أولىكتاب بناء

من يجرؤ على اتخاذ القرار الصعب لإنقاذ وطن وشعب قبل فوات الأوان؟

علي بدر الدين

يبدو من مسار الأحداث التي تعصف بالبلد وناسه انّ دائرة الأزمات والمشكلات والتعقيدات تتسع بدل ان تضيق وكلما انقشعت غيمة إيجابية في أجواء لبنان عادت وتراكمت فوقها غيوم من كلّ شكل ولون وكلما فتحت طريق الإصلاح أمام ملفّ من ملفات الفساد سرعان ما تطوى صفحاتها لأنها لوّحت لها جهات أخرى شريكة بالفساد بملفات مماثلة على قاعدة العين بالعين والبادي أظلم وكلما تقرّر إقامة مشروع في منطقة لبنانية وسكانها ينتمون إلى طائفة او مذهب يخرج الطائفيون والمذهبيون والشعبوبون والمزايدون من جحورهم وأوكارهم لإقرار مشاريع في مناطقهم بذريعة الإنماء المتوازن والعدالة بالتوزيع وكأنها حصص  تموينية فتفتح سجالاً ليس في وقته ولا حاجة له ويضيف أزمة جديدة الى أزمات البلد الذي يكفيه ما فيه. وكلما انعدمت المعالجات والحلول ولم تنفذ القرارات التي اتخذتها الحكومة وخاصة المتعلقة بالإصلاح والتي يجب أن تبدأ بتقويض أسس الفساد والمحاصصة وكشف الفاسدين ومحاسبتهم واسترجاع ما اختلسوه من أموال الدولة ومؤسساتها ومن الشعب اللبناني فإنّ الطريق الى المستقبل الموعود سيظلّ وعراً ومقفلاً وموحشاً أمام سالكيه والحلول عصية والأخطر من ذلك فتح طرق ومسارب أمام الفوضى والمشاريع السياسية التي بدأت منذ مدة تطلّ برأسها كأفعى سامة تتربّص للنيل من فريسة ضعيفة لا حول لها ولا قوة ولا رأي في وطن يتشلخ على أبواب طبقة سياسية متمرّسة في مصادرة الولاء والانتماء له للارتماء في مصالحها ويكون تابعاً ومرتهناً ويفدي بدمه وروحه من يعتقد خطأ أنه ولي نعمته ومن دونه لا أمل له ولا حياة وربما إذا ابتعد عنه فقد جزءاً من إنسانيته ولا معنى لوجوده وهو عملياً ليس تحت نظره ولا حاجة له كإنسان بل لصوته كرقم إضافي في صندوق الاقتراع من أجل تراكم الأصوات التي تجعل منه «نائب الأمة» الذي لا يمثل حتى نفسه لأن له أيضاً ولي نعمة مثل المرتهنين من الشعب اللبناني وانْ بدرجة أعلى.

هذه الأزمات والملفات المحرّم فتحها والطروحات التي ترمى بوجه أيّ محاولة أو حديث عن الإصلاح أو فتح ملفات التعيينات المالية والإدارية والتشكيلات القضائية أو تعيين  موظف من هنا أو موظف من هناك هدفها واحد وأبطالها كثر وكلّ ينقر على دفه ويدقّ جرس الإنذار ويصرخ بأعلى صوته الطائفة او المذهب في عين الاستهداف، أو لن نكون مكسر عصا لأيّ كان، ولن نسكت بعد الآن على هدر الحقوق والكرامات، وهذا من حق من يعتبر انّ الجماعة التي يمثلها وهو المسؤول عنها أنها محرومة من حقوقها وليس من حق ايّ كان ان يأخذ هذا الحق من غير صاحبه أيّ من الدولة التي نبحث عنها ونريدها او من الشعب المغلوب على أمره والمعدم والجائع والمصادرة حقوقه من الطبقة السياسية الحاكمة من ثلاثين سنة وهي نفسها التي صادرت الدولة ومؤسساتها وأموالها وحقوق الطوائف والمذاهب وهي الخصم الذي يجب أن يواجه من كلّ الذين صودرت حقوقهم بما فيهم الدولة لأنّ السكوت والخنوع والارتهان وبيع الضمائر ومصلحة الوطن وحقوق الشعب تعني أنّ من يثيرون الضجيج ويسخرون الإعلام لرفع صوتهم هم شركاء في كلّ ما يحصل وما يفعلونه هو غش لناسهم ولرفع سعرهم.

انّ كرة النار تتدحرج والوقت ينفذ وكلّ ما يخرج اليوم من أكمام بعض السياسيين وجيوبهم وعقولهم المتحجّرة الممنجهة على الفساد والمحاصصة والمصالح والسلطة لا يبشر بالخير ولا يؤشر الى إيجابيات ينتظرها الشعب من الحكومة التي وعدته بالمنّ والسلوى والانفراج والحلول والمعالجات لكلّ أزماته ومشكلاته، وهي بالنسبة له الأمل أو هي التي أوحت له بذلك بوعودها التي تواجه بشراسة من الذين لن يقبلوا أن يتزحزحوا ولو قيد أنملة عن عروشهم الآيلة إلى الانهيار والزوال ولو بعد حين.

انّ السكوت لم يعد يفيد ولا السمع بالأذن الطرشاء ولا المراهنة على الوقت او على المتغيّرات الخارجية او بانتظار القضاء على كورونا وخطره الذي يبدو انه ما زال بعيداً، وعلى رئيس الحكومة حسان دياب ان يخرج من صمته ولا يكتفي بالكلام في المناسبات فقط أو تعداد ما تحقق من إنجازات. نعم إنه صادق ويحاول ولكن المواطن لم يتذوّق بعد طعم هذه الإنجازات التي قاربها ومعرفة مكامن الفساد ولكنه لم يسمّ أيّ فاسد ولم يحاسب فاسداً ولم يدخل ايّ فاسد الى السجن.

لسنا ضدّ الحكومة ورئيسها ولكننا بحاجة إلى جرأة وإلى ترجمة اسم حكومة «مواجهة التحديات» وما أكثرها وهي معروفة ولا تحتاج الى أدلة. الموقف الوطني والمسؤول حان وقته وأيّ تاخير يعني البلد الى الهلاك وانّ انتظار مساعدات صندوق النقد الدولي ليس في مصلحة لبنان لأنّ الانتظار قد يطول كثيراً وهو الخاضع كلياً لأميركا وشروطها التي تستهدفه ولا جدوى من البحث عن دعم مالي من الخارج وأموال الدولة موجودة بالحفظ والصون في المصارف وخزائن الطبقة السياسية لوقت الحاجة وقد آن أوانها. وهل يُعقل أن يصيب لبنان ما أصاب الجمال في الصحراء حيث قال الشاعر:

البيد في الصحراء يقتلها الظمأ

والماء فوق ظهورها محمول

ولماذا لا نستفيد من تجربة أحد الولاة الذين ساءت الأوضاع الاقتصادية والمالية والمعيشية والتجارية لولايته جراء المعارك والغزوات وصعود طبقة مالية ثرية جداً في الوقت الذي يعاني فيه شعبه من الفقر والجوع، وقد أثرت فيه هذه المعاناة كثيراً رغم صمت الناس وخوفها منه، ولمواجهة الأمر  دعا وزراءه ومستشاريه الى اجتماع للتشاور وتقديم الاقتراحات للخروج من الأزمة، ولأنهم يعيشون في عالم آخر من الرفاهية والتخمة وعقولهم لا تفرز اقترحوا عليه الحلّ بفرض مزيد من الضرائب على الناس الذين باتوا لا يملكون قوت يومهم، فرفض الوالي هذا الاقتراح بشدة وقال لهم نحن هنا لنساعد الناس ونجد الحلّ الذي يناسبهم وينقذهم مما هم فيه، ولا نريد الانقلاب علينا، وهذا من حقهم، واقترح عليهم زيارة التجار الكبار والأثرياء وطلب الدعم المالي للخزينة، ولكنهم فشلوا في مسعاهم وباعوا بلدهم وناسهم وضمائرهم مقابل رشوة تذهب إلى جيوبهم وخزائنهم، فقرّر الوالي ان يقوم بالمهمة لوحده وزيارة هؤلاء الأثرياء عندما تفرغ الطرق من المارة يعني زيارات خفية ليلية فكان التجاوب معه كاملاً وجمع منهم ما يسدّ عجز خزينة الولاية ويفوق منها وسمع منهم فساد رسله من وزراء ومستشارين والذين كان مصيرهم العقاب والعزل.

هل نقدر في لبنان على فعل القليل مما فعله ذاك الوالي أم انّ الخطر يتربّص بكلّ من يقترب او يتجاوز الخطوط الحمر المرسومة بإتقان؟ وهل من يجرؤ على رفع الحمايات الطائفية والمذهبية.

لا خيار أمام اللبنانيين سوى الدّعاء ان يكون الله بعون لبنان وشعبه لعلّ الفرج يأتي قبل الاحتضار؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق