أولىكتاب بناء

نفط العراق للبنان عبر سورية يعني بدء التوجّه شرقاً رغم أميركا وقانون قيصرها…

 د. عصام نعمان*

 

كل ما جرى ويجري في شوارع مدن لبنان من عنف وتخريب منذ أسبوعين كان بفعل الولايات المتحدة ووكلائها المحليين. الغرض؟ محاولة تعطيل توجّه أهل السلطة شرقاً، نتيجةَ ضغطٍ شعبي جارف، للانفتاح والتعاون اقتصادياً مع الصين وروسيا وإيران مروراً بسورية والعراق.

كان محكوماً على أميركا ووكلائها أن تتراجع وتختار بين ما تعتبره «أهون الشرّين»: نفط العراق للبنان بدلاً من نفط إيران. حلفاء أميركا الإقليميّون امتنعوا عن تقديم أيّ عون مالي أو اقتصادي لبلدٍ كان لهم دائماً ساحة نفوذٍ ومربط خيل ومرتع متعة قبل أن ينتهي قياده، في زعمهم، إلى حزب الله وأنصار إيران.

الصديق وقت الضيق. لكن لبنان في ضائقته الشديدة لم يحظَ بعونٍ محسوس من صديقه التقليدي (أميركا) الحريص على أن يبدو دائماً الدولة المقتدرة والقادرة على فعل كل شيء في كل الأزمنة والأمكنة. بعضٌ من أصدقاء الغرب في سدّة السلطة حاروا وداروا وحاوروا وانتظروا طويلاً أن تمدّ أميركا وفرنسا يد المساعدة لكن دونما جدوى.

ما مردّ الإحجام؟

مردّه أسباب عدّة. قيل إن «اسرائيل» المتوجّسة من تنامي قدرات المقاومة (حزب الله) هي مَن دفع ادارة ترامب الى اتخاذ هذا الموقف بغية إضعاف لبنان وإنهاكه اقتصادياً واجتماعياً ما يمكّن اصدقاء الغرب ووكلاءه المحليين من إلقاء المسؤولية والملامة على حزب الله وحلفائه فيسهل أمر إخراجهم من السلطة.

قيل إن فريقاً من حكام الخليج ساءه أن يرتضي سعد الحريري مشاركة خصومهم في السلطة وأن يرعاهم ويُراعيهم حتى باتوا الشريك الأقوى في شركة الحكم.

قيل إن معارضين من أهل السنّة كما من المسيحيين المتعطّشين الى السلطة ساءهم وأساء الى رغائبهم ومصالحهم تحالفٌ وتشارك بين الرئيس العماد ميشال عون ومحازبيه من جهة ومحازبي «الثنائية الشيعية» (تحالف حركة امل وحزب الله) من جهة اخرى ما أبعد هؤلاء المعارضين عن جنّة السلطة ومنافعها ومباهجها ودفعهم الى الضغط على أصدقائهم ومتعهّديهم من المسؤولين في أميركا وأوروبا والخليج للإحجام عن مدّ يد المساعدة الى مَن صنفوهم أعداءً محليين عتاة للغرب عموماً وحكام الخليج خصوصاً.

الحقيقة أن كل هذه الأسباب والدوافع أسهمت بقليل او كثير في إيصال البلاد الى الوضع المأساوي الراهن الذي وصفته المفوّضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ميشيل باشيله بقولها «إن لبنان يواجه أسواء ازمة اقتصادية في تاريخه، وأن وضعه يخرج بسرعة عن السيطرة».

 غير أن السبب الرئيس للتردّي وخروج الوضع عن السيطرة هو تراجع قدرات الولايات المتحدة ونفوذها ودورها في منطقة غرب آسيا الممتدة من شواطئ البحر الأبيض المتوسط غرباً الى شواطئ بحر قزوين شرقاً.

لتراجع قدرات أميركا وتأثيرها اسباب عدّة، محلية وإقليمية ودولية. محلياً، تراجع اقتصادها منذ ازمة صيف 2008 نتيجةَ هجرة الكثير من شركاتها الكبرى الى الخارج، ولا سيما الى جنوب شرق آسيا والشرق الأقصى حيث اليد العاملة الرخيصة والأسواق الواسعة، ما أدى الى تزايد نسبة البطالة وانحسار نسبة التثمير في مختلف ميادين اقتصادها.

إقليمياً، أصبح للولايات المتحدة منافسون مقتدرون سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ابرزهم ثلاثة: إيران، تركيا و«اسرائيل». فإزاء الكثير من القضايا والتحديات والأزمات أصبح لهؤلاء سياسات ومواقف وتدخّلات تتعارض في أحيانٍ كثيرة مع سياسات أميركا وسلوكيتها على الأرض ما أدّى الى إضعاف تأثيرها في الدول والمجتمعات المعتبرة تاريخياً مرتبطة بها او محسوبة عليها.

دولياً، فقدت الولايات المتحدة رتبتها السابقة كأول واكبر وأقوى أقطاب العالم، لا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي. اليوم، تنافسها الصين على الوحدانية القطبية وعلى النفوذ الاقتصادي في القارات الخمس، وثمة من يعتقد ان اقتصاد الصين اليوم أصبح الاول والاكبر في العالم. الى ذلك، استعادت روسيا الكثير من قدراتها ونفوها باجتذابها اوروبا اليها بعدما أصبحت المورِّد الاول للغاز الى مختلف دولها. كذلك اليابان والهند وكوريا الجنوبية وماليزيا التي استطاعت الارتقاء الى مراتب عليا في التصنيع والتبادل التجاري مع شتى الاسواق العالمية.

نتيجة هذه العوامل والتطورات عدّلت الولايات المتحدة مقاربتها للشؤون الدولية وذلك بالتخلي عن مفهوم الحرب الخشنة ومتطلباتها ووسائلها وذلك باعتماد مفهوم الحرب الناعمة Soft Power التي تمارسها بنشاط ومثابرة في شتى أنحاء العالم ولا سيما في غرب آسيا. خلافاً للحرب الخشنة التي تهدف الى كسر إرادة العدو بالعمل على احتلال ارضه وتدمير مرافقه الحيوية، تهدف الحرب الناعمة الى تعطيل ارادة العدو وإنهاكه باستخدام وسائل الحرب الأهلية، والحصار والعقوبات الاقتصادية، والعصبيات المذهبية المفرّقة، والحرب التجارية، والحملات الإعلامية، والخروق السيبرانية، كل ذلك بقصد إنهاك العدو في الداخل وشل حركته في الخارج والضغط عليه لتقبّل مفاوضة أميركا وفق شروطها وشروط حلفائها الأقربين، وفي مقدمهم «اسرائيل».

الى ذلك، ثمة مفاعيل نفسية، مادية ومدمّرة لجائحة كورونا (كوفيد-19) في شتى أنحاء العالم، ولا سيما في الدولتين الأكثر عداء للعرب. ففي الولايات المتحدة أُعلن عن ارتفاع قياسي في عدد المصابين بالفيروس القاتل اذ سُجلت اكثر من 63 الف إصابة يوم السبت الماضي، وانه استناداً الى ارقام جامعة جون هوبكنز ذهب ضحيته أكثر من 133 الف شخص، وان الولايات المتحدة تتصدر قائمة الدول الأكثر تضرراً من تفشي كورونا.

في «إسرائيل» تحدثت السلطات الصحية عن تسجيل قرابة 1,5 الف اصابة بفيروس كورونا يوم الجمعة الماضي. كما تحدثت وسائل الإعلام عن وضع أكثر من عشرة الآف جندي في الحجر الصحي واستدعاء آلاف من جنود الاحتياط للحلول محلهم.

تداعيات كورونا النفسية والاقتصادية في كِلتا الدولتين المناهضتين للعرب من شأنها الحدّ من هامش الحركة والعمل لديهما كما من اعتداءاتهما على دول الجوار الجغرافي، ولا سيما لبنان وسورية والعراق.

اخيراً وليس آخراً، تزويدُ لبنان بالنفط العراقي عبر سورية يعني بدء التوجّه العملي شرقاً رغم حصار أميركا و«قانون قيصر» وعقوباته القاسية، كما يعني ان سورية والعراق سيكرّسان فتح الحدود والمعابر بينهما لما فيه خير البلدين وتنشيط عمليات النقل البري بين موانئ البحر المتوسط وبلدان الخليج.

*نائب ووزير سابق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق