الوطنكتاب بناء

انقلاب المشهد السياسي والنقدي… حقيقة أم وهم وخيال؟

 

} علي بدر الدين

بين ليلة وضحاها انقلب المشهد السياسي العام في لبنان ومالت رياح التغيير أقله في الشكل لغاية اليوم، بعد تفاقم التهديد الأميركي للبنان على خلفية مواقف وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو إلى تدخل السفيرة الأميركية دوروثي شيا في أكثر من شأن لبناني، في حين ارتفع منسوب الخطاب بين أفرقاء الداخل حول كثير من الملفات الخلافية السياسية والاقتصادية والمالية والمعيشية، وكاد ينذر بانزلاقات جديدة تراكم الازمات وتعقدها وتدخل لبنان في نفق المجهول.

فجأة ومن دون مقدمات علنية تنقلب الصورة وتؤشر الى ما هو آتٍ وغير متوقع حيث يبدأ نحيب الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي ودولة كفرنسا التي لطالما وصفت بأنها الأمّ الحنون للبنان بالحزن والتحسّر على لبنان وإبداء القلق البالغ على حاضره ومصيره، والتحذير من انزلاق الوضع في لبنان نحو الخروج السريع عن السيطرة.

وقد جاء الردّ سريعاً وجريئاً من رئيس الحكومة حسان دياب بأنه سيمنع السيطرة على لبنان الذي لن يكون تحت سيطرة أحد بوجوده في رئاسة الحكومة، وسبق هذا الموقف المتقدّم الذي جاء في وقته ومكانه من دار الفتوى، وبعد استقباله السفيرة الأميركية دوروثي شيا وإبقائها على الغذاء كإشارة واضحة إلى إيجابية اللقاء بينهما والتي تمظهرت في ما نقله رئيس الحكومة عن أنّ السفيرة شيا أبدت كلّ استعداد لمساعدة لبنان في ملفات مختلفة في موقف لافت على تبدّل مفاجئ في الموقف الدولي وغير متوقع حصوله في هذا التوقيت المثير للشكوك، والذي من المقرّر ان يتوّج بالزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الفرنسي الى لبنان على خلفية التنسيق بين فرنسا وأميركا في ما يتعلق بالوضع في لبنان، وفي محاولة فرنسية للتوسط مع أميركا لاستثنائه من بعض الإجراءات العقابية.

فهل ما يحصل اليوم من تخفيف في اللهجة الأميركية تجاه لبنان على علاقة بصدور قرار المحكمة الدولية في الشهر المقبل؟  أم أنها خدعة أميركية جديدة؟ خاصة ان لا ثقة بالإدارة الأميركية لأنّ سجلها واضح لجهة سياساتها الخادعة والمشبوهة وعدم التزاماتها تجاه الدول التي تتعاطى معها. أم انها تتجه الى تهدئة اللعبة والتراجع التكتيكي المؤقت للانقضاض من جديد تحت ضغط الشارع الرافض لسياستها جملة وتفصيلاً والموقف الرسمي والسياسي والوطني الذي لم يلن او يخضع لتهديداتها وحصارها وقانون قيصرها؟

والسؤال البديهي الآخر: ما الذي حصل أو تغيّر ليتراجع سعر صرف الدولار الذي كاد يصل إلى العشرة الاف ليرة لبنانية والتوقعات لارتفاع سعره كانت مقلقة ومخيفة؟ هل هذا التراجع له ارتباط أو علاقة بالمستجدات السياسية ببعديها الداخلي والخارجي المائلة الى السكون والتهدئة بارتقاب حدث ما يعيد البلد الى المربع الأول المقلق والمصيري؟ وهل يمكن ان يقتنع اللبنانيون انّ لقاء رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ومصالحتهما وإعادة المياه إلى طبيعتها بينهما هو الذي ساهم بانخفاض سعر صرف الدولار الى حدّ الإعلان عن تثبيته على أربعة آلاف ليرة لبنانية؟

ما دام الرجلان يملكان الفانوس السحري لماذا لم يستخدماه قبل اليوم وقبل إفقار اللبنانيين وتجويعهم ودفع بعضهم الى الانتحار او بيع بعض ما وهبهم الله؟

والسؤال الثاني المحيّر الذي يستوجب طرح المزيد من الأسئلة وعلامات الاستفهام: لماذا غاب الحراك نهاية الأسبوع المنصرم عن بيروت وعدد من المناطق من دون تبرير أو تفسير باستثناء حراك متواضع حصل في النبطية وطرابلس؟

وما الذي دفع رئيس الحكومة إلى التفاؤل بمسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي حيث قال: قلبنا الصفحة عن المناقشات التي حصلت مع الصندوق، وبدأنا نتحدث عن الإصلاحات الأساسية المطلوبة والبرنامج الذي يجب التوافق عليه بين لبنان والصندوق.

يُضاف إلى ما تقدّم الموقف اللافت لوزير الصناعة عماد حب الله حيث قال: «انّ حكومتنا تقحط وسخ الحكومات السابقة…» وهذا يعني مع ما سبقه من مواقف لرئيس الحكومة وتأكيده انّ الحكومة باقية ولن تسقط يتجه الى بتر العلاقة مع أطراف سياسية شغلتها الوحيدة التصويب على الحكومة وفبركة الأخبار حولها وعنها، والإصرار على انّ هذه الحكومة ملتزمة بما وعدت به والأولوية هي للإصلاح وإنقاذ الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية.

فهل يصدّق الشعب اللبناني أنّ أميركا العظمى تخلت فجأة عن عظمتها وجبروتها وإرهابها وإفقار الدول وتجويع الشعوب ودعمها اللامحدود للكيان الصهيوني، وتحوّلت الى حمل وديع أو إلى جمعية خيرية وطلب المسامحة على كلّ ما ارتكبته في مشارق الأرض ومغاربها؟ أمر لا يمكن تصديقه او حصوله ويستدعي من لبنان الحذر والوعي والثبات على الموقف الرافض للخضوع لإملاءاتها لأن لا أمان لها ولا ثقة فيها ولا يعوّل على وعودها والتزاماتها.

وهل يمكن أن نصدّق انّ الطبقة السياسية الحاكمة منذ الطائف قد تابت توبة نصوحة عن كلّ ما اقترفته بحق الوطن والشعب، أو أن ما تبقى من ضمائر قد صحت وأدركت حجم ما فعلته وأنها لن تعود الى سياساتها الملتوية ولا الى الفساد والمحاصصة؟ وهذا ما لم يحصل، وإذا كانت جادة في توبتها عليها ان تعيد ما نهبته وهرّبته من أموال عامة الى خزينة الدولة اليوم قبل الغد، وعندها يمكن أن يغفر لها الشعب اللبناني الطيب رغم ما سبّبت له من آلام ومعاناة وجوع وفقر.

يبقى القول الذي لطالما كرّرناه انّ الحكومة الحالية هي الخيار المتاح الذي يمكن الركون إليه مع التحفظ وعدم التفاؤل والأمل كثيراً لأنها لم تتخذ اية خطوة عملية مطلوبة في الملفات الساخنة اقتصادياً ومالياً ومعيشياً ونقدياً أو لجهة تعطيل فرامل الفساد وتكسير أيدي الفاسدين، أو لجهة اتخاذها قرارات جريئة عاجلة وإنقاذية، ولا ننكر أنها نجحت في تجاوز الكثير من المطبات والاستهدافات وصمدت وواجهت كلّ من حاول تشليعها من الداخل او إرهابها وبالتالي إسقاطها، وأمامها فرصة متاحة للاستفادة من المناخ الدولي الذي يدّعي الحزن والقلق على لبنان، ومن الليونة الأميركية المشبوهة اتجاه قضايا تخدم مصالحها السياسية من انكفاء بعض القوى السياسية وعدم مجاهرتها بالبحث عن مداخيل جديدة لأنها على ما يبدو اكتفت او لأنّ ما تبقى في لبنان غير مغر ولا يستحق الصراع عليه، خاصة انّ خزينة الدولة قد أفرغت بل تراكمت عليها الديون، وكذلك جيوب اللبنانيين بعد ان سرق تحالف الطبقة السياسية والمصرف المركزي وأصحاب المصارف أموالهم.

ما يشجع على التفاؤل بالحكومة ما نشهده من الثقة الزائدة بنفسها وقدرتها على الإصلاح الحقيقي واستغنائها عن الشركاء المضاربين الذين قد يشكلون عائقاً اساسياً أمام مهامها وإنجازاتها الآتية على حصان أبيض بجناحين.

هل ما يحصل هو مجرد انقلاب المشهد وحقن الشعب بجرعات مخدّرة للآتي الأعظم؟ أم انه مؤشر تسووي للبنان نصيب منه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق