كتّاب البناءمقالات وآراء

التحدّي الحقيقي أمام الحكومة…

 

} عفيف قاووق*

 أصبح الانتماء إلى المذهب والطائفة وصولاً إلى الانتماء المناطقي، متجذراَ في دواخلنا جميعاً، على حساب الانتماء للوطن وهذا ما نفتقده.

وبعد حراك 17 تشرين الأول وما فرضه من ضغط وتغيير وإنْ كان جزئياً متواضعاَ، توسّمنا خيراً بالحكومة وببيانها الوزاري التي قالت عن نفسها إنها حكومة تكنوقراط وحكومة مستقلين وغير حزبيّين، وبأنّ همّها الوحيد سيكون النهوض بهذا البلد من كبوته ومواجهة التحديات كما يحلو لها أن تُكنّى.

وبعد أن تجاوزنا فترة المئة يوم التي تحدّثت عنها الحكومة وطلبتها لتنجز بعضاً من هذه الإصلاحات، لا نبالغ إذا قلنا إنّ غالبية الشعب اللبناني قد خاب أمله بالنظر إلى تواضع ما حققته هذه الحكومة حتى لا نقول إلى إنعدام أي إصلاح أو تغيير جدّي وملموس أنجز حتى الآن

وبنظرة سريعة وموجزة عن التحدّيات التي قالت الحكومة إنها ستواجهها يتبيّن لنا أنّ الأمور سارت على عكس مما يجب.

وباستعراض لبعض من هذه التحديات المفترضة نجد أنّ الحكومة لم تستطع أن تحسم أمرها فيتحديالتعيينات الملحة على مختلف الصعد، ولا تزال الشواغر قائمة في مصرف لبنان لناحية نيابة الحاكم ولجنة الرقابة على المصارف وهيئة الأسواق المالية علماً أنّ هذه التعيينات تعتبر أكثر من ملحّة لناحية أنها الجهات التي يعوّل عليها في ضبط الأداء المالي والنقدي وحتى في التحقيق والتدقيق في مصير الأموال والتحويلات المصرفية التي يُحكى عنها والمشكوك في سلامتها.

وبالانتقال إلى موضوع الكهرباء والتي يشكل العجز الكبير والمستدام في تكلفتها عنصراً ضاغطاً على ميزانية الدولة، فلا نزال بانتظار تعيين الهيئة الناظمة للكهرباء ولا نزال نفتقد إلى خطة واضحة وشفافة لكيفية الوصول إلى كهرباء 24/24. وعوضاً عن هذا نجد أنّ التجاذبات لا تزال قائمة بين القوى السياسية النافذة والممسكة بالقرار بحيث انّ كلّ فريق يريد تحقيق مكاسب شعبوية وإعلامية على حساب إرهاق خزينة الدولة والإصرار على مطالبه حتى لو أدّى هذا الإصرار إلى النيل من صدقية الحكومة وجديتها وما حصل مؤخراً في معالجة قضية معملسلعاتاهو خير دليل على التخبط في مقاربة الأمور.

من المفيد التذكير أيضاً بأنّ التشكيلات القضائية قد مضى على إنجازها من قبل مجلس القضاء الأعلى أكثر من شهرين ولغاية اليوم لم يفرج عن مرسوم إعلانها نتيجة اعتراض البعض عليها ومحاولة الاستفادة من الوقت لإحداث تغييرات وتعديلات عليها وفقاً لما يتناسب ومصلحته.

آخر التحديات كانت في شغور مركز محافظ بيروت واللغط والكباش الذي حصل في البحث عن البديل لدرجة دخول مرجعيات سياسية ودينية على خط المناكفات هذه، ولا يزال الأمر كغيره معلقاً ليقضي الله أمراً كان مفعولاً

أما الطامة الكبرى فتكمن في الشأن الاقتصادي والمعيشي وكيفية مقاربته، فلم تتمكّن هذه الحكومة من فرملة الفلتان الحاصل في تدهور سعر صرف الليرة حيث تجاوز سعر صرف الدولار عتبة الـ 4000 ليرة، وما نتج عنذلك  من ارتفاع جنوني في أسعار المنتجات والسلع الغذائية والاستهلاكية، والتي تفوق القدرة الشرائية للمواطن. كلّ هذا يحصل في ظلّ تبادل الاتهامات ورمي المسؤولية ما بين الحكومة ومصرف لبنان تاركين المواطن يغرق في قعر العوز والفقر حيث من المتوقع وفق بعض الدراسات أن يصل عدد العاطلين عن العمل إلى ما يناهز المليون شخص مع نهاية العام الحالي

وعندما لاحت تباشير الحلّ (المشكوك به من قبل البعض). وهو الذهاب باتجاه صندوق النقد الدولي كانت المفاجأة المهزلة بأبهى صورها عندما تناقضت الأرقام التي يحملها كلّ من وزير المالية وحاكم مصرف لبنان، وهما المفترض بهما ان يكونا ضمن الفريق اللبناني الواحد المخوّل بمفاوضة الصندوق. هذا التناقض في الأرقام المقدّمة استدعى رداً ساخراً من الصندوق بأن طلب من الوفد التوافق والإتيان بأرقام موحدة حتى يتمّ البحث.

أمام هذا كله، فإنّ الحكومة مطالبة بأن تبرهن بالفعل لا بالقول عن كونها حكومة تكنوقراط وحكومة مستقلة عن التجاذبات السياسية، وهذا يتطلب جرأة من كافة الوزراء بالانقلاب الإيجابي على من يدّعي أنه أتى بهم كممثلين له في الحكومة، والتحرّر من أيّ ضغوط تواجههم، وان لا يكونوا مجرد ودائع وزارية لهذا الطرف أو ذاك، كلما أراد ابتزاز الحكومة والدولة يهدّد بسحب وزرائه منها، وهذه النغمة سمعناها من أكثر من طرف للأسف.

الرهان الأخير لنجاح هذه الحكومة (وإنْ كانت الفرص تبدو ضئيلة) يبقى على جرأة الوزراء أنفسهم وتفلتهم من الضغوطات والانتماءات الحزبية الضيقة وان يكونوا وزراء لكلّ الوطن.

لقد غالت هذه الحكومة في إطلاق الوعود وبث الآمال، لكنها اصطدمت بسدّ منيع قوامه قوى سياسية اعتادت التفنّن في اللعبة التحاصصية التي تعطي الحق لغير مستحقيه. وبالتالي فإنّ أمام الحكومة ورئيسها أحد الخيارين، إما مواجهة هذه الجماعة التى اعتادت على التحاصص وكسب المغانم، وفي حال عدم النجاح في هذه المواجهة المفترضة فإنّ الأوْلى برئيس الحكومة ان يخطو خطوة استباقية بتقديم استقالة الحكومة والانضمام إلى الشارع المطلبي «الصادق»، قبل أن يقول هذا الشارع كلمته ويسقطها. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الحكومة.

*ناشط اجتماعي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق