أولىكتاب بناء

النسخة الأميركيّة من بو عزيزي ونهاية التاريخ

 سعاده مصطفى أرشيد*

 

ينظر كثيرٌ من البشر عبر العالم، بمن فيهم نحن، للنظام الأميركي على انه النظام الأمثل والأكثر كفاءة ومقدرة على الإنتاج والإبداع وعلى رعاية المواطن صحياً واجتماعياً واقتصادياً، وهذه الرعاية لا تشمل المواطن الأميركي داخل بلادة فحسب، وإنما تمتدّ لترعاه أينما كان في العالم الفسيح، النموذج الأميركي لطالما بدا لامعاً وجاذباً، فهو مجتمع الفرص الفرص للأذكياء وأصحاب الحظ السعيد، مجتمع الحرية والمساواة والمواطنة. لقد كان لهذه الرؤية منظروها من أكاديميين وفلاسفة ورجال أعمال وسياسة ونجوم سينما، ولعلّ مَن يستحق أن يذكر من بين هؤلاء اليوم هو الفيلسوف الأميركي ذو الأصل الياباني فرنسيس فوكوياما الذي قدّم واحدة من أشهر وأقوى التعبيرات عن هذه الرؤيا من خلال نظريته التي شغلت أوساط الساسة والمثقفين في نهاية الألفية الراحلة والتي أسماها نهاية التاريخ.

رأى فوكوياما أنّ أنظمة الحكم عبر التاريخ الواضح والجلي قد أثبتت فشلها وتهافتها، من الأنظمة البدائية الرعوية المغرقة بالقدم وشيوخ الجماعات القبليّة مروراً بالملكيات الوراثية المطلقة المستبدّة أو الدستورية، إلى الأنظمة التي اعتمدت المشروعيّة الدينية الإلهية، وكذلك الأنظمة القوميّة والاشتراكيّة والشيوعيّة على أنواعها، فيما يرى أن النظام الراسخ والعصي على الزلل والفشل، إنْ هو إلا نظام الديمقراطية الليبرالية وفق النموذج الأميركي، فالديمقراطية الليبرالية تمثل لديه العقيدة (الايدولوجيا) الوحيدة الصالحة والعادلة والتي لا يمكن تجاوزها باعتبارها قد حققت حاجات الإنسان الفرد والمجتمع على حد سواء، لقد اعتبرها النظام الأكمل والذي لم ولن يأتي المستقبل بما هو خير منه، هذه القطعيّة المطلقة والتي تتسم بالمبالغة الشديدة لا تنسجم مع جميع نظريات التاريخ التي ترى أن للتاريخ حركة دائبة ودائمة لا تتوقف.

أعادني حادث مصرع جورج فلويد لأعود بذاكرتي إلى فوكوياما ونظريّته، ومع أن عمليات القتل والتنكيل بالسود وأبناء الأقليّات العرقيّة أمر يكاد أن يكون يومياً ودائم الحدوث، إلا أن عناصر ومستجدات غير محسوبة قد دخلت على خطوط مصرع جورج فلويد وأدّت إلى التداعيات المتدحرجة كما حصل في حادثة انتحار المواطن التونسي بوعزيزي والتي كانت عود الثقاب الذي أشعل الشارع التونسيّ المحتقن بسبب سياسات وفساد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، هذه الأحداث ما لبثت أن انتشرت بسرعة إذ كان قد أعدّ لها على مدى سنوات بصمت، لتطبيق نظرية الفوضى الخلاقة التي أطلق عليها تعسفاً اسم الربيع العربي، وكما قال المثل الدارج إن (طابخ السم لا بدّ له من تناوله)، كان لا بدّ للغرب أن يضرس بحوامضه ومراراته، في أوروبا كانت البداية على شكل موجات من اللاجئين والهاربين من جحيم تلك الفوضى، وفي الولايات المتحدة التي ظنت أن المحيط الأطلسي سوف يقيها شرّ زوارق المهاجرين، جاء حادث مصرع جورج فلويد ليمثل عود ثقابها الذي أشعل موجة الاحتجاجات العابرة لكامل الولايات، وهو الأمر الذي لم يكن بحسبان مراكز دراساتها واستطلاعاتها ومجسّاتها الاستخباريّة أن تتوقعه وبهذا الحجم، وبهذا المقدار من العنف الذي يتهدّد النظام (النموذج) الأميركي برمّته لا الحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترامب فقط، هكذا أصبح النظام النموذج والأكثر تفوقاً ومنعة على مستوى العالم عسكرياً واقتصادياً عاجزاً عن التعامل مع فوضى داخلية ستقوده حكماً إلى أن لا يبقى على حاله، وقد يكون من المبكر الحديث بالأماني عن أفول هذه الشمس الأميركيّة المحرقة التي لطالما اكتوينا بنارها ومعنا العالم أجمع، فإن ذلك يبقى أمنية عزيزة على قلوب شعوب وأمم كثيرة.

مصرع جورج فلويد وما تلاه من أحداث له جذوره التاريخية التي تعود إلى الأيام الأولى لاكتشاف العالم الجديد والطريقة التي تعامل بها المستكشف الأوروبي الأبيض مع أهل البلاد الأصليين، ولاحقاً مع مَن تمّ استجلابهم مصفّدين بسلاسل الحديد من أفريقيا للعمل في مزارع القطن التي تزود مصانع مانشستر الإنجليزية بالقطن الخام، فمع كل مظاهر الديمقراطية ونظريات المساواة والمواطنة وأدبيات الحرب الأهلية وتحرير الرقيق، فإن التفرقة العنصرية تجاه ما هو غير أبيض بقيت قائمة ومتجذّرة في أعماق النفس الأميركية البيضاء، وهي إذ تنعكس داخلياً باتجاه معاداة السود والأقليات، فإنها تنعكس خارجياً تجاه العالم بأسره (ربما مع بعض الاستثناءات تجاه أوروبا الغربية)، كما أن عمليات القتل والتنكيل بأبناء العرق الأسود من قبل الشرطة تحدث بشكل دائم، ولكنها تحدث أيضاً على يد العنصريين وعصابات متطرفة مثل كولوكس كلان والتي وإن تراجعت حيناً فإنها كامنة لتنقض حيناً آخر.

اعتقدت المؤسسة الأميركية في العقد الماضي أنها تستطيع تجاوز الاحتقان الشعبي أو تأجيله أو على الأقل التخفيف من حدته بوجود رئيس أسود في البيت الأبيض، ولعل رئاسة اوباما استطاعت بالفعل تأجيل ذلك الانفجار، ولكنها لم تكن قادرة على أن تحول دونه خاصة وقد ترافق ذلك مع كساد اقتصادي وتراجع في أسعار النفط، وانعدام الرؤية الجمعية الأميركية التي تستطيع معالجة مشاكل البطالة وتسريح العمال والموظفين وتراجع خدمات الرعاية الصحية والمجتمعية وافتقاد القدرة على تلبية حاجات الطبقات الفقيرة والمهمّشة، ثم جاءت جائحة كورونا لتزيد من الأزمة الاقتصاديّة تدهوراً، وانتشر الوباء وتصاعدت أرقام المصابين والموتى، فيما الرئيس الأميركي ينحو باللائمة على الصين، ولم تستطع المؤسسات والمراكز الطبية والصيدلانية أن تجد دواء أو لقاحاً للوباء، مع ذلك يرفع الرئيس ترامب من سقف أزمته بقرع طبول الحرب على الصين وإيران وفنزويلا وسيف العقوبات القصوى (قانون قيصر) على دمشق وما إلى ذلك من هوس سياسي على غير هذه الدول بمقبلات الأيام.

على أحد ما أن يخبر فرنسيس فوكوياما أنّ مصرع جورج فلويد، المواطن الأميركي الفقير والمهمش والمجهول، قد أثبت تهافت نظريته، فالتاريخ لم ينتهِ بعد، ولن ينتهي، وأن النظام الأمثل والأكمل الذي حدث عنه قد أخذ يتهاوى على وقع دماء الضحية، وسوف تحدث انعكاسات خطيرة وربما سريعة على الدول التي تستظل بتلك الحماية، ومنها دول عربية لذلك علينا نحن أن نتذكر أن في عالمنا العربي أنظمة من هذا النوع يحكمها ملوك وأمراء ورؤساء هم خارج التاريخ وخارج الجغرافيا، فضائياتهم التي تنقل الأخبار وهي في الحقيقة ليست إلا ترجمة أخبار من فوكس نيوز( FOX NEO )  إذ تصور للمشاهدين أن ما يجري في أميركا وكأنها معركة أولئك الحكام لا معركة النظام الأميركي، وهم لا يدركون متى يأتي الدور عليهم ويطيح بعروشهم وتيجانهم على أيدي شعوبهم المقهورة.

*سياسي فلسطيني مقيم في فلسطين المحتلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق