مرويات قومية

الرفيق يوسف الشاعر من «تنورين» إلى «مندوسا» في الأرجنتين

 

في حلقات «سيرتي ومسيرتي»، وعندما تحدّثت عن مرحلة العمل الطلابي في «كلية الآداب» في «الجامعة اللبنانية»، أتيت على ذكر الرفيق يوسف الشاعر مع عدد من الرفقاء الذين كانوا انتموا في تلك المرحلة ونشطوا حزبياً، ثمّ في النبذة التي تحدّثت فيها عن الرفيق المميز حاتم بركات.

وكما عرفت الرفيق يوسف الشاعر، عرفت شقيقه الرفيق طبيب الأسنان، رامح، وشقيقته غريتا. في الثمانينات عندما التقيت الأمين رشيد الأشقر(1) عرفت منه أنّه على تواصل مع الرفيقة غريتا.

عندما غادرت إلى الأرجنتين، سألني المنفذ العام الأمين رشيد سابا إذا كنت على معرفة برفيق يُدعى يوسف الشاعر. أجبته بلهفة: طبعاً. أين هو؟

في مدينة «مندوسا»(2) ونحن على تواصل معه.

فوراً اتصلت هاتفياً بالرفيق يوسف، وكانت مكالمة عاصفة بمشاعر المودة والحنين والأشواق، إذ كانت علاقتي بالرفيق يوسف وطيدة، وكان تولى مسؤولية مدير مديرية كليّة الآداب في الفترة التي كنت فيها رئيساً لمكتب الطلبة.

دعاني الرفيق يوسف لزيارته في «مندوسا». وعدته أن أقوم بذلك في زيارة أخرى إلى الأرجنتين، فأتوجّه مع الأمين رشيد سابا إلى «مندوسا» لأيام، ثمّ نتابع باتجاه التشيلي(3) لزيارة من بقي فيها من رفقاء.

هذا التمنّي لم يستمرّ فترة طويلة، إذ علمت أنّ الرفيق يوسف قضى بحادث سيارة.

*

منذ فترة، وفيما كنت أراجع محفوظاتي، عثرت على كلمة بتوقيع يوحنا قمير، نُشرت في جريدة «النهار» بتاريخ 5/3/1992، وعلى النعي المنشور في الصحف، أنشرهما أدناه، لفائدة تاريخ حزبنا:

كلمة يوحنا قمير

يوسف الشاعر

من يقرص يراعه ويهب

« جاد ربه عليه فما ناء بذاك الجود.

أعفيكم، وأعفيني، وأعفيه من الكلام على نشاطه السياسي، على ما قام به، ولقي، أو كاد يلقى، فالسياسة تفرّق، وقد تمزّق وتفرّق.

وأكتفي بالإشارة إلى ما قام به في المهجر من نشاط اقتصادي، تجاري وصناعي وزراعي، وإلى ما حقق فيه من نجاح، أشير ولا أتمادى، لئلّا أذكي الغصة، إذ نرى أبناء لبنان يبنون اقتصاد المهاجر، واقتصادنا في خراب، خرّبوه، وخرّبناه ونخرّب.

ويبقى؟الأبقى:

أحبّ يوسف الشاعر (1944 – 1990) الأدب، إرث الجدّ الأول الشاعر، فسلك دروبه، سلكها على أيدي رسل آباء، والثقافة من رسالتهم في الصميم، وواصلها في الجامعة اللبنانية، وكانت يومها أرقى، ونال شهادة الإجازة. ثمّ انطلق يعلّم، وقدر معلم الأدب، قدر تلامذة وصادقوا كما قدر أساتذة وصادقوا.

وأغرت يوسف الفلسفة، فسلك إليها الدرب نفسها، ونال إجازتها، مثالاً آخر على أنّ الفلسفة والأدب، الفكر والشعر، يجتمعان ويتكاملان، فإذا كتب المفكر رفل الفكر على يديه في خز وبرفير، وإذا نظم الشاعر خطر الجمال على تبر وياقوت.

وكان يوسف يوالي نشاطه الثقافي، بعد أطروحة الدكتوراه، ويخرّج أفواجاً من التلاميذ، إذ احتدمت الحرب في لبنان، حاربونا، وحاربوا بنا وتحاربنا، فأغلقت الحرب مدارس ومعاهد، خنقت أحلاماً، هجّرت أموالاً وآمالاً، أفقرت الوطن، وفقر الفكر والشعر أوجع وأفرح، فالمال قد يأتي قروضاً أو هبات، ولكن من يقرض يراعه أو يهب؟

وحلم عودة المهاجر الوشيكة، فوهن الوضع الداخلي، واستمرار الاحتلال، ونجاح المهاجر حيث حلّ، حوائل وأغلال.

وما مصير الحلم، إذا ما المهاجر غيّب، وغيّبت معه الآمال، كلّ الآمال؟

دهمت المنيّة، ما أشفقت على الشباب الناضج الناجح، ولا على من يهجر: بلمحة طرف وقف القلب، هوى الجسم، وهمدت القوى، غاب العالم والمعلوم، الجاني والجنى، وكان الذي كان ما كان!

ومن أوجع ما في الغياب أنّه هجر، وما مجال إلى عتاب، إلى كلام وجواب.

وما يبقى للمقيم؟

حسرة النسيب والصديق، ومن لم يخبر مثل هذه الحسرات؟ ودمعة الأم والأخت والشقيق، يا للدموع الساخنات الخانقات!

وصراخ الصغار، سُلبوا الحنان، والرعاية والقدوة!

وتلوذ الزوجة بالصمت: ثكلت حبها، وأنسها، حاميها وكافيها، من كان لها الدنيا وما فيها. وفقدت الكلام!

دعوني أصمت معها، فأنّى لي أن أعزّي، واستحال العزاء؟

ربّ.. أنت عزِّ! «

* * *

بتاريخ 25/5/1971 أصدر رئيس الحزب في حينه، الأمين يوسف الأشقر، المرسوم عدد 36، الذي قضى في مادته الأولى بقبول استقالة الرفيق (الأمين لاحقاً) نبيل العلم من مسؤولية منفذ عام منفذية جبيل، وفي المادة الثانية تعيين الرفيق يوسف الشاعر منفذاً عامّاً.

* * *

نعي الرفيق يوسف الشاعر كما نشرته الصحف:

انتقل إلى رحمته تعالى المأسوف على شبابه

يوسف جرجس الشاعر

المتوفي في 25 تشرين الأول 1990 في الأرجنتين.

والدته حنة طربيه أرملة المرحوم جرجس الشاعر.

زوجته ماري إيلينا الشاعر.

أولاده: جرجس ويوسف.

بناته: نسرين وسمر.

أشقاؤه: أنطوان وعائلته، جان وعائلته، الدكتور رامح والدكتور بيتر.

شقيقاته: ماري زوجة توفيق أبو شبل وعائلتها، غريتا زوجة جو طويل وعائلتها ونبيهة.

وجميع عائلات الشاعر، طربيه، مراد، أبوشبل، طويل، زهرة، يحشوشي، بعيني، جرمانوس، وعنداري وجميع أصدقاء المرحوم في الوطن والمهجر.

يُحتفل بالصلاة لراحة نفسه الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر الأحد 4 تشرين الثاني في كنيسة مار روكز شاتينتنورين.

تُقبل التعازي يومَي السبت والأحد في 3 و4 تشرين الثاني 1990 في منزله بشاتين تنورين.

 

هوامش:

1 – الأمين رشيد الأشقر: للإطلاع على النبذة المعمّمة عنه الدخول إلى الموقع التالي: www.ssnp.info.

2 – مدينة مندوسا: تقع في المنطقة الجبلية الفاصلة بين الأرجنتين والتشيلي.

3 – كان للحزب مفوّضية ناشطة في «التشيلي»، ورفقاء مميزين كان أبرزهم الرفيق لويس كباش، ومن الرفقاء الذين ما زلت أذكر أسماءهم: لويس خوري، حسني قرنفلي، وأنطون خوري شقيق الرفيقة ناديا التي كانت اقترنت من الأمين نبيه نعمة. عن «التشيلي» وعن الرفيق لويس كباش كنت تحدّثت في أكثر من نبذة. للإطلاع مراجعة الموقع المذكور آنفاً.

إلى التشيلي كان غادر الأمين أليخاندرو بيطار متولياً منصب قنصل لبنان فيها، وقد حقّق حضوراً لافتاً كنّا نشرنا عنه في اكثر من نبذة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى