الوطنكتاب بناء

الخليج يواصل اللعب المحظور في زمن صعب!

 

} د. وفيق إبراهيم

انهماك الأميركيين بمعالجة اضطراباتهم الداخلية العنصرية ومجابهة جائحة الكورونا والتراجع الاقتصادي وصراعهم الجيوبوليتيكي مع الصين، لم يمنع ثلاث دول خليجية من مواصلة تنفيذ أوامر أميركية وتركية تلقتها في أوقات سابقة لنسف وحدة كل من العراق وسورية واليمن وليبيا ولبنان.

هذه الدول أصبحت معروفة وهي السعودية والإمارات وقطر، لكنها لا تشكل فريقاً واحداً بل محورين متصارعين الى حدود الاحتراب في الخليج ويلتقيان بدعم كل اصناف الإرهاب في العالمين العربي والاسلامي.

للإشارة فإن انتماء هذه البلدان للنفوذ الأميركي ليس هو المشكلة. فهذه مسألة بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945 وتسلم الأميركيون منذ ذلك الوقت حماية الخليج مقابل هيمنتهم على النفط.

المشكلة في أن هذه البلدان الخليجية اعتادت على تنفيذ السياسات الأميركية من دون أي استفسار او استعلام عن الأسباب، حتى انها لا تأبه إذا انسجم هذا الدعم مع مصالحها.

لذلك فما يثير العجب هو استمرار الإفراط في الأدوار الخليجية في مرحلة لا أحد يعرف فيها إذا كان بوسع الأميركيين الاستمرار بالسيطرة الأحادية على العالم ام لا، ومن هم الأعضاء الجدد في النظام العالمي الجديد؟ وهل تناسبهم هذه السياسات الخليجيّة؟

ليبيا مثلاً هي واحدة من الدول التي يصيبها تورطٌ خليجي كبير ينقسم الى فريق سعودي إماراتي يدعم الجنرال حفتر بالسلاح والتمويل، مقابل فريق قطري يمول التورط التركي في دعم دولة ليبيا في طرابلس التي يقودها السراج المنافس لحفتر.

التمويل القطري هنا يشمل نقل عشرات آلاف الإرهابيين السوريين من احزاب الاخوان المسلمين والتركستاني والنصرة، الى ليبيا ودعم دولة السراج بكل انواع التمويل وذلك لخدمة تركيا التي تلعب في عصر رئيسها اردوغان دوراً استعمارياً في العالم العربي.

مَن هو المستفيد من تقسيم ليبيا؟ الأميركيون والأتراك والروس والأوروبيون مقابل خاسر واحد كبير هم العرب والليبيون، فماذا تستفيد السعودية والإمارات وقطر من أمر كهذا؟

كذلك الأمر بالنسبة لسورية حيث تدعم السعودية والامارات تمويل وتسليح عشائر عربية متحالفة مع الأكراد العاملين ضمن المشروع الأميركي. والعمل هنا جار لتأسيس دولة لقوات قسد الكردية تفتعل حلفاً وهمياً مع عشائر عربية لتغطي به استحداث دولة كردية مستقلة تصبح قاعدة للأميركيين.

ومرة ثانية نسأل من المستفيد من تجزئة سورية؟ طبعاً هم الأميركيون جيوبوليتيكياً و»إسرائيل» التي تستفيد من استنفاد القوة السورية استراتيجياً.

اما قطر فتدعم الاستعمار التركي في احتلاله للشمال الغربي السوري وتموله وتدعمه بالسلاح والتغطية، ويشمل دعمها منظمات حراس الدين واللواء التركستاني وهيئة تحرير الشام وكامل المنظمات المتفرّعة من الإخوان المسلمين.

وإذا كانت هذه الدول الخليجية الثلاث تتناقض في هوية الذين تدعمهم، لكنها تعرف انهم ينتمون بشكل كامل بالنهاية الى المحور الأميركي.

ماذا عن اليمن؟ لم يحدث عدوان يمني على السعودية منذ تأسيس البلدين، لكن السعودية تواصل سيطرتها عليه بأساليب مختلفة سياسية وعسكرية وتعتبرها حديثة خلفية لها.

لقد هاجم حلف عربي مزعوم مركب من السعودية والإمارات بتأييد مصري أردني سوداني وتغطية أميركية بريطانية اسرائيلية، اليمن منذ ستّ سنوات بقوات ضخمة، لم تتمكن من تحقيق أهدافها المتعلقة بالقضاء على أنصار الله في المناطق الشمالية والغربية والوسطى.

لكنها نجحت في تقسيم ميداني لليمن بين حوثيين في الشمال حتى أعالي صعدة عند الحدود مع السعودية وجنوبيين في الجنوب بين عمان بحر العرب والوسط.

ونجحت أيضاً في تقسيم الجنوب الى مناطق ساحلية مؤيدة للمجلس الانتقالي الموالي لدولة الإمارات وحضرموت وتامت والجوف الموالية لقوات هادي الملتزم السياسة السعودية.

وكل هذه الاطراف السعودية الإماراتية تندرج في اطار المشروع الأميركي، فلماذا يريد الأميركيون وآلياتهم الخليجية تقسيم اليمن؟ لتأمين حريات واسعة للهيمنة الأميركية على بحر عدن وباب المندب وبحر عدن المحيط الهندي وتستفيد السعودية بمجاورة يمن مبعثر وضعيف يبقى طويلاً حديقة خلفية لها، اما الامارات فحلمها تأسيس مشاريع سياحية واقتصادية في جزر اليمن وسواحله.

كذلك فإن «اسرائيل» منتفعة من تجزئة اليمن لان خط مرورها من ايلات الى البحر الاحمر والخليج يصبح اكثر اماناً بالإضافة الى سلامة الخط الذي يربطها بقناة السويس من طريق صديقها السيسي وورثة أنور السادات وشركاه اللاحقين من الاخوان.

ماذا عن العراق؟ تبذل السعودية والامارات وقطر جهوداً تمويلية جبارة لتقسيمه وفق خطة بريمر القديمة الى ثلاث دول شيعية وسنية وكردية مع نفوذ على شكل احتلال تركي في الشمال مموّل بالكامل من دولة قطر.

لكن السعودية والإمارات تمولان جماعات الحلبوسي في الوسط ومعظم التيارات الإرهابية فيه والنجيفي وعشائر عربية لا يهمها إلا تلقي المكرمات والأموال.

وتموّلان أيضاً إقليم كردستان الذي يمتلك إدارة خاصة لكن السعودية والإمارات حرصتا على تمويل جيش كامل مستقل لكردستان البرازاني لدفعه نحو شعور بفائض قوة يدفع هذا الإقليم نحو الانفصال، وبذلك يصبح العراق ثلاث دول وربما أكثر. والمستفيد كالعادة أميركا الجيوبوليتيكية وتركيا الجارة والسعودية التي تعمل منذ ستة عقود على إضعاف أرض السواد.

 بذلك يتضح أن ذهاب الأميركيين نحو مزيد من التراجع يصيب هذه المشاريع الخليجية بتدمير العالم العربي بالخسارة واليتم، وعندها لن تستطيع التبرؤ منها، ولن يقبل المتضرّرون إلا بإسقاط هذه العائلات الحاكمة من آل زايد وسعود وخليفة بشكل نهائي إنقاذاً للعالم العربي من مفاسدهم التاريخيّة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق