الوطن

لماذا «تفتعل» الطبقة السياسيّة خلافات حول «صيغتها الحميمة»؟

 

} د. وفيق إبراهيم

صيغة 1943 التي قام لبنان السياسي المستقل على قواعدها وأعرافها تتعرّض حالياً لتجاذب شديد بين قواها السياسيّة الأساسيّة التي استفادت منها حتى إفلاس لبنان.

وتريد حالياً التبرؤ منها شكلياً مع دعوات مسعورة لتطويرها، على أساس ان مشكلة لبنان هي في هذه الصيغة وليست في قوى الطبقة السياسيّة.

لذلك تبدو خطة النظام السياسي الطائفي ممعنة في دعم خلافات أهليّة حول الصيغة لإحداث انشقاق بين أبناء الطوائف وتحشيد متقابل ومتعارض.

لكن القوى السياسية تحرص على منع تزحلقه نحو حرب أهلية وتجميده في إطار الجانب السياسيّ المتقاطع مع صراخ إعلامي له مهمة وحيدة وهي اظهار مدى حرص هذه القوى على الدفاع عن طوائفها وإعادة تقديمها كفئات بريئة من الاستنزاف الاقتصادي الذي أفلس لبنان مؤدياً الى انهياره.

ليس ضرورياً هنا وجود تنسيق مباشر بين قوى النظام الطائفي، فهي تعرف بالغريزة أن حمايات أدوارها لا تكون الا بتسعير الشارع على وقع طائفي.

بأي حال يجب الربط بين الإفلاس اللبناني الكامل وبين العودة الى طرح مشاريع لـ»المحرّك السياسي الجديد» الذي تتطلبه عملية كبح الانهيار ومعاودة الانطلاق.

وبما ان «المحرك القديم» هو صيغة 1943 التي تعدّلت مرتين: الأولى في اتفاقية الطائف 1989، والثانية في الدوحة 2008 فقد بات لزاماً البحث عن تعديل او تبديل في هذه الصيغة ليس حباً باللبنانيين بل سعي لمسألتين: فرار هذه القوى السياسية من المحاسبة على سرقات تعدّت في العشرين عاماً الأخير 250 مليار دولار تقريباً من المالين العام والخاص والمغترب والسطو على ديون تتحمّلها الدولة، وبالتالي المجتمعة قيمتها 93 مليار دولار وسط مشهد كارثي لا وجود فيه لكهرباء او مياه او تعامل صحي لرفع النفايات وبطالة متصاعدة وتضخم.

انه عصر تمزيق الدولة وإرهاب المجتمع في نظام اتسم بزبائنية لم تعرفها دولة مماثلة في الحجم والإمكانات.  

أما السبب الثاني فيتعلق بإصرار القوى السياسية على العودة الى السلطة للإمساك بلبنان السياسي بصيغته الحالية او المعدلة، او بأي صيغة أخرى.

لقد انتقل لبنان من هيمنة مارونيّة سياسيّة سمحت للسنية السياسية بالوقوف خلفها لاعتبارات تتعلق بالجوار العربي.

لكنها قبلت في 1989 بمشاركة سنية اساسية متقدّمة فتقدمت عليها نتيجة لموازين القوى التي اصبحت فيها سورية والسعودية أهم لاعبين في الميدان اللبناني مع اقتطاع حصة معتدلة للشيعة في الداخل اللبناني والإقليم.

هذا الوضع أحدث خللاً في الموازنات جراء تضخم كبير في الدور الشيعي بسبب نجاحه في الحرب على «إسرائيل» في 2000 (التحرير) وصدّ العدوان (2006) وأخيراً هزيمته للإرهاب منذ 2012 في ميادين سورية وجبال لبنان الشرقية. الأمر الذي أعطى حزب الله دوراً اساسياً في الداخل إنما من دون استثماره في لعبة السيطرة على المال العام والإدارة والحكومة كما تفعل القوى السياسيّة الأخرى، لذلك يبدو الحزب كمن يتخلّى عن الآليات التي تعتمدها القوى الداخلية مقابل حريات واسعة في أداء أدواره الإقليمية.

هناك إذاً انهيار اقتصادي كبير بنيوي الأبعاد ولا يمكن حله بإمكانات داخلية هي هزيلة أصلاً، خصوصاً مع استمرار لبنان بتجميد علاقاته الاقتصاديّة مع الجوار السوريّ وبالتالي العربيّ.

هذا ما دفع إلى إنتاج قوى من قلب النظام الطائفي تطالب بإلغاء الطائفية وإنتاج دستور مدني مقابل قوى أخرى تريد الفيدرالية في الجغرافيا السياسية وليس الدستورية فقط، فيما تتوغّل جهات ثالثة للإصرار على تحالف كونفدرالي فقط بين طوائف لبنانية لها جيشها وعلاقاتها الدبلوماسية واقتصاداتها المستقلة عن بعضها بعضاً، على أساس تقسيم جغرافي دقيق للمناطق بين الطوائف.

بذلك تنجح قوى النظام الطائفي بجذب اهتمامات أبناء مذاهبها الى حلبة الصراعات الوهمية على تقسيم لبنان بذلك ينسون الفساد السياسي الكبير الذي وضع البلاد في قعر هاوية اقتصادية لا قرار لها.

أين اللعبة اذاً؟

يتبين أن افتعال هذه الخلافات ليس بريئاً والمطلوبة إعادة الروح الى صيغة الدوحة المعدلة في 2008 مع شيء من التعديل لمصلحة الثنائي الشيعي تستفيد منه داخلياً حركة أمل في ادوارها في ادارات الدولة وحزب الله في حركته الإقليمية ورعايته للاستقرار اللبناني عند الحدود وفي الداخل.

وهذا امر واضح، لأنه من المستحيل تحقيق فدرالية او كونفدراليات موسّعة على مساحة عشرة آلاف كيلومترات مربع تتقاسمها ثماني عشرة طائفة اصبحت بعد تسعين سنة من دولة لبنان الكبير شديدة الاختلاط بشكل اصبح فيه من الصعب الفرز السكاني على أساس طائفي او مذهبي.

واذا كان هذا الامر صعباً على المستوى الفدرالي فكيف يمكن حتى مجرد طرحه كونفدرالية اي مشروع انشاء دول مستقلة بشكل كامل تتحالف بآلية على المستوى الخارجي كحال الاتحاد الأوروبي مثلاً!

وكيف يمكن تجميع السنة والشيعة والدروز في أطر منفصلة وهم بحال كبيرة من التخالط بينهم وحتى مع المسيحيين، كذلك فإن التناثر المسيحي أصبح متمازجاً مع مذاهب المسلمين بشكل يستحيل تجميعه مجدداً.

كما أن التيارات المؤيّدة لمدنية الدولة لا تزال ضعيفة جداً ويحتاج تشكيلها لمراحل طويلة، لأن قوى النظام الطائفي عطلت أدوارها بسيطرتها على الإدارات والمال العام والخارج والإقليم والتعليم والاستشفاء والإعلام ولم تترك لها شيئاً.

ألا تكشف هذه المعطيات ان الخلافات على الصيغة التقليدية الطائفية هي مجرد تمثيلية لاستيعاب الغضب الشعبي والتستر على الانهيار الاقتصادي واعتباره من مسؤولية الصفة التقليدية! وكأن هذه الصيغة تمتلك معادلات خاصة بها ومستقلة عن القوى السياسية وتمكنت من السطو على لبنان؟

لا شك هنا أن الصيغة فاسدة، لكن القوى السياسية الحالية امتطتها واستعملتها لنهب لبنان الدولة والمجتمع والعلاقات الخارجية.

هناك ما يزيد هذا التفسير وضوحاً وهو تدخل الكهنوت اللبناني بتنوّع طوائفه في دعم القوى السياسية الممثلة لطوائفهم. وهذا يشمل شيخ عقل الدروز الذي يدعم دار المختارة الجنبلاطيّة والبطريرك الراعي المؤيد لحاكم مصرف لبنان سلامة و»الصيغة» المقدّسة بالنسبة اليه، الى جانب مفتي الطائفة السنية عبداللطيف دريان الذي يعتبر الحريرية السياسية خطاً أحمر، اما مطران الارثوذكس الثائر كما يقول دائماً على الفاسد فيصرّ على تعيين شخصيات ارثوذكسية في الادارة العامة من اختيار السياسة الارثوذكسية وليس جبران باسيل او حسان دياب.

ان احداً لا يصدق ان مفتي الطائفة الشيعية احمد قبلان اصبح مع «مدنية الدولة» لأنها لا تعني فعلياً إلا إلغاء للادوار السياسية لقيادات الطوائف، بما يؤكد أن هناك قوى سياسية شيعية تهدد بمدنية الدولة لتتمكن من ترجمة الصعود الشيعيّ في الإقليم والداخل، في اطار تطوير صيغة الدوحة المعدلة.

هذا هو لبنان الذي يمتلك أسوأ طبقة سياسيّة تستعمل سلاح الطائفية للسيطرة على المجتمع وتلبية طلبات الخارج وإفلاس البلاد.

لبنان إلى أين؟ إنه يتجه نحو مزيد من التسويات بانتظار تشكل انتفاضة فعلية مستقلة الملامح تستطيع أن تنتصر بدعم المجتمع على أفسد طبقة في التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى