من مقدّمات دعم الكيان الكامل وتغطية جرائمه، الى محاولة الإدارة الأميركية لحشد أوسع تأييد دولي لتنفيذ صفقة القرن. هناك الكثير ما يمكن قوله فيما لا تحتويه سطور، ولكن نورد ما يستنبطه تصريح السفير الأميركي لدى الاحتلال الإسرائيلي دايفيد فريدمان مؤخّراً: “ليس من المنطق أن تتنازل إسرائيل عن الخليل وبيت إيل، تماماً مثلما أنّ الولايات المتحدة لا يمكن أن تتنازل عن تمثال الحرّية”. وأضاف: “إنّ مسألة الإعلان عن ضمّ أجزاء من الضفة الغربية وغور الأردن ستكون مسألة أسابيع وستنتهي”. لعلّ القضية الفلسطينية تمرّ بأخطر مراحلها. فإن لم يستشعر البعض بخطر تهويد القدس وكلّ فلسطين، فإنّه يعيش في سبات عميق، وقد لا يفيد إن استُدرك الأمر بعد فوات الأوان. أليس السكوت على الظلم هو نوع من أنواع الظلم؟

يوم القدس يوم التأكيد على المقاومة ودورها واستمرارها. يوم وحدة الموقف لجميع القوى الفلسطينية واللبنانية والعربية والإسلامية والمسيحية في العالم، على قاعدة أنّإسرائيلشرّ مطلق والتعامل معها حرام، وإسرائيلغدّة سرطانية.

*عضو هيئة الرئاسة لحركة أمل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى