الكلمة الفصل

عمليّة «خلة وردة» الاستباقيّة وأَدَتْ نصف قوّة الهجوم الصهيونيّ

 معن حمية _

تاريخ 12 تموز 2006، ليس تاريخاً لعملية نوعية فائقة النجاح أدّت إلى مقتل وأسر عدد من جنود العدو الصهيوني وحسب، بل هو تاريخ صناعة واحدة من المعادلات الكبرى، وهل من معادلة أكبر وأفعل من بناء قوة ردع لمواجهة العدو؟

في العام 2006 كان لبنان غارقاً في ذروة انقساماته، وواقعاً تحت ضغوط خارجية كبيرة، عنوانها قرار الفتنة 1559 وآلياته الفتنويّة، ومنه اغتيال رفيق الحريري، ليشكل هذا الاغتيال سبباً للقوى الخارجية من أجلِ مضاعفة ضغوطها. وكان المخطط يقضي بتفجير لبنان من الداخل، وتقويض السلم الأهلي، لإعادة لبنان إلى ما كان عليه عشية الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982. وهذا يؤكد بأنّ العدو الصهيوني كان يحضّرُ لشنّ الحرب على لبنان في التوقيت ذاته. لكنه فوجئ بالعملية النوعية والاستباقية التي نفذتها المقاومة، وتسبّبت بانهيار معنويات ضباط العدو وجنوده، وأفقدتهم عنصر المفاجأة والمباغتة.

إنّ المتابعة المتأنية لمسار حرب تموز 2006 التي استهدفت لبنان على مدى 33 يوماً، تجعلنا نرى وبوضوح أنّ العدو اعتمد سياسة الأرض المحروقة، فدمّر آلاف الأهداف من بيوت ومؤسسات وجسور وبنى تحتية، عدا عن استهدافه للمدنيين والأطفال، لكنه في المقابل أظهر رداءة وضعفاً وهزالة في القتال خلال المواجهات المباشرة مع أبطال المقاومة، وقد أقرّ الصهاينة أنفسهم، بأنّ عملية المقاومة في «خلة وردة» نجحت في تحطيم معنويات قوات العدو والتي تقهقرت أمام المقاومة. وقد أتى تقرير لجنة «فينوغراد» التي شكلها العدو للتحقيق في أسباب الهزيمة ليؤكد هذه الحقيقة.

قبل أربعة عشر عاماً المشهد كان واضحاً، فالعدو الصهيوني كان قد أنهى كلّ الاستعدادات لشنّ عدوان واسع على لبنان، ولاحقاً ستُكشف أسرار جديدة عن عملية «خلة وردة» على أنها واحدة من العمليات النوعية الدقيقة التي استهدفت ضرب نصف القوة العسكرية الصهيونية من خلال ضرب معنوياته، وأنّ المقاومة كانت تحسب بدقة أنّ العدوان الصهيوني سيبدأ في 12 تموز، وكان لا بدّ من عمل استباقي يكفل النصر للبنان والهزيمة للعدو.

 قرار الحرب على لبنان، لم يكن «إسرائيلياً» فقط، بل هو قرار «إسرائيلي» ـ أميركي ـ غربي، وقد أخطرت به بعض الأنظمة العربية المتواطئة التي اتهمت المقاومين بالمغامرين، وتجلى الدعم الغربي للعدو، بأن فتحت أميركا وبريطانيا وغير دول جسوراً جوية لإمداد العدو بالدعم العسكري، في وقت كانت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك كونداليزا رايس تُحضّر لمرحلة ما بعد المقاومة، لتعلن عن قيام «الشرق الأوسط الجديد»، قبل أن تتبدّد أوهامها، وترحل خائبة، ولم يجبر بخاطرها إلا فؤاد السنيورة الذي شكرها على صبرها!

ما أرادته رايس باسم كلّ المحور الذي اشترك في الحرب على لبنان، لم يتحقق. فـ «إسرائيل» خسرت الحرب، ومشروعها في «الشرق الأوسط الجديد» المتصهين تبدّد وتلاشى.

أما في المقلب اللبناني المتصل بعمقه القومي في الشام، ومع كلّ دول وقوى المقاومة، فبدا النصر جلياً ساطعاً وناجزاً، نصر أسّس لمعادلات كبرى ذهبية واستراتيجية، معادلة الجيش والشعب والمقاومة، ومعادلة الردع، ما يعني أنّ نتائج حرب تموز 2006، أرست واقعاً جديداً فرض نفسه على مسار الصراع ضدّ العدو الصهيوني، وأصبح العدو يحسب ألف حساب قبل القيام بأيّ عمل عدواني يستهدف لبنان بعد أن أسقطت المقاومة عنه كلّ الادّعاءات والدعايات الإعلامية التي من خلالها سعى العدو على تصوير جيشه على أنه «الجيش الذي لا يُقهر».

هزيمة العدو في حرب تموز، كانت شديدة الوطأة عليه وعلى حلفائه الأميركيين والغربيين وعلى كلّ من دار في فلكهم، ولذلك لم يجد العدو وحلفاؤه سوى اللجوء إلى ضرب سورية لما تشكله من حاضنة للمقاومة. ومنذ العام 2011 وسورية تتعرّض لحرب إرهابية كونية شاركت فيها نحو مئة دولة ومجموعات إرهابية متعددة الجنسيّات.

اليوم، وبعد فشل مخطط إسقاط الدولة السورية، وبعد انتصار سورية على الإرهاب ورعاته، ما زال العدو يشعر بمرارة هزيمته فلجأ إلى شنّ حربٍ جديدة على دول وقوى المقاومة، وبدأ بإرهابه الاقتصادي الذي يخالف كلّ القوانين والقواعد والمواثيق الدولية والإنسانية.

ومثلما تعدّدت وسائل الإرهاب العسكري، تتعدّد وسائل الإرهاب الاقتصادي، وتدرج من إجراءات أحادية إلى عقوبات إلى شروط وإملاءات، إلى «قانون قيصر» وما بين هذه الوسائل من غطرسة وحشية مهدّدة للإنسانية.

واللافت أنّ كلّ الحروب العدوانية، العسكرية منها والاقتصادية، ترمي إلى هدف محدّد، وهو إضعاف دول وقوى المقاومة وتصفية المقاومة، لضمان أمن العدو الصهيوني.

 إنّ ما يُراد تحقيقه «إسرائيلياً» وغربياً للبنان، منذ العام 1982 إلى اليوم، هو إما أن يكون لبنان هذا في ضفة «إسرائيل» الخانعة، وإما أن يكون على «الحياد» ضعيفاً، لا حول له ولا قوة.

وكلّ الحروب العدوانية الصهيونية والضغوط الخارجية على لبنان، هي لتحقيق هذه الأهداف.

وهنا تحضر الأسئلة:

لماذا يطرح البعض في لبنان عناوين، هي في الأساس أهداف «إسرائيلية» ـ غربية؟

ولماذا يتنكّر البعض، أياً كان هذا البعض، لما حققه لبنان من معادلات ذهبية ردعية، هي حصنه الحصين في الدفاع عن سيادته وحريته وكرامته؟

أيّ مصلحة عليا لبنان في أن يكون «حيادياً» في الصراع، والعدو يحتلّ أجزاء من أرضه ويشكل تهديداً وجودياً له؟

لهؤلاء نقول: اقرأوا جيداً دروس تموز وعبره.. بما فيها من وقفات عزّ وانتصارات ورسم معادلات.. فعلّ وعسى أن تعودوا الى جادة الصواب.. وتقلعوا عن رهاناتكم الخاسرة، وتغادروا مربعات الذلّ والهوان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عميد الإعلام في الحزب السوري القومي الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق