الوطنكتاب بناء

هل يستسلم اللبنانيون ويتراجعون عن حقوقهم بعد ‏تحريك وتد الفتنة؟

} علي بدر الدين

كشفت فتنة السبت هشاشة ما سُمّي بالسلم الأهلي والاستقرار الأمني، وبأنّ التعايش والوحدة الوطنية أو الإسلامية ليسوا سوى خدعة انطلت على اللبنانيين منذ اتفاق الطائف، أو كبالون منتفخ بالهواء ينفجر وينفّس لمجرد لمسه بإبرة أو شوكة وكأنه لم يكن، أو كطبل فارغ ولكن شكله وصوته كافيان لإحداث الضجيج والإيحاء بأنه مفيد ونافع للأغبياء والحمقى والجهلة الذين ينعقون مع كلّ ناعق وقد باعوا أنفسهم بأبخس الأثمان لمن اشترى الوطن والشعب ومقدّرات الدولة ومؤسساتها وأموالها مجاناً بالسلطة والنفوذ والقوة منذ ٣٠ سنة وما زالوا يمعنون فيه فساداً ونهباً وتحاصصاً وتقسيماً وصراعات ونبشاً للماضي الذي يحرّك غرائز بعض الموتورين الرخصاء الذين يمثلون ابن الشيطان الذي لم يفعل سوى أنه حرك الوتد المربوط به حبل البقرة الحلوب وكان كافياً للجهلة لتحريك الفتنة والتحريض على القتل وتحميل المسؤوليات وتبادل الاتهامات عن المسؤول الأول الذي حرك وتد البقرة حتى قضى على العائلة ولم يبق أحد منها وقد أوصلها جهلها للقضاء على نفسها ورزقها لأنها استجابت لشيطان الشرّ والفتنة.

وهكذا البعض من اللبنانيين الذين باعوا أنفسهم وضمائرهم للشياطين وفاقوهم شيطنة وانقادوا الى مخططاتهم من دون أن يدركوا انّ فخ الفتنة منصوب لهم وقد عميت أبصارهم وتحجّرت عقولهم وصودرت ضمائرهم، وانّ الفتنة إذا ما وقعت فلن ينجو منها حتى الشيطان بذاته وطابخ السم آكله.

ما حصل السبت في غير منطقة لم يكن صدفة او ناتجاً عن الاحتقان السياسي الطائفي والمذهبي البغيض فقط بل عن سابق إصرار، وتكفي الشعارات الكبيرة التي رُفعت في التظاهرات من هنا وهناك وخاصة أنه ليس مكانها ولا زمانها ولا حاجة ملحّة لها في وقت يسلط فيه سيف التهديدات والعقوبات على رقاب البلاد والعباد منذ ما قبل الإعلان عن «صفقة القرن» الخطيرة، وصولاً الى ما يُسمّى بـ «قانون قيصر» الذي هو الخطر بعينه على لبنان.

ويبدو انّ قطوع السبت الفتنوي وانْ عبر على سلامة ولكنه نزل كالصاعقة على اللبنانيين المسالمين الذين اعتقدوا اعتماداً على وعود الطبقة السياسية الحاكمة أنّ الحرب الأهلية ولّت الى غير رجعة، وانّ لبنان سينعم بالأمن والأمان والاستقرار بعد أن تصالح المتقاتلون وتصافحوا وتعاهدوا وقبلوا لحى بعضهم واتفقوا على المناصفة والمحاصصة بكلّ صغيرة وكبيرة، وتعاهدوا على البقاء في السلطة حتى الرمق الأخير وحتى الخروج من دنيا الفناء الى دنيا البقاء وقد صدّقوا وأعادوا إنتاج بعضهم البعض بقوانين انتخابية مفصّلة على قياسهم، وفي تحريك رأس الأفعى لتبخّ سموم الفتنة بين الناس والتضييق عليهم وإلهائهم بالقلق والخوف منها وقد ذاقوا مرارتها، حتى أنهم لا يريدون أن يتذكروها.

وفعلاً حققت الطبقة السياسية ما أرادته في كثير من الاستحقاقات وخرجت منها كالشعرة من العجين وبرّأت نفسها من كلّ الأزمات والمشكلات والانهيارات والإفلاس والديون والفقر والمجاعة ومن كلّ الأخطار المتربصة ورمت المسؤولية بعيداً عنها وادّعت أنها تجاهد اليوم لمنع تسلل الفتنة التي تمهّد للحرب، ولكن على الشعب ان يهدّئ النفوس ويضع فقره وجوعه ومرضه وكل حقوقه جانباً حتى تنجح الطبقة السياسية بإبعاد شبح الفتنة ومآسي الحروب.

وهنا تحضرني قصة شخص تمّ سجنه في زنزانة انفرادية مساحتها ثلاثة أمتار مربعة غير أنه بدأ بالصراخ والادّعاء أنه بريء وعقاباً له تمّ نقله الى زنزانة مساحتها متراً مربعاً فكرّر صراخه واعتراضه وردّوا عليه بإدخال تسعة مساجين الى زنزانته فاعترض أيضاً ورفع صوته طارحاً سؤالاً على السجانين: هل يُعقل أن يُحشر عشرة أشخاص في مثل هذه الزنزانة؟ وكان الردّ بأن تمّ إدخال خنزير إلى الزنزانة نفسها فصرخ الجميع «إننا نختــنق ونكاد نموت لأنّ رائحة الخنزير نتنة جداً»، وطالبوا بإنقاذهم وكان طلبهم إخراج الخنزير ثم المطالبة بإعادة توزيع المساجين على زنزانة المتر المربع الواحد وهكذا حصل وقد أبدوا للحراس رضاهم وقد نســـوا أنفسهم ومطالبهم ونضالهم لتحسين ظروفهم وارتضوا بالقليل جداً وبالذلّ. وتحوّل نضالهم من المــطالبة بالحرية وتوســـيع الزنزانة الى المطالبة بإخراج الخنزير والعــودة إلى زنزانة المتر لكلّ سجين.

وهذا تماماً ما ينطبق على ما يفعله السياسيون مع الشعب حيث يطبقون عليه ويضغطون بكلّ وسائلهم المتاحة لتعذيبه وتدجينه وإعادة اخضاعه حتى لا يتجرأ ويطلب الكثير، والطبقة السياسية وحدها تحدّد له ما يريد وإلا فإنّ السوط على رقبته. وها هو الشعب الذي كان يطالب بحقوقه المسروقة والمشروعة في الخدمات والتقديمات وفي التعليم والتوظيف والسكن والطبابة وكسر احتكار وجشع التجار وغيرها الكثير من الحقوق والحريات المصادرة والأموال المنهوبة والمهربة ومحاسبة الفاسدين أصبح يطالب بعد ان أطلت الفتنة برأسها السبت والخشية من الحرب اللعينة بإعادة الهدوء والاستقرار الأمني وتأمين مقوّمات الحياة الآمنة والسلامة العامة وأنسته هذه الطبقة أو تحاول نضالاته ومطالبه في الإصلاح وبالحقوق وهمّه الوحيد ان يؤمّن سلامته وأمنه والباقي تفاصيل وملحوق عليها…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق